81 / دولة النساء

لا شك أن التراث العربي قد حفل بألوان متنوعة من الفنون والآداب تتناول موضوعات الحياة المختلفة وطبيعة المعيشة في البادية والأمصار والتي احتلت المرأة فيها مكانة مميزة في النثر والشعر ومن ثم في الوجدان الجمعي ، ومن أهم الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب (دولة النساء .. معجم ثقافي اجتماعي لغوي عن المرأة) من تأليف الأديب والكاتب عبد الرحمن البرقوقي مؤسس مجلة البيان ورئيس قلم المراجعة بمجلس النواب والذي ولد في منية جناج بمركز دُسُوق عام 1876 م وتوفي بالقاهرة عام 1944 م.

تلقى تعليمه بالأزهر ودرس على يد الشيخ محمد حبيب الله الشِّنقيطي والشيخ سيِّد المَرصَفي لكنه تأثر بشدة بالإمام محمد عبده الذي كان ممَّن أثَّروا في تفكيره واتجاهاته في ميدان الأدب والبيان وتوثقت صلته به وأهدى إليه كتابه (حضارة العرب في الأندلس رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع) والتي تخيل فيها أنه رحالة من الزمن الماضي كما كتب عنه فصلا بعنوان (مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة) وذلك في روايته البديعة (الفردوس) التي تخيل نفسه فيها في الآخرة على غرار رسالة كتابات المعري ودانتي.

وابنه هو الفيزيائي محمد عاطف البرقوقي مفتش العلوم في وِزارة المعارف المصرية وصهره زوج أخته الأديب مصطفى صادق الرافعي والذي عاونه في مجلة البيان الثقافية التي أصدرها عام 1910 م ، وبعد احتجاب المجلة عيَّنه سعد زغلول رئيسًا لقلم المراجعة اللغوية لمضابط البرلمان بمجلسَي الشيوخ والنوَّاب تقديرًا لشخصيَّته ومكانته الأدبية ، وقد شهد له المازني في نعيه بالفضل فقال: ” رحم الله البرقوقيَّ قضى نَحْبَه في جيل أكبرُ الظنِّ أنه لا يعرفه معرفتَه وقد كان في زمانه من أعيان البيان وأقطابه وأعلامه بل كان يمثِّل عهدًا من عهود الأدب “.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن سيد بن أحمد البرقوقي .. أديب مصري ولد في منية جناج (مركز دسوق بالغربية) وقرأ في الأزهر على الشيخ المرصفي واستفاد من دروس الشيخ محمد عبده ، وأصدر مجلة (البيان) شهرية سنة 1910 م فكانت صحيفة أدباء مصر العقاد والمازني وشكري والسباعي وغيرهم وكان كثير العناية بجودة العبارة وجزالة الأسلوب ، أضاع ماله في مجلته.

يصفه عارفوه بإمتاع الحديث وأنس المجلس ، وله تآليف، منها شرح ديوان المتنبي وشرح ديوان حسان ودولة النساء (معجم ثقافي) والذاكرة والنسيان ، واختار مما استجاد من أدب العرب مجموعة سماها الذخائر والعبقريات (جزان) وديوان الأدب والفردوس المفقود وشرح تلخيص المفتاح وحضارة العرب في الأندلس “.

وقد كتب ابنه شرحا لظروف تأليف الكتاب ومحتوياته وذلك في مقدمته فقال : ” هذا الكتاب .. أعتبر هذا الكتابَ يَتِيماً كالابن الذي يَظْهَرُ في الحياة بعد وفاةِ أَبِيهِ وَكَمْ في التاريخ من عظماءِ الرّجالِ مِمَّنْ لَمْ يروا آبَاءَهُم إطلاقاً  وكأنَّ هذا اليُتمَ المُبَكِّرَ يُحَفِّرُ النَّاسَ على العِنايَةِ بِمِثْل هَؤُلاءِ الأَبْناءِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ العَظِيمُ قَدْ فَقَدَ عنايةَ مُؤَلِّفِهِ بَعْد إتمام تألِيفِهِ وَقَبْلَ إِتمَامِ طَبْعِهِ وَظُهُورِهِ وَلا غَرْوَ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ مَجْهودِ المُؤَلَّفَ وَعُصَارَةِ أَفْكَارِهِ وخُلاصَةِ تجارِبِهِ وَنِتاجِ اطلاعِهِ فِي سِنْهِ الناضِجَةِ بعد إحالته على المعاش ما جَعَلَ المَوْتَ يَخْتَطِفُهُ وهو فِي أَتَمَّ صِحْتِهِ رَغْمَ تَقَدُّم سِنْهِ واختارَهُ المَوْتُ وهو في أَوْج قُوَّتِهِ ، وَلَكِنَّهُ المَجْهودُ الَّذِي أَفَرَغَهُ في تأليف هذا الكِتاب هُوَ الَّذِي أَنْهَكَ قُواهُ وَكَانَتْ إِرَادَةُ اللهِ ولا رَادٌ لِقَضائِهِ إِذْ تُوفِّي فَجْأَةٌ يوم يونيو/ حزيران سنة ١٩٤٤م وفي يَدِهِ الصَّفحات الأُولى المطبوعة من الكتاب.

وهذه الحالُ حَفَزَتْنا للعناية بإخراج هذا الكِتابِ إِلَى حَياةِ الأَدبِ ، وليس لَنا فَضْل في ذلك يُذْكَرُ فقد قَضَى اللهُ ولَطَفَ إذ لم يَتَوَفَّ المؤلَّفَ إِلا بَعْدَ إتمام التأليف فما كانَ مِنَّا إِلا مُراجَعَةُ المَطبوع على الأُصولِ والعِنَايَةُ في ذَلِكَ أَيَّما عناية حتى نَقُومَ بِبَعْض الواجب من الوَفَاءِ لِلمُؤَلَّفَ وَلِلْقُرَاءِ والبَلادِ العربية وَلِلْمَلِيكِ المُفَدَّى فاروق الأول ملك مصر حَفِظَهُ اللَّهُ وَأَدامَهُ ، والكِتابُ كما يَتَّضِحُ من اسْمِهِ  مُؤَلَّفٌ يَحْوي بين دُفَّتَيْه كُلَّ مَا قِيلَ عن المَرْأَةِ من أقوالِ البُلغاءِ وَالمَسْتَجادِ مِنْ نَظْمِ الشُّعراء وما نَطَقَ به الفلاسِفَةُ والحكماء وما وَرَدَ في القرآن الكريم أَوْ سُمِعَ من أحاديثِ الرَّسُولِ العَظِيم.

وقَدْ جَمَعَ فَأَوْعَى وَلَمْ يَتْرُكْ شارِدَةً ولا وارِدَةً إِلَّا أَحْصاها وَجَعَلَها في المَوْضِع اللائق بها وتجد فيه وصف المرأة من حَيْثُ مركزها وجمالها وملاحتها وخُلُقُها وفِتْنَتُها بل وَقُبْحُها ودَماثَتُها وما جاءَ في خُلُقِهِنَّ من وصْفِ الكَيْدِ والمَكْرِ والزَّهْوِ والبُخْلِ والحَياءِ والخَفَرِ وأحكام الزواج والطلاق والغيرة والتَّدَيُّثِ وما إلى ذلك من النواحي المُخْتَلِفَةِ لِدِرَاسَةِ المَرْأَةِ ، فلا غَرْوَ أن جاءَ بَعْدَ ترتيب أبوابه وشَرْحِ العَامِضِ من كلامه والمُبْهَمِ من عباراته آيَةً في البلاغةِ ومَرْجِعاً للأدباء والمُتَأَدِّبين وَسَلْوَةَ العاشقين والمُسْتَشارَ الأمينَ للرَّاغِبينَ في الزَّواج بَلْ مَرْجِعاً لِكُلِّ قارىء وقارئة ، وَإِذا كانَ النَّاسُ رِجالا ونساءٌ وَبَنِينَ وَبناتٍ وَما الحياةُ إِلا تَعاوُنٌ بين الجِنْسَيْنِ فلا غَرْوَ إِذا كانَ هَذا الكِتابُ لِلْجَمِيعِ يَقْرَؤُهُ الرَّجُلُ لِيَعْرِفَ شَرِيكَةً حَياتِهِ وتَقْرَأَهُ المَرْأةُ لِتَعْرِفَ آراءَ شَرِيكها فيها وَإِذا كانَتِ الحياةُ نتيجةَ كانَتْ حياةً سَعِيدَةٌ لِلْجَمِيعِ.

وَإِنَّني أُقدِّمُ وافِرَ الشُّكْرِ لِحضراتِ الأَساتذة محمود سيد أحمد الشريف مدرّس أوّل اللغة العربية بالمدرسة التوفيقية شُكراً جزيلا والأستاذ عبد الله أبو حامد مدرس اللغة العربية والأستاذ إسماعيل محمد حسنين مدرسي العربية بالمدارس الثَّانَوِيَّة على ما قاموا به من مراجَعَةِ أُصولِهِ وضَبْطِ ما لا بُدَّ من ضَبْطِهِ ، وقد كان الأَوَّلُ في كثير من الأخوال يضْطَرُّ إلى الرجوع إلى المراجع الأصلية التي أشار إلَيْها المؤلِّفُ فكانَ مَجْهودُهُ مشْكُوراً وهكذا تَمَّ إخراج هذا الكتابِ العَظِيمِ إِلَى الحَياةِ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

وَبَعْدُ  ، فيا أيها الوالد العزيز ! ويا أَيُّها المؤلفُ النابغة القدير ! طِبْ نفْساً وَنَمْ في رَمْسِكَ هادئاً فقد تَمَّ ما أَرَدْتَ مِنْ إخْراجِ هذا الكِتابِ ، وكَم كانَتْ نَفْسُكَ عاليةً وآمالكَ واسِعَةٌ ولَكِنَّها إرادَةُ اللهِ ولا رَادَّ لِقضائِهِ وَإِنَّ ما أَخْرَجْتَهُ من مُؤَلَّفاتٍ قَيْمَةٍ لَهِيَ من مفاخِرِنا بل مِنْ مَفاخِرِ أُسْرَةِ البَرْقُوقي بأجْمَعِها بل من مفاخر مِصْرَ بِأَجْمَعِها  يُعْجَبُ بها بلاد العُروبَةِ كُلُّها وَلْيُنْزِلْكَ اللهُ منازِلَ المُتَّقِينَ الأَبْرار جزاءً ما أَدَّيْتَ للأَدَبِ والعِرْفانِ من خدمات ، القاهرة في يونية / حزيران سنة ١٩٤٥م محمد عاطف البرقوقي نَجْلُ المؤلف وناظر المدرسة التَّوْفِيقِية “.

وقد كتب عنه زوج ابنته  الأستاذ إسماعيل محمد حسنين في مقدمة الكتاب فقال : ” حياةُ المُؤَلِّفِ : المرحوم الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي ١٢٩٣ – ١٣٦٣ هـ = ١٨٧٥ – ١٩٤٤ م ، نسبه : هو عَبْدُ الرَّحمن بنُ عَبْد الرحمن بن سيد أحمد بن سالم البَرْقُوقي ، وكان سالِم البَرْقُوقي – رأسُ الأُسْرَةِ البَرْقُوقِيَّةِ – معاصِراً لِوالِي مِصْرَ مُؤَسِّس الأُسْرَةِ العَلَوِيَّةِ المَلَكِيَّة المغفور له مُحمَّد عَلي باشا وَكَانَتْ جُرْأَتُهُ وشَجَاعَتُهُ مَضْرِبَ الأَمْثالِ حَتَّى أَنَّ الوَالِي العَظِيمِ أُعْجِبَ بِه أَيَّما إِعْجَابٍ .

وقد جاءَ ذِكْرُ البَرْقُوقي في كِتابِ الجَبَرْتي جزء ثالث بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأُسْرَةِ أَسْمُهُ محمد البَرْقُوقي مِنْ أَنَّهُ كان عالِماً وَاكْتَسَبَ شُهْرَتَهُ بِأَنْتِمَائِهِ لِتِلْكَ الأُسْرَةِ ، وَاخْتَلَفَ المُؤَرِّخُونَ فِي أَصْلِ البَرْقُوقي فَقَالُوا : إِنَّهُم مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيَّ أَوْ مِنْ أَصْلٍ عَرَبيٌّ وَلَمْ يُرَجّحوا ناحِيةٌ على أُخْرَى وَعَلى كُلٌّ فَهِيَ أَسْرَةٌ مشهورَةٌ نابِهَةُ الذِّكْرِ سامِيَةُ المَنْزِلَةِ بِبَلْدَةِ مُنْيَة جَناح من أعمال مَرْكز دُسُوق بمديريَّة الغَربيَّة أَنْجَبَتِ الفطاحلَ مَنَ القُضاةِ والمُسْتَشارِين وَالأفذاذ الأطباء والمُهَنْدِسين والعَباقِرَةَ مِنَ المُحامِين والمُرَبِّين ، وقَدْ أَنْجَبَ الأستاذُ عَبْد الرحمن أنجالاً  هم الأساتذة بَهِي الدين وعاطف وعَبْد المنعم وكَرِيمَتَيْن.

حياته  : دَرَجَ المؤلف في كَنَفِ أَبَوَيْن عَظِيمَيْن تَلُوحُ عليه مخايِلُ الذَّكَاءِ وَيَبدُو وله وعدُ السَّحابة بالرَّوَى فَانْتَظَمَ في عِقْدِ طَلَبَةِ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ مُتَعَطِّشاً لِلْعِلْمِ وَالأَدَبِ مُرْتَقِباً أَنْ يَبُلُّ أُوَامَهُ فَنَهَلَ من ينابيع العالِمِ التَّبْتِ الشَّيْحَ مُحَمَّدِ محمود بن أحمد بن محمد التُرْكُزِيَّ الشَّنْقِيطِيّ ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤م المَشْهُورِ بِابْنِ السَّلامِيدِ  والعالم الحجة الشيخ سيّد بن علي المَرْصِفِي ۱۳۱۷ هـ = ۱۹۰۰ م ، وكانَ الأُستاذ الإمامُ الشَّيْخُ محمد عبده ١٢٦٦ – ١٣٢٣ هـ = ١٨٤٩ – ١٩٠٥ ممِن الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَثَرُوا فِي مَناحِي تَفْكِيرِهِ ونَزْعاتِهِ الحُرَّةِ المُتَوَثَّبَةِ وَاتِّجاهاتِهِ الطَّامِحَةِ الطَّلِيقَةِ فِي مَيْدَانِ الأدب والبيانِ.

وَجَدَ فيه الأستاذ الإمامُ تِلْمِيذاً نابها لامِعَ الذَّهْنِ مُتَوَفِّجَ التَّفْكِيرِ وَأَلْفَىٰ فِيهِ تُرْبَةٌ خَصْبَةٌ لِبَذْرِ مَبَادِئِهِ العَالِيَةِ وَغَرْسِ مُيُولِهِ الفَيَّاضَةِ بِالخَيْرِ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ وَأَدْنَاهُ إِلى مَجْلِسِهِ وَسَكَبَ عليه من عِلْمِهِ الفَيَّاحِ أَلْواناً رَاهِيَةً وَأَضْفَى عَلَيْهِ من أَدَبِهِ اللَّمَّاح ضُرُوباً مُشْرِقَةٌ وعَكَفَ يُشَجِّعُهُ وَيَرْسُمُ له المُثْلَ العُلْيا حَتَّى زَكا في نَفْسِ الأُستاذ البَرْقُوقِي ذَلِكَ النَّبْتُ وَأَيْنَعَ وَنَمَا فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ الغَرْسُ وَتَرَعْرَعَ وَتَفَتَّحَ ذِهْنُهُ عَنْ أَكْمَامِ الزَّهْرِ وَأَنْتَجَتْ فَرِيحَتُهُ أَبْهَى الثَّمَرِ فَأَمْتَصَ النَّاسُ رَحِيقَ زَهْرِهِ وطَعِمَ النَّاسُ خُلاصَةَ ثَمَرِهِ وَأَنْكَبَّ النَّاسُ على نَمِيرِهِ الصافي يَنْهَلُونَ وَيَعُلُّونَ فقد كَانَ لَذَّةٌ للشَّارِبِينَ.

مجلة البيان  :آثَرَ الأُستاذُ البَرْقُوقِيُّ أَنْ يَخُوضَ لُجَّةَ الحياةِ مُزَوَّداً بتعاليم الإمام العالية فَصَحَ عَزْمُهُ على إصدار مجلة البيان وكانَ العَدَدُ الأَوَّلُ مُصَدَّراً بكلمةٍ من الأستاذ الإمام إلى تِلْمِيذِهِ عَبْدِ الرحمن البَرْقُوقي ، وتُعْتَبَرُ البيانُ بِدُونِ شَطَطِ ولا مغالاة فتحاً جَدِيداً في عالم الصَّحافَةِ وَالَّتي كَانَتْ مَثَابَةٌ لِعُشَّاقِ الأَدَب السامي ومَدْرَسةً حَدِيثَةٌ لِلْحانِينَ على الفَنِّ الرَّفِيع اسْتَقْبَلَتِ الحياةَ رَانِيَةً إلى الأُفُق البَعِيدِ بِعَيْنِ فِيها الأَمَلُ الدَّافِقُ مُسْتَمِدَّةَ القُوَّةَ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مُنْشِيْهَا الَّذِي تَعَهَّدَهَا لَدِنَةَ العُودِ لَيَّنَةَ الأَعْضاءِ.

وما عَتَمَتْ أَنْ أَصْبَحَت تَزْخَرُ بِفَيْضِ الثقافاتِ المُخْتَلِفَةِ وتَمُوجُ بِعَبْقَرِيَّاتِ التَّفْكِيرِ المُتَبَابِنَةِ وَتَتَلاطَمُ بمَا أَنْتَجَتْهُ عُقولُ أُدباء الغَرْب وَعُصارَةُ أفكارِ أُدَبَاءِ الشَّرْقِ وَأَصْبَحَتْ مَيْداناً رَحِيباً فيه فُسْحةٌ للكاتبينَ وَالمُتَأَدِّبين  ، فلا بِدْعَ أَنِ اجْتَذَبَتْ إِلَيْها رجالاتِ الأَدَبِ وَقادَةَ التَّفْكِيرِ فِي مِصْرَ الَّذِينَ تَصْبُو نُفُوسُهُم إِلى جَوِّ حُرٌ خالِص من العُقْمِ والإِسْفَافِ والذين يَتَرقَبُونَ في لَهْفَةٍ مُوَجِّهاً الوِجْهَةَ الصَّحِيحَة وَيَأْخُذُ بِيَدِهِم إِلى التَّفْكِيرِ السَّلِيم وَالَّذِينَ يَتَطَلَّعُون إلى بِيئَةِ نَقِيَّةِ مِنَ الشَّوائِب يَنْطَلِقُونَ فِيها شَادِينَ صَادِحِينَ يَسْتَلْهِمُونَ مِنْ عالَمِها الْكِتَابَةَ الحَيَّةَ النَّاصِعَةَ وَيَسْتَوْحُونَ من وَادِيها الأَدَبَ الصَّافي الجميل.

اسْتَقْبَلتْ مجلة البَيانِ الحياة سنة ۱۹۱۱م لَتَمْلاً تِلْكَ التَّغْرَةَ الشَّاعِرَةَ التي عَزَّ على مُنْشِتِها أَن يراها فكانَتْ نَواةً صالِحةً لِنَهْضَةٍ فِكْرِيَّةٍ شامِلَةٍ وَأساساً مُبارَكاً لِذَلِكَ الصَّرْحِ الشَّامِحَ الَّذِي سَمَقَ بُنْيَانُهُ فِي دُنْيا المجلات ، وَأَبَتْ تِلْكَ المُجَلَّةُ الَّتِي أَسْتَوَتْ على سُوقِها وَأَعْتَدَلَتْ على عَرْشِها تُؤَدِّي رسالتِها في غَيْرِ نَقْصٍ وَتُزْجِي لِلنَّاطِقِينَ بالضَّادِ أَزاهِيرَ مِنْ مُتَعَ العَقْل في غَيْر وَنَى ولا تَقْصيرٍ وَتُنْحِفُ العربيَّةَ بِأَكاليلَ مِنْ مَجْدِ الفِكْرِ وَتَعْقِدُ على هَامَةِ الأَدَبِ أَلْوِيَةٌ مِنَ البَحْثِ المُسْتَفِيضِ وَاسْتَمَرَّ بها الحالُ وَأَنْهارُها تَفِيضُ بِأَمْواجِهَا وَالنَّاسُ مِنْ جَوانِبها يرْتَشِفونَ رُضابَها والأَيَّام تَتَصَرَّمُ من حَوْلها حتى سنة ١٩٢٣م .

وَلَعَلَّ الدَّهَشَ يَسْتَوْلِي عَلَيْكَ – سَيِّدي القارىء – بَلْ وَلَعَلَّكَ تَجْزَعُ إِشْفَاقاً على تَوارِي المجلَّةِ القَوِيَّةِ النافِعَةِ وأَحْتِجاب ذلك السراج الوهَّاج الَّذِي طالما أَلْقَى الضّياءَ في طَرِيقِ الظَّامِئينَ إِلى الأَدَبِ الرّفيع ! وَلَكِنْ مَاذَا أَقولُ ؟ ماذا أَقولُ فِي بَحْرٍ يَصْفُقُ آذِيهِ وَتَصْحُبُ أَمْواجُهُ ثُم يُوسم بالانحسار ؟! إِنَّ الفَقِيدَ – تَغَمَّدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ كَفَاءَ صَنِيعِهِ – بَذَلَ عَلَيْهَا مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وَيَدِهِ أكْثَرَ ما يَمْلِكُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْها لَحِزاً شَحِيحاً بَلْ كَانَ سَمْحاً جَواداً حَتَّى نَضَبَ المَعِينُ أَوْ كادَ فَأَمْسَكَ كارِها وَقَبَضَ يَدَهُ بِرغْمِهِ وَمَنَحَها إجازةً راجياً ألا تكون طويلَةَ الأَمَدِ وَأَعْطاها استجماماً مُؤَمِّلًا أَلَّا يَكُونَ إِلَى الأَبَدِ.

الفقيد بالبرلمان : تَتَبَّعَ المَغْفُورُ لَهُ الخالِدُ الذِّكْرِ سَعْد زغلول باشا بالإعجاب والتقدير نشاط الفَقِيدِ وَعَمَلَه الَّذِي لا يَخْبُو أَوارُهُ ولا يَنْطَفى لَهِيبُهُ وَمَجْهودَهُ الذِي يَشْبُّ ضِرامُهُ فلا تَهْبِطُ وَقْدَتُهُ ولا يَبْرُدُ سَعِيرُهُ وَوَطَنِيَّتَهُ الخالِصَةَ النَّقِيَّةَ الخَالِيَةَ مِنَ الأَغْرَاضِ الَّتِي لم تُغْرِها وَلَمْ تُحَوِّلُها عَنْ طَرِيقِها شَتَّى العُرُوض والإغراءات فَأَكْبَرَهُ في نَفْسِهِ وَأَحَلَّهُ مِنْ قَلْبِهِ مَكاناً عَلِيّاً.

وَرَأَى بِثَاقِبِ فِكْرِهِ وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ أَنَّ الأَسْتاذَ البَرْقُوقِيَّ خَيْرُ هَدِيَّةٍ تُسْدِي إلى الْعَرَبِيَّةِ في البرلمان (المجلس النيابي) أَجَلَّ خِدْمَةٍ وَأَكْرَمَها فَعَيَّنَهُ بِمَجْلِس الشيوخ سنة ١٩٢٤ م ثُمَّ نُقِلَ إلى مَجْلِسٍ النوَابِ رَئِيساً لِقَلَمِ المُراجَعَةِ سنة ۱۹۳۱م  فَاضْطَلَعَ بِالعِبْءِ فِي المَجْلِسِين على خَيْرِ ما يَكُونُ وَنَهَضَ بِالحِمْلِ عَلَى أَعْظَمِ ما يَنْهَضُ بِهِ رَجُلٌ وَمَا أَنْفَكَ يُوالِي في ناحِيَة المُراجَعَةِ اللُّغَوِيَّةِ لِمَضابِطِ البَرْلمان في دِقَةٍ وَإِخْلاصِ وَيُعالج ما أَسْئِدَ إِلَيْهِ فِي مُتَابَرَةٍ وَجِدٌ حَتَّى أُحِيلَ إلى المعاش سَنَة ١٩٤٠م.

أخلاقه : الخُلُقِ الرَّضِيُّ وَالنَّفْسُ الصَّافِيَةُ وَالشَّيَمُ العالِيَةُ وَالمَناقِبُ السَّامِيَةُ ؛ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ مُمَثَلًا في الفَقِيدِ الأُسْتاذ عبد الرحمن البَرْقُوقي .. هذا إِلى أَنَّهُ حادَّ الذَّهْنِ حاضِرَ البَدِيهَةِ مُتَفَطَّناً إلى الدَّقائِقِ التي لا يَتَفَطَّنُ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مُرْهَفَ الحِسَ تَامَّ الذَّوْقِ صَادِقَ العَاطِفَةِ شَهِيَّ الحَدِيثِ خَفِيفَ الرُّوحِ شَدِيدَ التَّواضُع يَميلُ إلى المَرَحِ وَلِذَلِكَ كانَتْ مجالِسُه تَفيضُ أُنساً وَبَهْجَةً وتَشِيعُ فِيهَا الغِبْطَةُ وَالسُّرُورُ.

مؤلفاته  : نَشَأَ الأستاذ البَرْقُوقِيُّ مَطْبُوعاً على الأَدَبِ  نَزَّاعاً إِلَى العَمَلِ المُنتج المُفيد فلم تَصْرِفْهُ زَحْمَةُ الحياةِ وَمَشاغِلُ الدُّنْيا عَنِ النّتاجِ الفِكْرِيِّ المُهَذَّبِ الأَنيقِ وَالتَّوَالِيفِ البارِعَةِ القَيِّمَةِ الَّتِي تُسْلِكُهُ في غَيْرِ تَزَيْدٍ وَلا سَرَفٍ فِي عِدادِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ من المُؤَلَّفَينَ وتَنْظِمُهُ في غَيْرِ عُجْبٍ ولا مَخِيلَةٍ فِي عِقْدِ الأُلَى الَّذِينِ أَتْحَفُوا العَربيَّةَ بِكَثِيرٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الكُتُبِ وَكَانَ شَغَفُهُ بِحُبِّ الاطلاع نَمُوذَجاً حَيّاً لِلْعَمَلِ المُثْمِرِ وَعُكُوفُهُ عَلَى القِراءَةِ الكَثِيرَةِ طرازاً فَذَاً في الصَّبْرِ وَاللُّغُوبِ وَتَوَفُرُهُ على الدَّرْسِ وَالبَحْثِ عُنواناً صريحاً لِفُحولِ الأُدَبَاءِ.

تَجِدُهُ قارئاً في كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظاتِ النَّهَارِ وَقِسْطِ مِنَ اللَّيْلِ غَيْرِ يَسِيرٍ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ وَلا تَفْتُرُ عَزْمَتُه ولا تَضْمَحِلُّ بَلْ كُلَّما أَمْعَنَ في القِراءَةِ ازْدَادَ تَوَثُباً وَنَشاطاً وَتَأَلَّقَ ذِهْنُهُ صَفاءٌ وَنَقاءَ تَزورُهُ صَباحاً وَتَغْشَى مَجْلِسَهُ مَساءً فلا تَجِدُ إِلَّا جَمْهَرَةً مِنَ الْكُتُبِ تُحِيطُ بِهِ  وَبَحْراً صَاغِباً مِنَ المُؤَلَّفَاتِ تَغْمُرُهُ وَإِلَّا عَيْناً يَقْضَى لا تَكادُ تَرْتَفِعُ عَنْ أَسْطُرِ مِنْ كِتَابٍ حَتَّى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ أُحِيلَ إِلى المَعاشِ اسْتَمَرَّ فِي دُؤوبِهِ وَرَأَى الْفُرْصَةَ مُواتِيَةٌ وَالطَّرْفَ سَانِحاً لإرضاء هِوَايَتِهِ كَامِلَةً وَإِشْبَاعِ مُيُولِهِ فِي القِرَاءَةِ وَمُواصَلَةِ التَّأْلِيفِ.

فَهَلْ مِنَ البِدَعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَراهُ وافِرَ النّتاج تاركاً لنا ذلك التراث الأدبي الخالد من تأليفه ؟ وَهَلْ مِنَ الغَرَابَةِ أَنْ نَجِدَ لَهُ تِلْكَ الثَّرْوَةَ العِلْمِيَّةَ الصَّالِحَةَ مِنْ فَنْهِ العَظيمِ ؟ إِنَّهُ خَلَّفَ وَراءَهُ مَجْداً أدبياً عِلْمِيّاً يُسَجِّلُ لَهُ أَنْصَعَ الصَّفحاتِ في الخالدين  ! ، أَقَرَأْتَ لَهُ شَرْحَ ديوان المُتَنَبِّي في أَرْبَعَةِ أجزاء ذلك الشَّرْحُ الذي طالما تَغَنَّى به المُتَأَدِّبون وَشَدا بِهِ المَعْنِيُّونَ بِبُلْبُلِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الصَّدَّاحِ ؟ وَهَلْ أَسْعَفَتْكَ الأَيَّامُ فَقَرَأْتَ لَهُ حضارَة العَرَبِ فِي الْأَنْدَلُس أَوْ شرح دیوان حسان بن ثابت أَوْ شرح التلخيص في علوم البلاغة أو أسهل المسالك في فقه الإمام مالك أو الفردوس أو سياحة في الآخرة الذي يُعْتَبَرُ بِحَقِّ فَرِيداً في نَوْعِهِ عَظِيماً في بابِهِ يَتَرَسَّمُ خُطا المَعَرِّي في رسالة الغُفْرانِ ودانتي في الكوميديا المُقَدَّسة وَإنْ كانا يَصِفانِ الجَحِيمَ وَهُوَ يَجُولُ فِي الفِرْدَوْسِ المُقِيمِ ؟

وَهَلْ قَرَأْتَ لَهُ الدَّخائِرِ والعَبْقَريات في جُزْأَيْن ذَلِكَ المُؤَلَّفُ الَّذِي جاءَ كالدُّرَّةِ الفَرِيدَةِ تَفْصِلُ بَيْنَ ذَهَبِ القِلادَةِ وَالَّذِي تَرَى فِيهِ الطَّمَ وَالرِّمَّ مِمّا يَنْقَعُ غُلَّتَكَ وَيَعْمُرُكَ فِي سِبْطٍ مِنَ البَحْثِ عَظِيمٍ ، هَلْ قَرَأْتَ لَهُ كُلَّ هَذِهِ الكُتُبِ ؟ وَهَلْ تَعْتَرِفُ إِذا بِأَنَّهَا ثَرْوَةٌ أَدَبِيَّةٌ لَا تُقَوَّمُ بِمَالٍ ؟ وَهَلْ تُؤْمِنُ بِأَنَّها تُراث خالِدٌ يُبقي لِصاحِبِه حُسْنَ الأُحْدُوثَةِ وَجَمِيلَ الذِّكْرِ وَيَنْفَعُهُ في رَمْسِهِ وَيُضاعِفُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ جَزِيلَ الأَجْرِ ، فَإِذا ضَمَمْتَ إِلَى كُلِّ هَذِهِ اللآلئ في سِمْطِها دُرَّتَهُ الجديدَةَ دَوْلَةَ النِّسَاءِ تَبَدَّى لَكَ العِقْدُ كاملا وَبَرَزَ لَكَ السِّلْكُ شَامِلا عِنْدَ ذَلِكَ تَقْنَعُ بِهَذِهِ الجَوَاهِرِ وَتَسْكُنْ إِلَى هَذِهِ المَفاخِر.

وفاته  : وما كادَ المُؤَلِّفُ يَنْتَهِي مِنْ عَمَلِهِ الضَّخْمِ في إِتمَامِ (دَوْلَة النِّساءِ) وما كادَ يَبْدَأُ في الإشراف على طَبْعِ الصَّفْحاتِ الأُولَى مِنْه وإِذَا بِالفَلَكِ يَدُورُ دَوْرَتَهُ وَتَبْدَأُ نَوامِيسُ الحَياةِ وَالمَوْتِ تَلْعَبُ دَوْرَها وَإِذا بِالْقُوَّةِ المُوَجِّهَةِ لِهَذِهِ المَوْسُوعَةِ الأَدَبِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ تَتَوَارَى فَجأةً وَالحَرَكَةِ الدَّائِبَةِ التي تَنْفُتُ رُوحَ النَّشاط في هذا السِّفْر الخُلُقي الدّيني لِتَمُدَّ دَفْعَةً وَاحِدَةٌ فَيَدْلُفُ إِلَيْهِ المَوْتُ وَيَتَخَطَّفُهُ أَعْظَمَ ما يَكونُ صِحَةً وَأَشَدَّ ما يكونُ نَشاطاً وَذَلِكَ في مساء اليَوْمِ الأَوَّل من شهر يونيه / حزيران سنة ١٩٤٤ م .

فكانَ فَقْدُهُ فَجِيعَةٌ للأَدَبِ وكارِثَةٌ للنَّاطِقِينَ بِالضَّادِ حَتَّى رَثاهُ رِجَالُ الفِكْرِ وَعَزُوا فِيهِ دَوْلَةَ البَيانِ في كُبْرَياتِ الصُّحُفِ وَالمَجِلاتِ ، وَقَدْ وَاصَلَ أَبْناؤُه – وهم غَرْسُه ونَبْتُهُ – رِعايَةَ هذا الكِتابِ وَرَأَوْا فِي ذَلِكَ تأْدِيَةٌ لِبَعْضِ الدَّيْنِ عَلَيْهِم نَحْوَ أَبِيهِمْ وبَعْضِ الوَاجِبِ عَلَيْهِم نَحْو لُغَةِ القرآنِ الْكَرِيمِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ إِلَى عَالَمِ الوُجودِ يُعْلِنُ لِلنَّاسِ بِجَانِبِ أُخْوَةٍ لَهُ مِن قَبْلُ ما كانَ يُرِيكَ الفقيدُ للعَرَبِيَّةِ من إظهارِ دُرَرِها وَإِذاعَةِ نَفَائِسِهَا وَإِبْرَازِ مَجْدِها وَتَحْقِيقِ الأَغْراضِ السَّامِيَةِ وَالمُثْلِ العُلْيَا التي كان يَتَوَخَاهَا الفَقِيدُ وَيُلاقي في سَبِيلِها مِنْ تَعَب وَعَناءِ خِدْمَةٌ للبلادِ وَلِلْعُرُوبَةِ وَلِجلالة مولانا الملك الفاروق ، وَبَعْدُ فَلْيَرْحَمِ اللهُ ذَلِكَ الفَقِيد الَّذِي يُعَدُّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْ أَرْكَانِ النَّهْضَةِ الحدِيثَةِ في الأَدَبِ وَالبيانِ وَلْيُنْزِلْهُ مَنَازِلَ صِدْقٍ مَعَ المُتَّقِينَ الأبرار جَزَاءً ما أَدَّى من خِدْمَاتِ صادِقَاتِ لِلْعِلْمِ وَالعِرْفانِ “.

82 / وطنيتي

(وطنيتي) هو عنوان ديوان شعري صغير للشاعر والصحفي الشيخ علي محمود الغاياتي الذي ولد في دمياط عام 1885 م وتوفي بالقاهرة عام 1956 م ويرجع نسبه لأسرة من السادة الأشراف ، ولم يكن ديوانا عاديا وإنما كان فورة حماس وطنية جارفة ومنشورا سياسيا ضد الاحتلال والسلطة الحاكمة وقتها وتسبب في محاكمته مع كل من الزعيم محمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش بسبب كتابتهما مقدمة في أول الديوان تحمل مدحا وتأييدا لمحتواه.

سلك الغاياتي طريق النضال مبكرا عندما كان طالبًا بالمعهد الديني في دمياط حيث اصطدم بإدارة المعهد وتم فصله بسبب نشاطه الوطني فاضطر للعمل مدرس بالمدارس الابتدائية الخاصـة ، وعندما انتقل إلى القاهرة شارك بحماس في العمل الوطني من خلال الحزب الوطني الذي كان يعد في ذلك الوقت لإشعال الثورة ضد الاحتلال وأخذ ينظم القصائد الشعرية الملتهبة التي تحض على الوطنية والجهاد ومناهضة الاستعمار وبث العزيمة والحماس في صفوف الجماهير.

وقام بنشر هذه القصائد في صحف الحزب الوطني التي كانت تصدر في ذلك الوقت كما قام بنشر العديد من المقالات في مختلف الصحف المصرية مثل جريدة الجوائب المصرية واللواء وغيرهما مما أثار حفيظة السلطات الإنجليزية والخديوي عليه فقامت السلطات بزجه في السجن بتهمة مخالفة قانون التجنيد (سجن القشلاق الأحمر) ولكن هذا الأمر لم يغير من موقف وصلابة الرجل فاستمر على نفس الخط الوطني النضالي.

تصاعدت نبرته الوطنية والنضالية المناهضة للاحتلال وقام بجمع القصائد التي نشرها من قبل وأصدرها في ديوان تحت عنوان (وطنيتي) سنة 1910 م وقام كل من محمد فريد وعبد العزيز جاويش بكتابة مقدمة لهذا الديوان إلا أن السلطات رأت أن هذا الديوان ليس مجرد قصائد شعرية بل شواظ من نار وقذائف تتلظي وقذائف على رأس الاستعمار فقامت بتحويل كل من محمد فريد وعبد العزيز جاويش وعلي الغاياتي إلى المحاكمة.

وجد الغاياتي أن السلطات تتربص به وأنها سوف تسجنه خاصة وأنها تسيطر على القضاء عن طريق القضاة الأجانب فقام بالتنكر في زي أفندي وكان قبل ذلك يلبس الملابس الأزهرية دائماً وسافر إلى تركيا وبعد سفره صدر الحكم الغيابي من المحكمة بحبسه عامًا مع الشغل كما صدرت الأحكام بحق كل من عبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر وبق محمد فريد الحبس ستة أشهر مع النفاذ حيث نفذ الحكم كاملاً ورفض طلب الخديوي أن يستعطفه للإفراج عنه.

وقد جاءت ترجمة الشاعر في كتاب الأعلام للزركلي حيث قال : ” علي الغاياتي .. علي بن محمود الغاياتي الدمياطي المصري كاتب صحفي من الشعراء ولد وتعلم بدمياط واشتغل بالادب فصنف كتاب (القول الوافي في علمي العروض والقوافي) وانتقل إلى القاهرة (1907 م) فكان من محرري (الجوائب المصرية) ثم جرائد الحزب الوطني ، وتشبع بدعوة مصطفى كامل وبمبادئ الحزب.

واشتهر بنظم الشعر السياسي فجمع منظوماته في ديوان سماه (وطنيتي) وذيل صفحاته بذكر ما أشار إليه في شعره من الحوادث وتواريخها فصادرته الحكومة وأرادت القبض عليه ففر (في 5 يوليه 1910 م) ونزل بالأستانة وفيها بضع جرائد عربية إحداها حديثة العهد بالصدور اسمها (دار الخلافة) كان يصدرها عبد الوهاب عبد الصمد فتولى تحريرها ومكث نحو ستة أشهر.

وسافر إلى سويسرة (في أواخر 1910 م) ودخل طالبا في جامعة جنيف وكتب لي يقول : (وهمي الان هو الوصول إلى إتقان اللغة الفرنسية وتحصيل العلوم الاجتماعية في المدة التي قضى علي القدر بمكثها بعيدا عن وادي النيل رعاه الله وأفاض عليه من الحرية المنشودة ما يتمناه) ، وأتقن الفرنسية ثم كان المحرر الشرقي لجريدة (تريبون دي جنيف).

وفي سنة 1922 م أصدر جريدة منبر الشرق بالعربية والفرنسية فاستمرت أكثر من عشر سنوات وعاد إلى مصر (1937) فتابع إصدارها وأعيد طبع (وطنيتي) سنة 38 ، وله أيضا : ديوان هجرتي ، وفجر الثورة ، وعلى هامش الحج (صغير) ، ومثله قلة ذوق ، وتوفي بالقاهرة وأشارت الصحف بعد وفاته إلى أن الحكومة أمرت بإعداد كتاب عن حياته ولوحة لتخليد ذكراه “.

وكتب عنه عبد الرحمن الرافعي تحت عنوان شعراء الوطنية فقال : “علي الغاياتي .. من شعراء الوطنية ومن المجاهدين القدامى اعتنق مبادئ مصطفى كامل منذ أن استمع إلى خطبته الكبرى التي ألقاها بالإسكندرية في ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٠٧ وصار من تلاميذه وأنصاره الأوفياء الحافظين لعهده طوال السنين.

انضم إلى أسرة الصحافة منذ صباه وعمل في صحف الحزب الوطني المُتعاقِبة واتجهت نفسه إلى الشعر فنظم قصائد تفيض وطنيةً وإخلاصًا وقد جمعها في ديوانٍ أصدره سنة ١٩١٠ بعنوان (وطنيتي) وله مقدمتان إحداهما بقلم محمد فريد والثانية بقلم عبد العزيز جاويش ، وكان لهذا الديوان قضيةٌ أثَّرَت في مجرى حياة الشاعر ،فقد أُقيمَت عليه الدعوى العمومية وحُوكِم على قصائد من هذا الديوان عدَّتها الحكومة وقتئذٍ عيبًا في ذات ولي الأمر (الخديو عباس الثاني) وتحريضًا على كراهية الحكومة والازدراء بها وتحبيذًا للجرائم (السياسية).

وحُكِم عليه من محكمة جنايات القاهرة في أغسطس سنة ١٩١٠ بالحبس سنة، وقد صدر الحكم عليه في غيبته إذ كان قبل محاكمته قد ارتحل إلى الآستانة ثم إلى سويسرا حيث أقام في جنيف وأصدر بها سنة ١٩٢٢ جريدة منبر الشرق بالفرنسية وجعلها وقفًا على الدفاع عن قضية مصر وقضايا الشرق عامة ، وظل في منفاه حتى عاد إلى مصر سنة ١٩٣٧ واستأنف فيها إصدار صحيفته منبر الشرق بالعربية حتى اليوم ـ مد الله في حياته ـ وهي صحيفة وطنية شرقية إسلامية أخلاقية تُدافِع عن القضية الوطنية وقضايا العروبة وتُناضِل عن الحرية والاستقلال للشعوب الشرقية جمعاء.

إلى مصطفى في حياته : من أول شعره الوطني قصيدةٌ نظمها سنة ١٩٠٧ وقدَّمها إلى مصطفى كامل عقب خطبته بالإسكندرية، قال فيها مُخاطِبًا الفقيد : اصدع بقولك إن أرَدتَ مقالا فالقوم جندك إن دعوتَ رجالا .. لم تدرِ مصر سوى حِماك تؤمُّه فترى به آلامها آمالا .. أقبِل على الوطن العزيز بصارمٍ لا تُدرِك الأعداء منه كلالا ، وختمها بقوله :  فادأب على إنهاض أمتك التي ترجو وراء خُطاك الاستقلالا.

وطنٌ يناجي ربه .. قال من قصيدة له بهذا العنوان : ربِّ إن البلاد أرهقها الظلـ ـم وحاقت بأهلها البأساءُ .. ربِّ إن الصدور أحرجها الوجـ ـد وأودت بحلمها الأرزاءُ .. فتدارَكْ بلطفك النيل حتى لا تُجاري حياةَ مصر دماءُ

قصائد حُوكِم من أجلها سنة ١٩١٠ .. من قصيد له بعنوان (طيف الوطنية) : وعُدَاةٍ ملَكوا الأمر ولم يحفظوا للشعب في حقٍّ ذماما .. وولاةٍ أقسموا أن يسجدوا كلما رام العِدى منهم مَراما .. ربِّ ماذا يصنع المصري إن جاوَز الصبر مدى الصدر فقاما .. طال يوم الظلم في مصر ولم ندرِ بعد اليوم للعدل مقاما .. هل يرى المحتل أنَّا أمة مذ عرفنا السِّلم لا ندري الخصاما .. أو يرى الظالم فينا أننا نحمل الخسف ولا نبغي انتقاما .. زعموا زورًا فما من أمة سامها العسفَ ظلومٌ ثم داما .. كُتِب النصر لشعب ناهض في سبيل المجد لا يخشى الحِماما.

ومن قصيدة له يندِّد بالخديو عباس الثاني : أعبَّاسُ هذا آخر العهد بيننا فلا تخشَ منَّا بعد ذاك عِتابا .. أيُرضيك فينا أن نكون أذلة ننال إذا رُمنا الحياة عِقابا .. ونيئس من آمالنا فيك كلما قضيتَ علينا أن نكون غِضابا .. وأرضيت أعداء البلاد وأهلها وأصلَيتنا بعد (الوفاق) عذابا .. رويدك يا عباسُ لا تبلغ المَدى ولا تستمع للظالمين خطابا .. فما يبتغي (جورست) إلا مكيدة تحوِّل أقلام السلام حِرابا .. وها قد رمى حرية القول رمية بسهمك تجني للبلاد خرابا

يُهاجِم الوزارة .. وقال في هذه القصيدة يُهاجِم وزارة بطرس غالي التي كانت تتولى الحُكم وقتئذٍ : ألَا أمطر الله الوزارة نقمة ولا بلغت مما تروم مراما .. تُحاوِل أن تقضي علينا بإثمها ولكن ستلقى دون ذاك أثاما .. وزارةُ خدَّاعٍ أقامته بيننا يد الحاكمين الآثمين فقاما ، ومن قصيدةٍ أخرى له يندِّد بهذه الوزارة على أثر امتناعها عن حضور جلسات مجلس شورى القوانين فرارًا من مناقشات الأعضاء : يا أيها الوزراء ماذا نابَكم حتى هجرتم صورةَ النوابِ ، إلى أن قال :  فتزلزلت أقدامكم من هولها وهرعتمُ فزعًا إلى الأبوابِ .. ورضِيتم الهرب المَعيب لأنه خيرٌ من الإفلاس عندَ حسابِ .. عارٌ عليكم أن يُقال وزارة لم تدرِ إن سُئلت بيانَ جوابِ.

ومن قصيدة أخرى له سنة ١٩١٠ : طال ليل البلاد والشعب سار لا يرى غيرَ هذه الظلماتِ.. ظلماتٌ من المظالم أودت بضياء الحياة بعدَ الحياةِ .. يشتكي الشعب والقضاة خصوم فلِمَن يشتكي خصامَ القضاةِ ، ومن قصيدةٍ له يُخاطِب الشيخ عبد العزيز جاويش عندما حُكِم عليه لأول مرة سنة ١٩٠٩ ونشرها في ديوانه (وطنيتي) : يا ساكن السجن الكريم وأنت نعمَ الأكرمُ .. ما السجن للشرفاء إلا رفعةٌ وتنعُّمُ .. أنت البريء ومن يَخا لك مُجرمًا هو مُجرمُ.

هذا ما وعَته الذاكرة وما وسعني الجهد في استقصاء الشعر الوطني ولعلي بإخراج هذا الكتاب أحقِّق أمنيةً كانت تجول في خاطري منذ عدة سنوات ، ولا زِلتُ أكرِّر اعتذاري عما عسى أن يكون قد فاتني تدوينه من الشعر الوطني وإني لَمُتداركٌ هذا النقص في المستقبل القريب إن شاء الله “.

أما كلمة الزعيم محمد فريد فقد جاءت في مقدمة الديوان وقال فيها : ” تأثير الشعر في تربية الأمم .. الشعر من أفضل المؤثرات في إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح الحياة فيها كما أنه من المشجعات على القتال وبث حب الإقدام والمخاطرة بالنفس في الحروب ، لذلك نجد الأشعار الحماسية من قديم الزمان شائعةً لدى العرب وغيرهم من الأمم المجيدة كالرومان واليونان وغيرهم .

وليس من ينكر أن الأنشودة الفرنسية التي أنشأها الضابط الفرنسي (روجيه دي ليل) وسميت المارسلييز كانت من أقوى أسباب انتصار فرنسا على ملوك أوربا الذين تألبوا على إخماد روح الحرية في مبدأ ظهورها .

لذلك كتب الكاتبون منا كثيراً في ضرورة وضع القصائد والأغاني الوطنية ليحفظها الصغار ويترنموا بها في أوقات فراغهم ولينشدوها في ساعات لعبهم بدل هذه الأغاني والأناشيد التي يرددها أطفال الأزقة وخصوصاً في ليالي شهر رمضان المبارك ، كما كتبوا في تغيير الأغاني التي تنشر في الأفراح وكلها دائرة حول نقطة واحدة هي الغرام ووصف المحبوب بوصفات ما أنزل الله بها من سلطان .

لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد سواء في الغرب أو الشرق إماتة الشعر الحماسي وحمل الشعراء بالعطايا على وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرب والاستقلال ، كما كان من نتائج هذا الاستبدال خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا والحض على الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل .

تنبهت لذك الأمم المغلوبة على أمرها فجعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة وباللغة العامية لطبقة الزراع والصناع وسواهم من العمال غير المتعلمين فكان ذلك من أكبر العوامل في بث روح الوطنية بين جميع الطبقات ، ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء والحكام وصرفوا هممهم واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية وإرسالها في وصف الشئون السياسية التي تشغل الرأي العام ، وقد لاحت (وطنيتي) في طليعة هذه النهضة الميمونة الرشيدة .

ومما يزيد في سروري أن شعراء الريف وضعوا عدة أناشيد وأغاني في مسألة دنشواى وما نشأ عنها وفي المرحوم مصطفى كامل باشا ومجهوداته الوطنية وفي موضوع قناة السويس ورفض الجمعية العمومية لمشروعها وأخذوا ينشرونها في أفراحهم وسمرهم على آلاتهم الموسيقية البسيطة ، وهي حركة مباركة إن شاء الله تدل على أن مجهودات الوطنيين قد أثمرت ووصل تأثيرها إلى أعماق القلوب في جميع طبقات الأمة وتبشر باقتراب زمن الخلاص من الاحتلال ومن سلطة الفرد بإذن  الله .

فعلى حضرات الشعراء أن يقلعوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة ومواسم معدودة وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالية في خدمة الأمة وتربيتها بدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء وتملق الأمراء والتقرب من الوزراء فالحكام زائلون والأمة باقية ، والسلام على من سمع ووعى ووفق لخدمة بلاده وسعى ، فإنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ ، الإمضاء محمد فريد بك “.

83 / حصاد الهشيم

(حصاد الهشيم) هو عنوان كتاب يضم مجموعة مقالات في موضوعات عدة كتبها واحد من رواد كتابة المقال في مصر وهو الأديب إبراهيم عبد القادر المازني (1889 ـ 1949 م) وهو من أعلام الكتابة الساخرة وأحد المؤسسين الثلاثة لمدرسة الديوان الأدبية مع كل من عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد ، وقد ترك تراثا ضخما من المؤلفات ما بين مقالات وقصص ومسرحيات وأدب الرحلات والسيرة الذاتية وديوان شعر وأحاديث إذاعية واجتماعيات بالإضافة إلى عدد من الكتب المترجمة.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني أديب مجدد من كبار الكتاب امتاز بأسلوب حلو الديباجة تمضي فيه النكتة ضاحكة من نفسها وتقسو فيه الحملة صاخبة عاتية ، نسبته إلى (كوم مازن) من المنوفية بمصر ومولده ووفاته بالقاهرة ، تخرج بمدرسة المعلمين وعانى التدريس ثم الصحافة وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنكليزية ، ونظم الشعر وله فيه معان مبتكرة اقتبس بعضها من أدب الغرب ثم رأى الانطلاق من قيود الأوزان والقوافي فانصرف إلى النثر.

وقرأ كثيرا من أدب العربية والانكليزية وكان جلدا على المطالعة وذكر لي أنه حفظ في صباه (الكامل للمبرد) غيبا وكان لك سرّ الغنى في لغته ، ورأى الكتاب يتخيرون لتعابيرهم ما يسمونه (أشرف الألفاظ) فيسمون به عن مستوى فهم الأكثرين فخالفهم إلى تخير الفصيح مما لاكته ألسنة العامة فأتى بالبين المشرق من السهل الممتنع ، وعمل في جريدة الأخبار مع أمين الرافعي والبلاغ مع عبد القادر حمزة وكتب في صحف يومية أخرى وأصدر مجلة الأسبوع مدة قصيرة.

وملأ المجلات الشهرية والأسبوعية المصرية بفيض من مقالاته لا يغيض وعاش عيشة (الفيلسوف) مرحا زاهدا بالمظاهر ، وكان من أرق الناس عشرة ومن أسلسهم في صداقته قيادا يبدو متواضعا متضائلا – وفي جسمه شئ من هذا – وفي قرارة نفسه أشد الاعتزاز بها والعرفان لقدرها يمزح ولا يمس كرامة جليسه مخافة أن تمس كرامته ، ويتناول نقائص المجتمع بالنقد فإذا أورد مثلا جعل نفسه ذلك المثل فاستسيغ منه ما يستنكر من غيره وهو من أعضاء المجمع العلمي العربيّ بدمشق ومجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وله كتب منها : حصاد الهشيم (مقالات) ، وإبراهيم الكاتب (جزآن قصة) ، وقبض الريح ، وصندوق الدنيا ، وديوان شعر (جزآن صغيران) ، ورحلة الحجاز ، وبشار بن برد ، وميدو وشركاه (قصة) ، وثلاثة رجال وامرأة ، وغريزة المرأة ، وعَ الماشي ، وشعر حافظ (في نقده) ، والشعر غاياته ووسائطه (رسالة) ، وترجم عن الإنكليزية : مختارات من القصص الإنجليزي ، والكتاب الأبيض الانجليزي ، وللدكتورة نعمات أحمد فؤاد كتاب أدب المازني “.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” حصاد الهشيم .. مقدمة بقلم  إبراهيم عبد القادر المازني .. القاهرة ٢٨ سبتمبر ١٩٢٤ .. أيها القارئ ! هذه مقالات مختلفة فى موضوعات شتى كتبت فى أوقات متفاوتة وفى أحوال وظروف لا علم لك بها ولا خبر على الأرجح.

وقد جمعت الآن وطبعت وهى تباع المجموعة منها بعشرة قروش لا أكثر ! ولست أدعى لنفسي فيها شيئًا من العمق أو الابتكار أو السداد ولا أنا أزعمها ستحدث انقلابًا فقريّا فى مصر أو فيما هو دونها ، ولكنى أقسم أنك تشترى عصارة عقلى وإن كان فجًّا وثمرة اطلاعى وهو واسع ومجهود أعصابى وهى سقيمة بأبخس الأثمان ! وتعال نتحاسب !

إن فى الكتاب أكثر من أربعين مقالًا تختلف طولًا وقصرًا وعمقًا وضحولة ، وأنت تشترى كل أربعة منها بقرش ! وما أحسبك ستزعم أنك تبذل فى تحصيل القرش مثل ما أبذل فى كتابة المقالات الأربع من جسمى ونفسى ومن يومى وأمسى ومن عقلى وحسى أو مثل ما يبذل الناشر في طبعها وإذاعتها من ماله ووقته وصبره.

ثم إنك تشترى بهذه القروش العشرة كتابًا ، هبه لا يعمر من رأسك خرابًا ولا يصقل لك نفسًا أو يفتح عينًا أو ينبه مشاعر فهو ـ على القليل ـ يصلح أن تقطع به أوقات الفراغ وتقتل به ساعات الملل والوحشة ، أو هو ـ على الأقل ـ زينة على مكتبك والزينة أقدم في تاريخنا معاشر الاَدميين النفعيين من المنفعة وأعرق والمرء أطلب لها في مسكنه وملبسه وطعامه وشرابه وأكلف بها مما يظن أو يحب أن يعترف.

على أنك قد لا تهضم أكلة مثلًا فيضيق صدرك ويسوء خلقك وتشعر بالحاجة إلى التسرية والنفث وتلقى أمامك هذا الكتاب فالعن صاحبه وناشره ما شئت ! فإنى أعرف كيف أحوِّل لعناتك إلى من هو أحق بها ! ثم أنت بعد ذلك تستطيع أن تبيعه وتنكب به غيرك ! أو تفككه وتلفف فى ورقه المنثور ما يُلف أو توقد به نارًا على طعام أو شراب أو غير ذلك !

أفقليل كل هذا بعشرة قروش ؟ .. أما أنا فمن يرد إلىّ ما أنفقت فيه ؟! من يعيد لى ما سلخت فى كتابته من ساعات العمر الذى لا يرجع منه فائت ولا يتجدد كالشجر وتعود أخضر بعد إذ كان أصفر ولا يُرقع كالثياب أو يُرفي ؟! ، وفى الكتاب عيب هو الوضوح فاعرفه ! وستقرؤه بلا نصب وتفهمه بلا عناء .. ثم يخيّل إليك من أجل ذلك أنك كنت تعرف هذا من قبل وأنك لم تزد به علمًا ! فرجائي إليك أن توقن من الاَن أن الأمر ليس كذلك وأن الحال على نقيض ذلك !

واعلم أنه لا يعنينى رأيك فيه ! نعم .. يسرنى أن تمدحه كما يسر الوالد أن تثنى على بنيه ولكنه لا يسوءنى أن تبسط لسإنك فيه إذ كنتُ أعرف بعيوبه ومآخذه منك ، وما أخلقنى بأن أضحك من العاتبين وأن أخرج لهم لساني إذ أراهم لا يهتدون إلى ما يبغون وإن كان تحت أنوفهم !  ، ومهما يكن من الأمر وسواء أرضيت أم سخطت وشكرت أم جحدت فاذكر، هداك الله أنك آخر من يحق له أن يزعم أن قروشه ضاعت عليه ! أولى بالشكوى منك الناشر ثم الكاتب “.

وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : ” إبراهيم عبد القادر المازني ١٨٨٩ ـ ١٩٤٩ م .. حياته وآثاره : في بيت عتيق على حدود الصحراء في القاهرة وُلد إبراهيم عبد القادر المازني سنة ١٨٨٩ في بيئة دينية متواضعة إذ كان أبوه محاميًا شرعيًّا ولم يكن على شيء من الثراء ، ولم يتمتع إبراهيم طويلًا برعاية أبيه فقد توفي وهو في سنيه الأولى ولم تقعد بأمه فاقتها فقد رعته وألحقته بالمدرسة الابتدائية حتى إذا أتمها التحق بالمدرسة الثانوية وعينها من ورائه.

وطمح بعد إكمال دراسته الثانوية إلى الالتحاق بمدرسة الطب لكنه لم يكد يدخل غرفة التشريح حتى أصابه غثيان شديد فانصرف عن الطب وفكر في الالتحاق بمدرسة الحقوق إلا أن ضيق ذات يده رده عنها إلى مدرسة المعلمين ، وفي هذه المدرسة أخذت ملكته الأدبية في الظهور فعكف على قراءة الأدب القديم يقرأ في كتابات الجاحظ وفي كتاب الأغاني وفي الكامل للمبرد والأمالي لأبي علي القالي وغير ذلك من عيون النثر العربي القديم كما أخذ يقرأ في الشريف الرضي ومهيار وابن الرومي والمتنبي وأضرابهم من الشعراء البارعين.

وكانت مدرسة المعلمين تهتم باللغة الإنجليزية وآدابها فأقبل على هذه الآداب لا فيما يُصْرَفُ إليه من كتبها فحسب بل أيضًا في عيونها عند شعرائها من مثل شللي وشكسبير وبيرون وكتابها مثل ديكنز وثاكري ووالتر سكوت وشارلز لام واتجه إلى مؤلفات النقاد الإنجليز الممتازين مثل هازليت وأرنولد وسانتسبري.

واستقامت له من كل هذه القراءات في الأدبين العربي والغربي صورة جديدة من التفكير في الحياة وفي الأدب شعره ونثره نرى آثارها فيما كان يكتبه في صحيفة الجريدة وهو لا يزال طالبًا في مدرسة المعلمين ، وانعقدت أسباب المودة بينه وبين أحد رفقائه وهو عبد الرحمن شكري وأخذ ينظم معه الشعر على أسلوب جديد في ضوء ما قرآ من شعر الإنجليز وخاصة عند أصحاب النزعة الرومانسية أمثال شللي شعراء البحيرة.

وتخرج في مدرسة المعلمين سنة ١٩٠٩ فعُين أستاذًا للترجمة في المدرسة السعيدية ثم في المدرسة الخديوية وعُني بأن يترجم لتلاميذه قطعًا مختلفة من كليلة ودمنة إلى الإنجليزية كما ترجم لهم من هذه اللغة كثيرًا من نماذجها الممتازة التي قرأها لكبار كتابها وشعرائها ، وسرعان ما تعرَّف على العقاد وكوَّن معه ومع شكري الجيل الجديد الذي سبق أن تحدثنا عنه وكان أهم ما اتجه إليه هذا الجيل في أوائل القرن صنع الشعر على شاكلة ما يصنع الغربيون شعرهم الغنائي.

ونشر شكري أول محاولة للجماعة ممثلة في ديوانه ضوء الفجر وأخذ المازني يشيد بالمحاولة وجرَّه ذلك إلى نقد حافظ وشعره التقليدي نقدًا عنيفًا وتصادف أن كان وزير التربية والتعليم حينئذ – أحمد حشمت باشا – صديقًا لحافظ فكان يتهدد المازني بأن سيلقى جزاء نقده ، ونقل المازني إلى مدرسة دار العلوم فغضب وقدم استقالته وخرج إلى الحياة الحرة فاشتغل مدرسًا مع العقاد بالمدرسة الإعدادية وظل على ذلك أربع سنوات أخرج فيها الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩١٤ ثم الجزء الثاني سنة ١٩١٧.

وشعره في هذين الجزأين على غرار شعر شكري ليس فيه سياسة ولا وطنية ولا دعوات اجتماعية وإنما هو تجربة نفسية تامة وهي تجربة تفيض بالألم والكآبة إزاء الطبيعة والتفكير في النفس والحياة الإنسانية ومتاعس البشرية ويأخذ ذلك شكل انفجارات وجدانية ، وربما كان مرجع ذلك عنده إلى أنه كان صاحب نفس حساسة وشعور مرهف إلى أبعد ما يكون الإرهاف الدقيق ، ولم يكن شيء في حياته مفرحًا فقد ذاق ألم اليتم صغيرًا وكان قصيرًا تقتحمه العين وأحس ذلك في نفسه فضاق بحياته وتبرَّم بها غاية التبرم وزاد تبرمه حدة أن أصيب ساقه في حادثة سببت فيه عرجًا لازمه إلى مماته.

ويقرأ المازني وتتسع قراءته وينفتح أمامه العالم الغربي عن طريق إتقانه للإنجليزية فلا يقف عند ما يقرؤه في الأدب الإنجليزي بل يقرأ كل ما استطاع في الآداب الغربية المختلفة ، يقرأ لتورجنيف ولهاتزيباشيف الروسيين ويترجم للأخير قصة سانين باسم ابن الطبيعة كما يقرأ لمارك توين الأمريكي ولغير هؤلاء جميعًا ممن يُطْبَعُ أدبهم بطوابع السخرية.

وتُحْدث هذه القراءات أثرها العميق في نفس المازني فإذا هو ينقلب من شاعر وجداني تطفح نفسه بالمرارة والألم إلى كاتب من طراز ساخر يستخف بالحياة وبكل من فيها وما فيها من أشخاص وأشياء وأمانٍ وآلام ، ويترك المدرسة الإعدادية وينتظم في سلك الصحافة إلى نهاية حياته ولكنه لا ينغمر في السياسة إذ يظل مستقلًّا بآرائه وأفكاره شاعرًا بأنه من رجال الأدب لا من رجال السياسة بل تظل له شخصيته الأدبية الساخرة وكأنه وجد نفسه التي كان يبحث عنها من أوائل القرن كما وجد فلسفته وهي فلسفة تقوم على لقاء الحياة بالابتسام والسخرية في كل الأحوال والظروف فلم تعد عيناه تدوران في جوانبها الحالكة ولم يعد يندبها ويبكيها فهي لا تستحق عنده سوى الاستخفاف والاستهانة بل لكأنما شعر أن عليه لقرائه واجبًا أن يعينهم بسخريته وفكاهته على تحمل أعباء دنياهم والنهوض بأثقالها.

ونراه يبدأ هذه المرحلة الجديدة بمهاجمة المنفلوطي وأسلوبه الإنشائي الفارغ من الفكر العميق ومن الثقافة وذلك في كتاب (الديوان) الذي أخرجه مع العقاد كما يهاجم شكري في شعره الجديد وربما كان ذلك دليلًا على أنه استوى شخصًا آخر غير الشاعر القديم الذي كان يدعو دعوة حارة لمحاولة التجديد في الشعر ، إنه لم يعد يعجب بهذه المحاولة ولا بصاحبها شكري وإنه يحاول الآن محاولة جديدة ولكن ليست في الشعر وإنما هي في النثر وفي توسيع جنباته بحيث تسمح بإدخال الأفكار الغربية التي لم يكن يعرفها هذا النثر من قبل ، واتخذ المقالة الصحفية طريقه إلى ذلك وحَمَّلها كل ما أراد من فكر جديد ومن سخرية مُرة تارة ومن ظرف وخفة روح تارة أخرى.

وهو في الحق أحد كتابنا الممتازين الذين استطاعوا أن يحدثوا لنا أدبًا مصريًّا جديدًا وهو أدب مليء بالفكر والشعور والسخرية الحادة ، وليس هذا كل ما يميزه فإنه يتميز أيضًا بأسلوب خاص كان لا يتحرج فيه من استخدام بعض كلماتنا العامية ما دامت توجد في العربية الفصيحة وبذلك كان له أسلوبه الشخصي الذي ينفرد به بين معاصريه لا بخصائصه اللفظية فحسب بل أيضًا بخصائصه المعنوية وما فيه من سخرية وفكاهة مستملحة.

ولعل من الطريف أنه كان من السابقين إلى الإيمان بفكرة جامعة الدول العربية فقد كتب في سنة ١٩٣٥ مقالًا تحت عنوان (القومية العربية) دعا فيه إلى جمع كلمة العرب وأن تنتظمهم هيئة سياسية واحدة تؤلف بينهم ضد الاستعمار والمستعمرين ومن قوله في هذا المقال : (لقد أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين ولو أن هذه القومية العربية لم تكن إلا وهما لا سند له من حقائق الحياة والتاريخ لوجب أن نخلقها خلقًا، فما للأمم الصغيرة أمل في حياة مأمونة .. وإن أية دولة تتاح لها الفرصة تستطيع أن تثب عليهم وتأكلهم أكلًا بلحمهم وعظمهم ولكن مليون فلسطين إذا أضيف إليه مليونا الشام وملايين مصر والعراق مثلًا يصبحون شيئًا له بأس يُتَّقَى).

وهو لا يبارَى في مقالاته التي يصف فيها مشاعره وخوالجه إذ كان مرهف الإحساس وكان إذا تعمق التأثر نفسه فاضت عليه خواطره وكأنها تفيض من نبع لا ينضب ، ومن خير ما دبجته يراعته من ذلك ما جاء بكتابه (في الطريق) من حديثه عن ابنته الصغيرة التي اختطفها القدر من بين يديه وهي في غرارة الطفولة فقد صوَّر ذكرياته معها وما كانت تأتيه من لعب وعبث تصويرًا باكيًا رائعًا.

وقد نشر أول مجموعة مختارة من مقالاته سنة ١٩٢٤ بعنوان (حصاد الهشيم) وفيها نراه يتحدث عن شكسبير ورواية تاجر البندقية التي نقلها إلى العربية خليل مطران كما يتحدث عن ماكس نوردو وآرائه في مستقبل الأدب والفنون ويناقش آراءه مناقشة تدل على اتساع ثقافته الغربية ، ويدرس بجانب ذلك المتنبي وابن الرومي ويترجم بعض رباعيات الخيام عن الإنجليزية ويعرض لكثير من مشاكل الأدب والنقد.

وفي سنة ١٩٢٧ نشر مجموعة ثانية من مقالاته باسم (قبض الريح) وفيها تعرض بالنقد الساخر لكثير من آراء طه حسين في الأدب الجاهلي وفي الأدب العربي بعامة ونشر في سنة ١٩٢٩ مجموعة ثالثة باسم (صندوق الدنيا) وفيها اتجه إلى المقالات الساخرة التي تمسح عليها الدعابة والفكاهة ومما جاء في تقديمه لهذه المجموعة : (كنت أجلس إلى الصندوق في أيام طفولتي وأنظر إلى ما فيه فصرت أحمله على ظهري وأجوب به الدنيا أجمع مناظرها وصُوَرَ العيش فيها عسى أن يستوقفني نفر من أطفال الدنيا الكبار فأحط الدكَّة وأضع الصندوق على قوائمه وأدعوهم أن ينظروا ويعجبوا ويتسلوا ساعة بملاليم قليلة يجودون بها على هذا الأشعث الأغبر).

وبهذا الأسلوب المستملح الساخر الخفيف كتب مقالات هذه المجموعة ومقالاته في المجموعة الرابعة (خيوط العنكبوت) التي نشرها في سنة ١٩٣٥ وصور فيها بأسلوبه الفكه معايب حياتنا الاجتماعية ، ويدخل في هذا الباب من كتابة المقالة كتابه (رحلة الحجار) ، واتجه منذ سنة ١٩٣٢ إلى كتابة القصة وله فيها آثار مختلفة هي (إبراهيم الكاتب) وأتبعها بمجموعات من القصص القصيرة هي في الطريق سنة ١٩٣٦ ثم ميدو وشركاه وعود على بدء وثلاثة رجال وامرأة وعَ الماشي وإبراهيم الثاني ومن النافذة والمسرحية الوحيدة التي نشرها (بيت الطاعة أو غريزة المرأة).

والمازني في كل هذه القصص كاتب اجتماعي يستمد من بيئته وألوانها المحلية المصرية محللًا شخصيات قصصه وأبطالها تحليلًا نفسيًّا واسعًا باسطًا في هذا التحليل وصف علاقات الرجل بالمرأة خلال أحداث وتجارب يومية ، وهو يتأثر في ذلك بالقصص الأوربي الواقعي التحليلي مما قرأه في الآداب الغربية المختلفة ومما ينهج فيه الكُتَّاب منهجًا نفسيًّا يحللون فيه الشعور وما وراء الشعور وما يصيب الإنسان أحيانًا من عقد نفسية تكمن في أطواء قلبه ويصور ذلك بأسلوبه الساخر الذي يستمد السخرية فيه من مفارقات الأمزجة واختلاف الطبائع وما يقيمه في القصة من مآزق مختلفة.

وللمازني بجانب ذلك جهد ممتاز في ترجمة بعض الذخائر الغربية ومن أهم ما ترجمه قصة (ابن الطبيعة) التي سبقت الإشارة إليها ومسرحية الشاردة لجازورثي ومختارات من القصص الإنجليزي ، وهو يعد في طليعة من حذقوا الترجمة والنقل من الآداب الأجنبية وقد برهن في ترجماته كما برهن في كتاباته أن اللغة العربية مرنة وأنها تتسع لكل المعاني الحديثة ومما يذكر له بالثناء بحثه الأدبي في (بشار بن برد) زعيم المحدثين في العصر العباسي ، وتقديرًا له ولمكانته الأدبية وما بذل من جهود قيمة في أدبنا المعاصر اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية ، وما زال مكبًّا على التحرير في الصحف وإخراج القصص والأعمال الأدبية المختلفة حتى انطفأت شعلة حياته في سنة ١٩٤٩ “.

وكتب عنه وعن أسلوبه الأستاذ السيد مرسي أبو ذكري في كتابه المقال وتطوره في الأدب المعاصر فقال : ” إبراهيم عبد القادر المازني ١٨٩٠- ١٩٤٩ من أعلام الشعر والفكر والأدب المعاصر نظم وألف وترجم وكتب في الوطنيات والسياسة والقصة ومشكلات المجتمع والمرأة والحب والزواج أو العاطفة على مدى ثلاثين عامًا كاملة ، بدأت كتاباته منذ اشتعال الثورة المصرية ١٩١٩ وشارك الثائرين في كتابة المنشورات التي تؤجج أوارها حتى هددته السلطات بالنفي والتشريد ومع ذلك ظل مشتغلًا بالسياسة والصحافة حتى آخر لحظات حياته.

في حياة المازني أحداث ثلاثة لها أثرها في شخصيته وأعمال فكره وأدبه هي موت أمه وإصابة ساقه وموت زوجته ، فعن موت أمه يقول : (إن موتها هدني فقد كانت أما وأبا وأخا وصديقًا) وعن ساقه يقول : (كان هذا في ١٩١٤ فتغيرت الدنيا في عيني وزاد عمري عشر سنوات في لحظة وأدركتني الشيخوخة في عنفوان شبابي فاحتشمت وصدفت مضطرًا عن مناعم الحياة وملاهي العيش وغمرت نفسي مرارة كان يخيل إلي أني أحسها على لساني) وعن زوجته يقول : (وها أنا الآن بين الأحياء لا يدري الناس أني مت منذ سنين وأني غير متحرك كشمشون ملتون أو جثة لم تجد من يدفنها أو صورة باهتة لما كنته في حياتي).

وتحدثنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن شخصية المازني رغم هذه الأحداث التي نزلت به فتقول : (إنما تستمد قوتها وأسرها من روحه الأدبية وثقافته الممتازة لا من مظهره الجسماني أو هيئته لهذا كله لم تخلف العلة في نفسه المرارة التي خلفتها في نفس بيرون وأثارت نقمته على الحياة والناس بل لعل ساقه التي هيضت في شبابه كان من أسباب انزوائه واعتزاله وتفرغه للقراءة مما أتاح له أن يظفر بقدر ضخم من الثقافة وإعمال الفكر والتأمل وأن يكون واحدًا من الرواد الذين مهدوا لنهضة أدبنا المعاصر يتميز إنتاجه الضخم بالأصالة والدقة والعمق).

أسلوب المازني : تكشف آثار المازني عن أسلوب مشرق فكه ساحر وساخر محبب إلى النفس نابع من ثقافة عريضة وموهبة قادرة على إذابة العامية في الفصحى وينفرد بسخرية ناعمة تجلوها روح الفكاهة المصرية العذبة الخالصة وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي : البساطة في التعبير واستخدام المألوف من الألفاظ والمشهور من العبارات وإظهار الألفاظ الدارجة في ثوب فصيح ،  العناية بالأمثال الشعبية ورسم صورة للبيئة المصرية عامة والقاهرية بصورة خاصة وإيثار الدعابة المساخرة التي تمثل روحه ، جمله قصيرة متلاحقة وعباراته سلسلة شائقة.

إيثار الألفاظ الغربية في معارض السخرية أو إظهار المفارقة أو الإضحاك فنراه يخاطب المتعالي قائلًا: (أيها الفطحل) ويتحدث عن المتحذلق فيقول إنه من (الجهابزة) وعند امتلاء البطن يقول : (إنه شعر الكظة) ، تشبيهاته جديدة دقيقة وطريفة فتراه يقول : (أقدم من هرم خوفو ، ومعدتي طاعنة في السن كمخلاة قديمة ، والزواج يشبه لبس الحذاء ، والأعزب كالذي اعتاد الحفا ، وكانت لا تريد أن تتزوج وصدقت فما تزوجت لأنها ماتت ، وكان شديد السكر حتى إنه كان يمشي متزنًا) وغيرها كثيرة وعديدة ، المحافظة على الإطار اللغوي في قواعده وتراكيبه ومفرداته.

وهذا جزء من مقاله (بين القراءة والكتابة) جاء فيه : (مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب؛ لأني كنت أقرأ والقراءة والكتابة عندي نقيضان وقد كنت – وما زلت – امرءًا يتعذر عليه ولا يتأتى له أن يجمع بينهما في فترة واحدة ولكم أطلت الفكر في ذلك فلا يفتح الله علي بتعليل يستريح إليه العقل ويأنس له القلب ، وما أظن بي إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز عربات الرش التي تتخذها مصلحة التنظيم وخزان ضخم يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ وكذلك أنا فيما أرى أحس الفراغ في رأس وما أكثر ما أحس ذلك فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي هذا الذي خلقه الله خلقة عربات الرش كما قلت.

حتى إذا شعرت بالكظة وضايقني الامتلاء رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء وقمت عنه متثاقلًا متثائبًا من التخمة فلا يعجبني إلا أن أفتح الثقوب وأسح وهكذا دواليك ، وأمري مع الكتب أغرب كنت في أول عهدي بها أي منذ عشرين سنة أو نحو ذلك أذهب في أول كل شهر إلى أحد باعتها فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له وعلى شفته – دون عينيه – ابتسامة جهل وغباء ويهز لي رأسه أسفًا فأنحيه عن الطريق وأمضي إلى الوقوف وأجيل عيني فيها وآخذ منها ما يروقني وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين أن كان فوقها شيء يستحق الذكر.

ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب كما يقول المثل العامي وللعادة حكم لا يقوى المرء كل حين على مغالبته والنفس لا تطاوع المرء دائمًا ما يريدها عليه الجمود والتبلد وقد يزعج نفسه يقضي أيامه بطين الجسد وحده أو بموتها على الأصح فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد لا ينقصها إلا الرمى ، وما لا يصلح سلوى ومتعة قد يصلح دواء ويسير على من تعود أنه يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد ويخلد إلى الركود فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينًا بعد حين).

وبذا وغيره كان المازني في فكاهاته وسخرياته فنانا رائدًا خلاقًا عميق الغور واسع الأفق انطبعت مختلف مظاهر الحياة المصرية في نفسه فعبر عن صورها في قوة ووضوح ، وبعد فلعلك أدركت من خلال فصول هذا الباب أن بلاد العروبة حفلت منذ الثلث الأخير من القرن الماضي ينفر من الرواد والمصلحين والأدباء أثروا الفكر العربي بما بذلوا من جهود وقدموا من أراء في إصلاح اللغة والدين والسياسة والمجتمع وترخوا البساطة في التعبير عنها حتى تؤدي الغرض المنشود منها.

ومن الطبيعي أن تتنوع الأساليب وتختلف طرائق التعبير والتصوير نظرًا لتنوع العلوم التي نهلوا منها وتعدد الثقافات التي تأثروا بها وتختلف في نفوس الأدباء وتطورت تبعًا لها عقولهم فكان فيهم العالم والأديب والناقد والقاص والمؤرخ والسياسي والمبدع ، ومن هنا برز في المجتمع الثقافي في شتى بلاد العروبة طوائف عديدة في التصوير والتعبير وكان للغوي أسلوبه وللمصلح اتجاهاته ولرجل الدين منحاه وللعلمي منهجه وللفني طريقته وللفلسفي نظرياته وللساخر تعبيره لأن كل واحد منهم له خطه من الثقافة وله أسلوبه الذي يميزه عن غيره وتتضح فيه سماته وقسماته الفارقة ومميزاته الواضحة “.

84 / سوانح فتاة

شهدت مصر في مطلع القرن العشرين نهضة ثقافية مميزة جذبت لها الأدباء من المشرق والمغرب وظهرت فيها الصالونات الأدبية ومن أشهرها صالون الكاتبة والأديبة مي زيادة (1895 ـ 1941 م) وحضر فيه أعلام الشعر والنثر ، ومثلت مي زيادة نموذجا جديدا للمرأة المثقفة حيث كانت مصدر إلهام للأدباء والكتاب وتركت أثرا كبيرا في الثقافة العربية رغم حياتها القصيرة كما تحولت إلى أيقونة لدى حركات التحرر النسائي بعد ذلك.

وقد أغرم الكثير من الأدباء بها إلَّا أن قلبها لم يمل سوى لشخص واحد هو جبران خليل جبران الذي ظلت مأخوذة به طوال حياتها وتبادلا الرسائل مدة عشرين عامًا برغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة ! ، وقد تعرضت لأزمة نفسية بعد وفاة والديها وحبيبها جبران فقضت فترة من الوقت في مستشفى للأمراض النفسية في لبنان ثم خرجت بعدها وأقامت عند الأديب أمين الريحاني عدة أشهر عادت بعدها إلى مصر لتموت بالقاهرة.

ذكرها الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” ماري بنت إلياس زيادة المعروفة بميّ .. أديبة كاتبة نابغة قال فيها مصطفى عبد الرزاق : أديبة جيل كتبت في الجرائد والمجلات وألفت الكتب والرسائل وألقت الخطب والمحاضرات وجاش صدرها بالشعر أحيانا وكانت نصيرة ممتازة للأدب تعقد لأدباء في دارها مجلسا أسبوعيا لا لغو فيه ولا تأثيم ولكن حديث مفيد وسمر حلو وحوار تتبادل فيه الآراء في غير جدل ولا مراء ، كان والدها من أهل كسروان  بها ماري وتعلمت في إحدى مدارسها الابتدائية ثم تعلمت بمدرسة عين طورة بلبنان وانتقلت إلى مصر مع أبويها.

وكتبت في جريدة المحروسة وفي مجلة الزهور وأحسنت مع العربية اللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية ، أشهر كتبها : باحثة البادية ، وبين المد والجزر ، وسوانح فتاة ، والصحائف ، وكلمات وإشارات ، وظلمات وأشعة ، وابتسامات ودموع ، ولها شعر بالفرنسية وعلم بالتصوير والموسيقى وفي مجلسها – أيام الثلاثاء – يقول إسماعيل صبري باشا من قصيدة : إن لم أمتع بميّ ناظريّ غدا .. أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء !

ومات أبوها ثم أمها ولم تتزوج فشعرت بالوحدة وغلبها الحزن فاعتزلت الناس وانقطعت عن الكتابة والتأليف وتغلبت عليها الوساوس فمرضت بها سنة 1936 وظلت في اضطراب عقلي نحو عامين وتعافت ثم عاودها المرض فتوفيت في مستشفى المعادي (من ضواحي القاهرة) ودفنت في القاهرة ، قالت السيدة هدى شعراوي في تأبينها : كانت ميّ المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة ، ولجميل جبر كتاب (ميّ في حياتها المضطربة) ولمحمد بن عبد الغني حسن (حياة ميّ) وللدكتور منصور فهمي (محاضرات عن مي زيادة مع زائدات النهضة النسائية الحديثة) وانظر ميّ زيادة في مذكراتها “.

وترجم لها أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الأدب والفن الجزء الثاني فقال : ” مي زيادة 1895 ـ 1941 م ، مولدها ونشأتها : ولدت (مي) بالناصرة (فلسطين) سنة 1895 م واسمها الحقيقي ماري بنت إلياس زيادة صاحب جريدة المحرومة واختارت لنفسها اسم (مي) الذي اشتهرت به في عالم الأدب وهي من أشهر أدبيات الشرق وكاتبة موهوبة وخطيبة فسيحة الباع.

تلقت دروسها الابتدائية في مدرسة عين طوره وجاء بها والدها وهي دون البلوغ إلى مصر حيث عكفت على المطالعة والتحصيل والتضلع من مختلف العلوم والفنون وعرفت من اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية وأتقنتها فاستكملت ثقافتها وتميزت بالذهن البارع والذوق السليم.

مآثرها الأدبية : كانت تنشر فيض قريحتها في مجلات الزهور والمقتطف والهلال وجرائد المحروسة والسياسة والرسالة ، ولما سطع نجمها في سماء الأدب العربي كان يجتمع بعد ظهر الثلاثاء من كل أسبوع في دارها نخبة من العلماء والشعراء وقادة الفكر من أهل مصر وهم يخوضون في الحديث ويتبارون في مختلف البحوث العلمية والفنية وكانت (مي) مالكة عنانه توجه المناقشات والأحاديث بلفظها الرشيق وبيانها الناصع وأصبحت دارها منتدى أدبيًّا حافلاً.

وكان أكثرهم تردداً عليها الشعراء إسماعيل صبري ومصطفى صادق الرافعي وولي الدين يكن وأحمد شوقي وخليل مطران وشبلي شميل رحمهم الله وغيرهم ، وظلت دارها كدار بنت المستكفي منتدًى للنوابغ وكانت بمواهبها وفتنتها مبعث الوحي والإلهام لقرائحهم لأنها جعلت قلوب هؤلاء النوابغ تنفعل بموحياتها الأنوثية الناعمة وسحر الجمال ، وقد نظم المرحوم إسماعيل صبري باشا أبياتاً نفيسة نذكر منها قوله : روحي على بعض دور الحيّ حائمة .. كظامئ الطير إذ يهفو على الماء .. إن لم أمتّع بميّ ناظري غدا .. أنكرت صحبك يا يوم الثلاثاء.

مؤلفاتها : كان أول كتاب وضعته باسم مستعار (ايزيس كوبيا) وهو مجموعة من الأشعار باللغة الفرنسية ثم وضعت مؤلفاتها : باحثة البادية وكلمات وإرشادات ظلمات وأشعة سوانح فتاة بين المد والجزر الصحائف والرسائل وردة اليازجي عائشة تيمور الحب في العذاب رجوع الموجة ابتسامات ودموع ، وقامت بعدة رحلات إلى أوروبا وغذتِ المكتبة العربية بطائفة من الكتب الممتعة موضوعة ومنقولة وبلغت من غايتها في الأدب والعلم والفن فاستفاض ذكرها على الألسنة.

وكانت تميل إلى فني التصوير والموسيقى وكانت إذا وضعت قصة تجعل ذكرى قديمة تثيرها رؤية لون أو منظر من المناظر أو حادثة من الحوادث وقد يكون إيحاءً بما تشعر به وتراه في حياتها فتدفعها هذه الذكرى ويستنفرها هذا الإيحاء إلى كتابة القصة وقد تستيقظ في الفجر لتؤلف القصة ، ومن عادتها أن تضع تصميماً أوليًّا للموضوع ثم تعود فتصوغ القصة وتتم بناءها وإن الوقت الذي تستغرقه في كتابة القصة قد يكون ساعة أو أسابيع أو شهور حسب الظروف وهي ترى أنه ليس هناك قصص خيالية مما يكتبه القصصيون.

وكل ما ألفته هذه النابغة هو واقعي كسائر ما تسمع به وتراه من حوادث الحياة فالمؤلف القصصي لا يبدع من خياله ما ليس موجوداً بل هو يستمد من الحياة وحوادثها ويصور بقالبه الفني الحوادث التي وقعت للأفراد وكل ما تكتب هو تصوير لبعض جوانب الحياة لا وهمٌّ من الأوهام لا نصيب لها من حقيقة الحياة.

لقد ظلت سنوات طويلة تغرس في القلوب أجمل الشعر وأرفع النثر وتتهادى بروائعها ومؤلفاتها في دنيا الأدب إلى أن عصفت المنية في روحها وهي في سن الكهولة المبكرة وذلك في يوم الأحد التاسع عشر من شهر تشرين الأول سنة 1941 م في المعادي بمصر وتركت وراءها مكتبة نادرة لا تزال محفوظة بالقاهرة وتراثاً أدبيًّا خالداً إلى الأبد.

ولقيت في أواخر عهدها أشد العنت والكيد من أنسبائها فقد تآمروا عليها وأدخلوها العصفورية في بيروت وبقيت فيها مدة سنتين حتى أنقذها وأخرجها منه أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري ، وقد زارها في مستشفى العصفورية دولة العلامة فارس الخوري والأمير عادل أرسلان وشاهداها بحالة عقلية تامة ولكن صحتها الجسدية ضعيفة جدًّا واحتجا على ما لاقته إلى مجلس النواب اللبناني “.

ومن أعمالها كتاب سوانح فتاة والذي كتبت فيه خواطرها وتأملاتها في موضوعات عدة وبدأت ذلك بمقدمة تقول فيها : ” السانحة الأولى .. نحن الفتيات أسيرات الأزياء وعبدات التبرُّج ولُعَب الأهواء ، أنكتب نحن فتيات اليوم ؟ نعم صرنا نكتب ليس بمعنى تسويد الصحائف فحسبُ بل بمعنى الانتباه للشعور قبل التحبير ، لقد خبرنا الاختلاء بذواتنا فأقبلنا على تفهم معاني الحياة نتفرس في المشاهد بأبصارٍ جديدة ونصغي إلى الأصوات بمسامع منتبهة ونشوق إلى الحرية والاستقلال بقلوبٍ طروبة ونعبِّر عن النزعات بأقلامٍ يشفع الإخلاصُ في تردُّدها ، إن الأمر لكذلك وجرأتنا هذه لم تبدُ من اللائي سبقننا وإقدامنا لم يألفه الرجل من سوانا والجمهور يرقبنا بنظرةٍ خاصة تائقًا إلى تصفُّحِ نفس المرأة فيما تصِفُ به ذاتها وليس فيما يرويه عنها الكاتبون.

وما الغرض من ذلك ؟ .. يزعم الجمهور أن رغبته في تذوُّق إنشاءِ المرأة لا تُعربُ عن إكبارهِ لذلك الإنشاء أو عن إقرارهِ بصدق الفراسة منها وإنما لأن في كتابتها مظهرًا من مظاهر الذات النسائية العامة ، خطوةٌ صالحة نحو تكريم الأدب النسائي إلَّا أن فيها من الظلم وغمط الحقوق ما فيها نحن نحبُّ الحلم ونطلب التساهل ونريد أن يُستعان في الحكم علينا (بالظروف المخففة) كما يقول سادتنا الحقوقيون ، نريد ذلك لأننا مبتدئات نريده لأننا مبتدئات ولأننا بنات يوم تشرق علينا شمسه نخلق أنفسنا بأيدينا ونكتشف الطرق في غابات مهجورة ونمهد السُّبُلَ بين الصخور والأدغال لنا وللآتيات بعدنا.

إفساح المجال علينا عسير فنشكرُ للحليم تغاضيه عن القصور في عملنا وانتباهه لضآلة وراثتنا في عالم القلم كما نشكر للناقد الكيِّس ما يُبيِّنه لنا من أغلاطٍ ناتجةٍ عن ضعف الفتاة وقلة اختبارها ولكنهُ لا يجوز في شرع العدل والحقيقة أن تُرمى جميع أعمالنا بالضعف النسائي وأن يُطلق عليها الحكم بلا بحثٍ ومقارنةٍ ، لقد غالى بعض المفكرين لا سيما بعض الذين أقنعوا نفوسهم بأنهم مفكرون لقد غالى هؤلاء في فصل المرأة عن النوع الإنساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل ، والواقع أن كل حميَّة تهزُّ المرأة إنما تنطلق من النفس الإنسانية الشاملة وكلُّ نقص يشوبها إنما يرجعُ إلى العجز البشري الشائع وكلُّ أثرٍ من آثار ذكائها إنما هو وجهٌ من وجوه الفكر الإنساني العام “.

وفي كتابها المساواة تستهل موضوعاته بمقدمة قالت فيها : ” المساواة .. تمهيد .. أمَا رأيت الثريَّ تنهب الأرضَ سيارتُه كأنَّ السعد أقام من الأبَّهة والرواء هالةً بينه وبين سواه وهناك في الزاوية يدبُّ المُعدم ويعتفي متأوهًا كأنَّه في تمرُّغه حشرة خبيثة تأنفُ الأرضُ مسَّها وتمقت انعكاس ظلِّها ؟

أوَما رأيت الحسناءَ ترتدي الثِّياب الفاخرة على أحدث هندام وفي عنقها ومعصمَيها جواهر تُوازي ثروةً وتُصوِّر نعيمًا أمَا رأيتها تمرُّ رشيقةً مُعطَّرةً أمام امرأةٍ رثَّةِ الثوب تحمل طفلًا هو آية ذلِّها في الغد كما هي علَّة ذُلِّه اليوم والذُّباب يأكل من مآقيها ووجنتَيها ما لا تستطيع إزالته لأنها فقيرة حتى من الماء الطهور ؟

قد تُخفي مظاهر البؤس مالًا وعقارًا وقد لا تكون دلائل العزِّ سوى فخفخةٍ واستهتارِ غرور على أن المَشْهدَين يُمثِّلان من سلَّم الكفاف أعلى الدرجات وأدنى الدركات وبينهما تتحاذى الرُّتب على اختلافها بما يلازم ذويها من عوزٍ منوَّع واحتياج لجوج.

إزاء هذين النقيضين حنَّ الشعوريون إلى أخوة الروح تبدو بين طبقات المجتمع وعمد المفكرون إلى المقابلة والاستنتاج وقام المحرومون يصرُّون صريرًا وانبرى النظريون يعيِّنون حقوق الناس على الناس ومثَّل الشاعر الحماسيُّ دوره فأرسل (هايني) زفراتٍ كأنَّها المتفجِّرات هولًا وتحريضًا حيث هتف : (ملعون هو الإله إله السُّعداء .. ملعون هو الملك ملك الأغنياء ..وملعون هو الوطن المجازف بِبَنيه !).

وليس جميع هؤلاء ليُسلِّمون بأنَّ شكايتهم تُعارض نُظم الطبيعة بل هم يتسلَّحون بالحجَّة والبرهان مشيرين إلى الشمس تسكب النُّور والحرارة على الأشرار والصالحين ويستشهدون بالهواء يُسدي الحياة إلى الحيوان والإنسان ولا يكون على الجماد ضنينًا ويدلُّون إلى الأرض تعتشُّ في حضنها المعادن وتكلأ المرعى لكل ذي نسمة يرتعي ويومئون إلى منبسطات البحار تضمُّ مختلِف السمك والوحش المائي من كل فصيلة وحجم ولون ويذكرون اللَّحد يحوي الموتى قاطبةً على نمطٍ واحدٍ ليدفع بهم إلى الانحلال فريسةً وإلى التحوُّل مادةً.

فإذا أجزلت الطبيعة الهبات ودعت جميع بَنِيها إلى امتصاص ثديها المدرار فأنَّى للكبرياء أن تخلق التمايز والتفاضل وتجعل بين البشر فروقًا وسدودًا فتشل عضوًا لتُقوِّيَ عضوًا وتحرِم قومًا لتُمتِّع قومًا ؟ .. هم يتساءلون عمَّا حلَّل هذا الجور المرهق ويصيحون بقوَّة انفعالاتهم واحتياجاتهم : المسَاواة ! إنما نطلب المسَاواة !

إن لم يتمرَّد العبيد بهذه الكلمة وبمعناها العصري، فإنما التوق المبهم إليها هو الذي اضطرهم إلى تكسير القيود والخروج على سادتهم مرة بعد أخرى في تعاقب العصور القديمة حتى باتت أثينا وروما من أولئك الثورات في خطرٍ عظيم ، هي التي دمدمتْ في نفوس عشرين ألفًا من العبيد أن يفزعوا إلى الإسبارطيِّين يوم احتلُّوا جانبًا من بلاد الإغريق في الحرب البيلوبونزية طمعًا في الحصول إن لم يكن على تحريرٍ تام فَعَلَى تحسين مبين.

هي التي نفثت العصيان في قلوب عبيد مناجم اللوريوم وقوَّت سواعدهم للفتك بحرَّاسهم والمسيطرين عليهم فاستولوا على حصن سونيوم وأنزلوا في أتيكا الجميلة خرابًا ودمارًا ، بإلهامها انقلب إسبارطقس التراقي زعيمًا لإخوانه العبيد في روما فحارب على رأسهم جيوش الدولة النظامية يقودها الكبراء والنُّبلاء ولم يكفَّ عن النضال إلا بسقوطه صريعًا بطعنة أرسلتها يد كراسس أحد أعضاء الحكومة الثلاثية العليا ثُم أيُّ قوَّة أقامت دولة المماليك في مصر إن لم يكن التطلُّع إلى المساواة ؟!

لأجلها شبَّت الثورة الفرنساوية وانبرت تعلن للإنسان حقوقه المدنية المرتكزة على الحقوق الطبيعية فأثبتت في مطلع بيانها بندًا أول يشاركها اليوم فيه العالم المتمدِّن وهو أن (الناس يولدون ويظلُّون متساوين أحرارًا إزاء القانون) فحذفت بهذا البند نظام الإقطاع القائم على تفاوت الحقوق والواجبات.

وباسمها اعتصمت المرأة فنهضت من تحت قدم السيد الساحقة ووقفت عالية الجبين إزاء مسالك الحياة وأعمالها ، وفي سبيلها وضع ماركس كتابه الشهير صارخًا (اتحدوا يا عمَّال العالم !) فتبارى الزُّعماء في تكوين الأحزاب وسنِّ القوانين ونشر اللوائح وإقامة المؤتمرات الثلاثة لاتحاد العمَّال الدولي ، وهي هي التي هزَّت الروسيا من أقصاها إلى أقصاها وأضرمت تحت سمائها شعلة الثورة المدْلهمَّة.

اذكرْها يتزاحم حولك جمهورُ دعاتها وكهنتها ماركس ولاسال وإنجلس وبرودن وباكونين وكروبتكن وعشرات غيرهم يدحضون مذهب دارون وهوبس القائل بتنازع البقاء بمذهب التضامن والتعاون البادي بين جميع الموجودات.

بل اذكرها يضج حولك هتاف الشعوب وصراخ المراتب الاجتماعية وأنين المحتاجين والمتوجِّعين ، هؤلاء لا يفقهون معناها تمامًا ويزعمون أنَّها مشاركة الغنيِّ بغناه والوجيه بوجاهته والمُنْعِم بنعمته ، وحسبهم أنَّها تخفي عنهم شبح غدٍ غدَّار لا يضمن لهم ولذويهم الغذاء أو يرون فيها انفراجًا معتدلًا لضيقهم كذلك العامل الإنجليزيُّ القائل : (أتريد أن تعرف ما هي المساواة ؟ عشر شلنات في النهار يا سيِّدي).

تكاد تكون المشاكل الدولية ألاعيب إذا ما قوبلت بالمشاكل الاقتصادية التي يسمُّونها اجتماعية ومشكلة (المساواة) هي الآن أم المشاكل واسمها يطنُّ من كل صوب ، وإنها مع الحرية والإخاء لتهز نفسي وقد لمستْها منذ أن كان لي نفس تتحرَّك غير أنِّي وصلت إلى نقطة أودُّ عندها تحليل كل شعور وكل تأثير.

ما هي المساواة وأين هي وهل هي ممكنة ؟ هذا ما أرغب في استجلائه في الفصول الآتية دون اندفاع ولا تحيُّز بل بإخلاص من شكلت من جميع قواها النفسية والإدراكية محكمة (محلِّفين) يستعرضون خلاصة ما تقوله الطبيعة والعلم والتاريخ ليثبتوا حُكمًا يرونه صادقًا عادلًا “.

85 / سنة أولى سجن

أدب السجون هو نمط حديث في الكتابة ينتمي إلى الأدب الواقعي ويتناول تجربة الاعتقال والسجن وما فيها من معاناة إنسانية ويجمع بين الإبداع المعبر عن المشاعر والأفكار مع جانب توثيقي يؤرخ للتجربة الشخصية للمؤلف ، ومن أهم الكتب التي اشتهرت في القرن العشرين في هذا المجال كتاب (سنة أولى سجن) الذي كتبه واحد من رواد الصحافة المصرية ومؤسس جريدة أخبار اليوم وهو الكاتب والصحفي مصطفى أمين (1914 ـ 1997 م) ورصد فيه تجربته خلال تسع سنوات قضاها في السجن.

وقد ارتبط المؤلف بشقيقه التوأم وشريكه في تأسيس أخبار اليوم علي أمين (1914 ـ 1976 م) ونشأ كلاهما في بيت الأمة حيث كانت والدته السيدة رتيبة زغلول ابنة أخت الزعيم سعد زغلول وتربت في بيته حتى تزوجت من الأستاذ محمد أمين أبو يوسف المحامي ، ويقول مصطفى أمين عن والدته : مدين أنا لأمي بالكثير من أسباب نجاحي فقد كانت إذا آمنت بشيء أخلصت له بشدة ، ويقول في موضع آخر : أعتقد أن الله خلق الملائكة في صورة أمهات ولولا أمي ما واصلت دراستي ولا حصلت على شهادة جامعية ولا دخلت الجامعة من الأساس.

وقد شغف مصطفى أمين بالصحافة فالتحق مبكرا بمجلة روزاليوسف وهو طالب بعد أن صدرت عام 1925 م وهو الذي قدم إحسان عبد القدوس لمحمد التابعي بعد أن اختلف إحسان مع والدته فاطمة اليوسف وترك مصطفى أمين آخر ساعة إلى دار الهلال ثم انتقل إلى آخر ساعة عندما أسسها محمد التابعي عام 1934 م ، وسافر مصطفى أمين إلى أمريكا لإكمال دراسته فالتحق بجامعة جورج تاون ودرس العلوم السياسية وحصل على درجة الماجيستير في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى.

أما علي أمين فاختلف عنه قليلا ففي عام 1928 م فصل من المدرسة لأنه صفع حكمدار الغربية الذي حاول الاعتداء على مصطفى النحاس باشا في مدينة طنطا وكان عمر علي وقت ذاك أربعة عشر عاما فاكتفوا بفصله من المدرسة وعام 1930 م صدر عفو عنه ودخل المدرسة الخديوية ثم شارك في إضراب احتجاجا على تعطيل دستور 1923 ثم التحق بالجامعة الأمريكية وحصل على البكالوريا ، وسافر علي عام 1931 م إلى إنجلترا وحصل على بكالوريوس الهندسة عام 1936 م وانضم هناك إلى فريق الملاكمة وأصبح من لاعبيها المشهورين.

وعاد إلى مصر وعين مهندسا باليومية في مصلحة الميكانيكا والكهرباء واختير عام 1941 م مديرا لمكتب وزير التموين ثم مديرا لمكتب وزير المواصلات ومديرا لمكتب وزير المالية عام 1942 م وعام 1943 م مديرا عاما للمستخدمين والمعاشات وعام 1944 في نوفمبر تفرغ مع مصطفى أمين لإصدار جريدة أخبار اليوم ، وفي عام 1945 م اشتريا مجلة آخر ساعة من محمد التابعي وفي مؤسسة أخبار اليوم أصدرا مجلة آخر لحظة عام 1948 م ومجلة الجيل الجديد عام 1951 م.

وقد مرت حياة مصطفى أمين بعواصف سياسية حيث حكم عليه عام 1939 م بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ بتهمة العيب في ذات الأمير محمد علي ولي العهد وقد ألغي الحكم عام 1942 م في عهد وزارة مصطفى النحاس باشا ، كما بدأت العلاقة بين سلطة 23 يوليو عام 1952 م وبين صاحبي أخبار اليوم بداية درامية فقد اعتقلا يوم الأربعاء 23 يوليو عام 1952 م ولكن مساء يوم 26 يوليو عام 1952 لم توجه لهما السلطة الجديدة أي إتهام وخرجا يمارسان العمل في أخبار اليوم.

وفي 15 فبراير 1954 م بدأ مشروع ليلة القدر بمقال نشره مصطفى أمين في أخبار اليوم جاء فيه : (في قلب كل إنسان أمنية صغيرة تطارده في حياته وهو يهرب منها إما لسخافتها أو لارتفاع تكاليفها فما هي أمنيتك المكبوتة ؟ اكتب لي ما هي أمنيتك وسأحاول أن أحققها لك سأحاول أن أدلك على أقصر الطرق لتحقيقها بشرط ألا تطلب مني تذكرة ذهاب وإياب إلى القمر) ، حقق هذا المشروع الكثير من النجاح حيث انهالت على الجريدة العديد من الخطابات وتم تلبية طلبات العديد من أصحاب الاحتياجات وتوسع هذا المشروع بعد ذلك وتفرعت أنشطته.

ولعب مصطفى أمين دورا كبيرا أثناء العدوان الثلاثي في أكتوبر عام 1956 م حيث أرسل مندوب الأخبار مصطفى شردي إلى بورسعيد فحمل آلة تصوير وجعل الأفلام التي تفضح بشاعة العدوان وتسلل في ليل دامس في ملابس صياد وغاص في بحيرة المنزلة ثم وصل إلى دار أخبار اليوم في الفجر وسلم أفلام الدمار إلى الأستاذين مصطفى وعلي أمين ، وبأمر من القيادة حمل مصطفى أمين هذه الصور النادرة وطار بها ووزع الصور على كبرى صحف العالم لتنشر على صدر صفحاتها الأولى بفضح العدوان الثلاثي من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل.

أما القضية التي اتهم فيها مصطفى أمين فقد كتب عنها بأنه كان مكلفا من جمال عبد الناصر باستمرار الاتصال بالولايات المتحدة وكانت القيادة تمده بما ينبغي أن يقوله لمندوبي أمريكا وأن ينقل عبد الناصر ما يقوله الأمريكيون ، وعندما ساءت العلاقات بين مصطفى أمين وعبد الناصر وغيره من القيادات قبضوا عليه وحاكموه بالمعلومات التي كانوا قد أعطوها له سلفا ليسلمها إلى المندوبين الأمريكين وصدر عليه الحكم بالسجن تسع سنوات قضاها مصطفى أمين في السجن وقضاها علي أمين خارج مصر.

وقد كتبت الصحفية الأستاذة سارة حسن على موقع بوابة أخبار اليوم قصة نشأة مصطفى وعلي أمين في بيت الأمة وتأثير ذلك على نشأتهما وحبهما للصحافة فقالت : كانت رتيبة زغلول طفلة لم يتجاوز عمرها الثلاث سنوات انتقلت للعيش برفقة أخيها وجدتها في بيت الزعيم سعد زغلول فوالدتها قد توفيت بعد أشهر من ولادتها ثم لحقها والدها بعد ثلاث سنوات تاركين الطفلة وأخيها للعيش في بيت الخال سعد زغلول.

بعد وفاة والديها ظلت رتيبة في بيت سعد بعد وفاة جدتها وتربت في بيت الأمة حتى تزوجت شاب تقدم لها يُدعى محمد أمين يوسف وكان يعمل محاميًا بمدينتي دمياط والمنصورة وانتقلت مع زوجها للعيش في مدينة دمياط ، وفي الشهور الأخيرة من حَمل رتيبة أصرت صفية زغلول أن تأتي بها إلى القاهرة لتلقي الرعاية اللازمة وعاشت صفية شهور حمل رتيبة تحلُم بأن ترى طفلًا في بيتها لأول مرة حتى أنجبت التوأم مصطفى وعلي.

كانت مُثقلة بحِمل تربية مولود واحد فكيف إذًا تربي طفلين ! حتى اقترحت صفية على رتيبة أن تتبنى هي وسعد الطفل مصطفى وتتفرغ رتيبة لتربية علي ووافقت رتيبة إلا أن زوجها أمين يوسف الذي كان غائبا في دمياط للعمل ما إن عاد حتى غضب ورفض اقتراح التبني بعنف (لا يمكن أن أبيع ابني) ، وافق الأب فيما بعد ونظرًا لظروف عمله على بقاء طفليه بمنزل سعد زغلول لكن بشرط أن يحملا اسم أبيهم وبدأت إقامة أسرة أمين بمنزل سعد زغلول الذي أصبح يقضي معظم أوقاته في مداعبة وتربية الطفلين ويصحبهما معه في كل مكان.

أحداث فارقة للتؤمان : العديد من الأحداث الفارقة في تاريخ مصر عاصرها التوأم فيروي مصطفى أمين في مذكراته (من واحد لعشرة) أنه رأى وشقيقه علي صفية زغلول ومعها نخبة من سيدات المجتمع وهن يتولين إعداد قائمة كبيرة باسم كل محل إنجليزي أو شركة أو مطعم من الإسكندرية إلى أسوان وطبعتها بآلاف النسخ وتوزيعها على الشعب كرد فعل على اعتقال سعد زغلول في شهر مارس من عام 1919.

حب القراءة : عاش التوأم في بيت الأمة تعلما حُب القراءة فكانت صفية زغلول ترفض أن تمنح مصطفى أو علي النقود حتى يذهبا إلى السينما إلا إذا رتبا كُتب سعد زغلول فظلا ساعات في مكتبته يزيلان ترابها ويرتبان الكُتب ليجدا نفسيهما ينجذبان إليها حتى قال مصطفى أمين في مذكراته : (أصبحت أحس أنهم أصدقائي).

وفاة سعد زغلول : سافر مصطفى بعد وفاة زغلول عام 1927 إلى أمريكا وحصل على شهادة في العلوم السياسية بجامعة جورج تاون وحصل على الماجستير عام 1938 ودرس علي الهندسة بإنجلترا وحصل على البكالوريوس في 1936 ثم عادا إلى مصر وأسسا جريدة (أخبار اليوم) التي وزعت آلاف النسخ وحققت انتشارًا هائلًا في المحافظات آنذاك.

بيت الأمة : تربى التوأم الصغير في بيت الأمة وتأثرا كثيرًا بمناخ النشأة السياسية الذي كان يحيطهما ولم يكونا يفيضا بكل ما كان يجول في خاطرهما إلا من خلال الكتابة ففي عام 1922 أصدرا مجلة (الحقوق) وكان عمرهما وقتها ثمان سنوات وفي تلك الفترة كانت أخبار بيت الأمة تملأ كل الصحف واكتشفا أنهما يعرفان كل هذه الأخبار قبل نشرها بحكم وجودهما في بيت سعد زغلول ففكرا في كتابة هذه الأخبار في كراسة مدرسية وأطلقا عليها اسم الحقوق مكتوبة بالقلم الرصاص وكتبا عليها أنها صحيفة (سياسية يومية أدبية).

عشق مهنة الصحافة : منذ نعومة أظافره عشق مهنة الصحافة واشتهر مصطفى أمين بعملاق صاحبة الجلالة حيث كان يعمل صحفياً بارعاً يعشق مهنته يتصيد الأخبار ويحملها للمجلة يتمتع بقدر كبير من الإصرار والمثابرة ويسعى وراء الخبر أينما كان وكان أول باب ثابت حرره بعنوان (لا يا شيخ) في مجلة روز اليوسف.

إصدار مجلات وصحف : أصدر مصطفى أمين عدد من المجلات والصحف منها مجلة الربيع وصدى الشرق وغيرها والتي أوقفتها الحكومة نظراً للانتقادات التي توجهها هذه المجلات والصحف إليها ، المجلة التي أصدرها التوأم تتضمن أخبارًا خاصة عن المدرسة وأثارت إعجاب سعد باشا وصفية زغلول لكن والدتهما رفضت الفكرة لأنها رأت أنها ستشغلهم عن تحصيل الدروس فأمرت بعدم إصدار المزيد من الأعداد وأمام معارضة الأسرة نقلا نشاطهما من المنزل إلى المدرسة فزاد قُراء المجلة من خمسة أفراد في البيت إلى ثلاثمائة طالب من تلاميذ مدرسة المنيرة الابتدائية.

نشأة جريدة أخبار اليوم : كانت بداية انطلاق الجريدة عام 1944 م حيث أرادا أن تصبح من أشهر الصحف المصرية فظهرت وولدت جريدة أخبار اليوم عن طريق مصطفى أمين وعلي أمين ، تم توزيع عشرات النسخ منها مع صدور العدد الأول ثم حققت الصحيفة انتشاراً هائلاً لتتوسع بعد ذلك إمبراطورية أخبار اليوم بالعديد من الإصدارات ، وكانت من مؤلفات مصطفى أمين : ست الحسن ، ليالي فاروق ، الآنسة كاف ، لكل مقال أزمة ، نجمة الجماهير ، مسائل شخصية ، وغيرها.

وفي موقع صوت الأمة تفاصيل عن مسيرة مصطفى أمين الصحفية وجاء فيها : سافر مصطفى أمين إلى أمريكا لإكمال دراسته فألتحق بجامعة جورج تاون ودرس العلوم السياسية وحصل على درجة الماجيستير في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى عام 1938 ثم عاد إلى مصر وعمل كمدرس لمادة الصحافة بالجامعة الأمريكية لمدة أربع سنوات.

كانت الصحافة هي العشق الأول لمصطفى أمين وكذلك شقيقه وبدأ العمل بها مبكرا وذلك عندما قدما معا مجلة الحقوق في سن الثماني سنوات والتي اختصت بنشر أخبار البيت تلا ذلك إصدارهما لمجلة التلميذ عام 1928 أعقبها صدور مجلة الأقلام.

وفي عام 1930 انضم مصطفى للعمل بمجلة روز اليوسف كتلميذ محمد التابعى مؤسس الصحافة الحديثة فى مصر واستقبله فى روز اليوسف ومعه مظروف فيه مقالات وأخبار وترجمة وقصص ، وظهرت روز اليوسف فى 30 أغسطس وفيها كل هذا وبعد بضعة أسابيع قفز إلى منصب (المخبر الأول) فيها حسبما يؤكد أحمد عطية صالح  فى كتابه (مصطفى أمين) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.

وبعدها بعام تم تعيينه نائبا لرئيس تحريرها وهو ما يزال طالبا في المرحلة الثانوية ثم انتقل للعمل بمجلة أخر ساعة والتي أسسها محمد التابعي ، وكان مصطفى أمين هو من اختار لها هذا الاسم وكان نائبًا لرئيس تحريرها وعمره عشرين عامًا فقط وكتب في الجهاد والمصري حتى كانت محطته التاريخية بالحصول على الموافقة بإصدار صحيفة أخبار اليوم في 26 أكتوبر 1944 وبدأ الإعلان عنها فى أول نوفمبر.

وفى يوم السبت 11 نوفمبر 1944 صدر العدد الأول منها وكانت هذه الجريدة بمثابة الحلم الذي تحقق لهما وعين رئيسا لتحرير أخبار اليوم وحققت الصحيفة انتشارًا واسعًا وبلغ رقم توزيعها 110 آلاف نسخة ويعتبر هذا الرقم قياسيًا لم يسبق له مثيل فى الصحافة المصرية ولم يحدث فى تاريخ المجلات الأسبوعية ولا الصحف اليومية أو الأسبوعية التى صدرت فى مصر أن تسجل فوزها بهذا التوزيع الضخم ابتداء من العدد الأول.

واستمرت أخبار اليوم على تفوقها حتى أصدر فى منتصف عام 1952 جريدة الأخبار اليومية ، ورغم تأميم الصحافة فى 24 مايو 1960 وأصبح هو مشرفًا عامًا على التحرير ونائب رئيس مجلس الإدارة فإن (الأخبار) ظلت فى صدارة التوزيع ففى 15 يونيو 1965 أعلن  أن توزيع الأخبار وصل إلى 227 ألف نسخة بزيادة 46 ألف نسخة على الأيام العادية.

ولكن في  21 يوليو عام  1965 تم القبض عليه بتهمة التجسس لصالح أمريكا خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر وبالرغم من نفيه لهذا الاتهام قضى تسع سنوات داخل السجن موثقاً تجربته القاسية في كتب أبرزها (سنة أولى سجن) قبل الإفراج عنه في عهد الرئيس السادات  فى 18 مايو 1974 ليقود الحملة ضد جمال عبدالناصر وسنوات حكمه.

وفي عام 1976 أصبح كاتبا متفرغا لعموده اليومي (فكرة) بالأخبار وأخبار اليوم ، وأسهم مصطفى أمين في تحقيق عدد من المشروعات الإنسانية والاجتماعية هو وتوأمه وهي : ليلة القدر ولست وحدك ودار للأيتام كما كانا صاحبي الفضل في ابتكار فكرة عيد الأم وعيد الأسرة وعيد الحب.

قدم مصطفى أمين خلال حياته العديد من المؤلفات القيمة منها امريكا الضاحكة سنه 1943 ، تحيا الديمقراطية ، من عشرة لعشرين ، من واحد لعشرة ، معبودة الجماهير ، أفكار ممنوعة، الـ 200 فكرة ، سنة أولى سجن ، الآنسة كاف ، مسائل شخصية ، ليالى فاروق ، ست الحسن ، لكل مقال أزمة ، أسماء لا تموت (مشاهير الفن والصحافة) ، صاحبة الجلالة في الزنزانة ، صاحب الجلالة الحب ، لا (مسلسل) ، بين الصحافة والسياسة ، سنة أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة سجن ، فاطمة.

86 / رحلتي من الشك إلى الإيمان

نجلس متحفزين مساء كل يوم إثنين لنتابع هذا البرنامج المميز في زمن لم يكن فيه ناشيونال جيوجرافيك ولا ديسكفري ولا القنوات الوثائقية ، وبعد التتر المميز بصوت الناي الحزين يظهر الوجه البشوش لمقدم البرنامج الدكتور مصطفى محمود وهو يطل إطلالة محببة ويبتسم ابتسامة لطيفة ويبدأ قوله بعبارته الشهيرة : (أهلا بيكو) ، بعدها يبدأ في مقدمة مشوقة للموضوع يعقبها فيلم علمي وثائقي يعلق عليه بصوته ثم يختم الحلقة بملخص مبسط يحمل الرسالة التي يريد إيصالها للناس والتي تتنوع ما بين العلم والدين والأخلاق والسياسة والفلسفة .

ومثل كل رجالات عصره تعددت فيه الآراء فمنهم من يرى أنه كان مفكرا عظيما لم يجد الزمان بمثله ومنهم من يضعه في مرمى النقد والهجوم ويتهمه بالتضليل ، وبين هذا وذاك تبقى حقيقة هامة وهي أن الرجل كان صاحب تجربة حياتية فريدة امتدت مع عمره كله الذي بدأ مع ولادته في عشرينيات القرن الماضي وانتهى مع وفاته في العقد الأول من الألفية وهو ما يعني أنه عاصر كل الأحداث الكبيرة في تاريخ مصر الحديث اشتبك فيها مع الواقع السياسي والثقافي والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تلاحقت مع تعاقب أنظمة الحكم المختلفة.

وقد اشتهر الرجل بالطبع بسبب هذا البرنامج لكنه لم يكن مجرد مقدم برامج وإنما هو مفكر يملك عالما متكاملا يمكن لمن يريد العيش فيه أن يجد مبتغاه ، فهو كاتب من الطراز الأول وله عدد من الكتب التي صاغها بأسلوب سلس جذاب يناسب المتلقي كما أنه طرق موضوعات متعددة كان فيها سابقا لعصره ، فهو من أوائل من بسط النظريات العلمية وشرحها بحيادية وإتقان مثلما فعل في كتابه القيم (أينشتين والنسبية) كما كان له إسهام جيد في كتابة الرواية والمسرحية وأدب الرحلات والقصص القصيرة وعدد كبير من المقالات في الصحف الكبرى.

ولدى الرجل نزعة صوفية واضحة تجعله في مصاف الفلاسفة الذين يحبون العزلة ويشتغلون بالتنظير ، لكنه لم يكتف بذلك وإنما سعى للإسهام بشكل عملي في خدمة المجتمع من خلال جمعية مصطفى محمود والتي أنشأت مجمعا كبيرا يضم مسجدا ومستشفى وعددا من الأنشطة الاجتماعية في حي المهندسين بمحافظة الجيزة ، وقد أشرك معه في هذا العمل عددا كبيرا من الفنانين في مبادرة إيجابية ذاع صيتها حتى طغت على المنطقة وسمي الشارع والميدان باسمه اعترافا بهذه الصدقة الجارية التي عاشت حتى يومنا هذا ووضعت اسمه في سجل الخالدين.

ولد مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ في ميت خاقان بالمنوفية عام 1921 م وتوفي بالجيزة عام 2009 م ، نشأ في طنطا حيث كان يعمل والده وعرف بالتفوق الدراسي وشغف منذ صباه بالعلم والتأمل وامتلك  معملًا صغيرًا أخذ يصنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية ليقتل بها الصراصير ثم يقوم بتشريحها وحين حين التحق بكلية الطب اشتُهر بالمشرحجي نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما ، وقد تخرج من كلية الطب عام 1953 م وعمل طبيبا للأمراض الصدرية.

نبغ في الأدب منذ فترة الدراسة ونشر عددا من القصص القصيرة في مجلة روز اليوسف ثم عمل بها لفترة عقب تخرجه فاحترف الكتابة ، ‏وعندما‏ ‏أصدر‏ ‏الرئيس‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏قرارًا‏ ‏بمنع‏ ‏الجمع‏ ‏بين‏ ‏وظيفتين‏ ‏وقتها‏ ‏يجمع‏ ‏بين‏ ‏عضوية‏ ‏نقابتي‏ ‏الأطباء‏ ‏والصحفيين‏ ولذا ‏قرر‏ ‏الاستغناء‏ ‏عن‏ ‏عضوية‏ ‏نقابة‏ ‏الأطباء‏‏ ‏مفضلًا ‏الانتماء إلى ‏نقابة‏ ‏الصحفيين‏ وترك مهنة الطب حيث  قرر في عام 1960 م أن يتفرغ للأدب والكتابة واحتفظ‏ ‏لنفسه‏ ‏بجدول‏ ‏صارم‏ ‏في‏ ‏حياته‏ قائم على البساطة في الحياة المعيشية والتأمل والقراءة المستمرة في مختلف نواحي العلوم والآداب والفكر.

وقد منحه كل من العلم والأدب معا روحا فلسفية ونزعة صوفية ، وعندما سُئل ماذا يملك الطبيب من إمكانات تشجعه على أن يكون أديبًا وفنانًا ؟ أجاب بأن للطب علاقة وثيقة بالحياة وأسرارها وخفاياها فالطبيب هو الوحيد الذي يحضر لحظة الميلاد ولحظة الموت وهو الذي يضع يده على القلب ويعرف أسرار نبضه وكل الناس يخلعون ثيابهم وأسرارهم بين يدي الطبيب ، فهو الوحيد الذي يباشر الحياة عارية من جميع أقنعتها وبما أن الطب علم والأدب علم فالتكامل في الحياة البشرية قضى بأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر وكذلك الطبيب والأديب.

تم اتهامه‏ ‏بالكُفر‏ ‏‏في‏ ‏نهاية‏ ‏الستينيات‏ ‏بعد‏ ‏سلسلة‏ ‏من‏ ‏المقالات ‏و‏صدور‏ ‏كتابه‏ (الله‏ ‏والإنسان) الذي‏ ‏تمت‏ ‏مصادرته‏ ‏وتقديمه‏ ‏بعدها‏ ‏للمحاكمة‏ ‏التي‏ ‏طلبها‏ ‏الرئيس‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏بنفسه ‏‏‏بناءً‏ ‏على ‏تصريح‏ ‏الأزهر‏ ‏باعتبارها‏ ‏قضية‏ ‏كفر ‏، ‏وقد‏ ‏اكتفت‏ ‏لجنة‏ ‏المحاكمة‏ ‏وقتها‏ ‏بمصادرة‏ ‏الكتاب‏ ‏دون‏ ‏حيثيات‏ ثم تغير الوضع في عهد الرئيس أنور السادات فقد ‏أبلغه‏ ‏إعجابه‏ ‏بالكتاب‏ ‏وطلب‏ ‏منه‏ ‏طبعه‏ ‏مرة‏ ‏أخرى‏ ‏ولكنه‏ ‏استبدل ‏به كتاب‏ ‏(حوار‏ ‏مع‏ ‏صديقي‏ ‏الملحد) لتتوطد‏ ‏بعدها‏ ‏علاقته‏ ‏بالرئيس‏ ‏السادات‏ ‏وعرض عليه الوزارة لكنه اعتذر عنها لرفضه السلطة بكل أشكالها.

قال عنه الشاعر الراحل كامل الشناوي : ” إذا كان مصطفى محمود قد ألحد فهو يلحد على سجادة الصلاة ” ، وسبب ذلك أن نزعته التأملية حملته إلى طريق البحث عن الحقيقة مثل الفلاسفة القدماء حيث يقول في ذلك : ” أهل الحقائق في خوف دائما من أن تظهر فيهم حقيقة مكتومة لا يعلمون عنها شيئا تؤدي بهم إلى المهالك فهم أمام نفوسهم في رجفة وأمام الله في رجفة وذلك هو العلم الحقّ بالنفس وبالله ” ، وقد وضع خلاصة معاناته الروحية والعقلية في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان) والذي يضع فيه فلسفته ومنهجه.

واشتهر بهجومه المتواصل على الصهيونية ورأيه بأن اليهود وراء هذه الشبكة الأخطبوطية للفساد والإفساد في العالم كله مما تسبب في لزوم وجود حارس‏ ‏على باب منزله ‏منذ‏ ‏سنوات‏، ‏بتكليف‏ ‏من‏ ‏وزارة‏ ‏الداخلية‏ ‏لحراسته بعد‏ ‏التهديدات‏ ‏التي‏ ‏تلقاها‏ ، وله أفكار المثيرة للجدل مثل دعوته إلى علم النفس القرآني ويقصد به محاولة فهم النفس فهمًا جديدًا مؤسسًا على القرآن والسنة في كتاب (علم نفس قرآني جديد) ومثل أفكاره في (كتاب الشفاعة) الذي صدر عام 2000 م وتعرض بسببه للهجوم واتهامه بإنكار الشفاعة النبوية وقرر بعدها الاعتزال.

ومن مؤلفاته الأخرى : الإسلام في خندق – زيارة للجنة و النار – عظماء الدنيا وعظماء الآخرة – الإسلام السياسي والمعركة القادمة – المؤامرة الكبرى – عالم الأسرار – أكل العيش – رائحة الدم – إبليس – لغز الموت – لغز الحياة – رجل تحت الصفر – القرآن محاولة لفهم عصري ـ الوجود والعدم ـ السر الأعظم ـ الماركسية والإسلام ـ عصر القرود ـ القرآن كائن حي ـ أكذوبة اليسار الإسلامي ـ ألعب السيرك السياسي ـ على حافة الانتحار ـ ماذا وراء بوابة الموت ـ الروح والجسد ـ نار تحت الرماد ـ في الحب والحياة ـ السؤال الحائر.

أما أعماله الأدبية فقد تنوعت ما بين الرواية والمسرح والقصص القصيرة وتجسدت في أعمال مثل (شلة الأنس) هي مجموعة قصصية صدرت عام 1962 تبرز شخصيات واقعية شعبية تجتمع كل يوم وقت العصاري يدخنون المعسل والجوزة ويتحدثون في الفن والاختراعات وتحولت إلى فيلم سينمائي يحمل نفس الاسم ، ومن من أشهر رواياته (العنكبوت) والتي صدرت عام 1965 م وهي رواية فلسفية تحمل قدرا من الخيال العلمي وتناقش فكرة مصير الروح وارتباطها بالإنسان وماذا يحدث بعد الموت وتحولت إلى مسلسل تليفزيوني.

أما روايته (المستحيل) فقد حققت مبيعات ضخمة وصدرت عام 1960 م وتحكي عن مهندس شاب يكتشف فجأة أن حياته مزيفة وكل شيء بها مفروض عليه وتتوالى الأحداث وقد تحولت لفيلم سينمائي بنفس الاسم ، ومن عائد هذه الرواية اشترى قطعة أرض وهي التي تأسس عليها بعد ذلك جامع مصطفى محمود وثلاث مراكز طبية ومستشفى وجمعية فلكية ومكتبة ومتحف جيولوجي ، وقد اتخذ فيها غرفة صغيرة مثل صومعة الراهب  لتكون ملاذا للاعتكاف والتأمل حيث قضى فيها بقية حياته عازفا عن الدنيا وزخارفها في زهد حقيقي.

وفي كتابه رحلتي من الشك إلى الإيمان ينقل لنا هذه المعاناة الروحية والعقلية فيقول : ” كان ذلك من زمن بعيد لست أذكره ربما كنت أدرج في الثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة وربما قبل ذلك في مطالع المراهقة حينما بدأت أتساءل في تمرد : تقولون إنَّ الله خَلق الدنيا لأنه لا بد لكل مخلوق مِن خالق ولا بد لكل صنعة مِن صانع ولا بد لكل موجود مِن موجِد ، صدقنا وآمَنَّا فلتقولوا لي إذن : مَن خلق الله ؟ أم أنه جاء بذاته ؟

فإذا كان قد جاء بذاته وصحَّ في تصوركم أنْ يتم هذا الأمر فلماذا لا يَصِحُّ في تصوركم أيضًا أنَّ الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق وينتهي الإشكال ؟ كنت أقول هذا فتَصفرُّ مِن حولي الوجوه وتنطلق الألسن تمطرني باللعنات وتتسابق إلىَّ اللكمات عن يمين وشمال ويستغفر لي أصحاب القلوب التّقيَّة ويطلبون لي الهُدي ويتبرأ مِني المتزمِّتون ويجتمع حولي المتمردون فنغرق معًا في جدل لا ينتهي إلا ليبدأ ولا يبدأ إلا ليسترسل.

وتغيب عني في تلك الأيام الحقيقة الأولى وراء ذلك الجدل ، إن زهوي بعقلي الذي بدأ يتفتح وإعجابي بموهبة الكلام ومقارعة الحجج التي انفردت بها كان هو الحافز دائما وكان هو المشجع وكان هو الدافع وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب.

لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي وأعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعي وبداية الصحوة من مهد الطفولة ، كانت هذه الحالة النفسية وراء المشهد الجدلي الذي يتكرر كل يوم وغابت عني أيضاً أصول المنطق وأنا أعالج المنطق ولم أدرك أني أتناقض مع نفسي إذ اعترف بالخالق ثم أقول ومن خلق الخالق فأجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسميه فيه خالقاً وهي السفسطة بعينها.

ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضي أن يكون هذا السبب واجب الوجود في ذاته وليس معتمداً ولا محتاجا لغيره لكي يوجد أما أن يكون السبب في حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعل منه سبباً أول ، هذه هي أبعاد القضية الفلسفية التي انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول والمحرك الأول للوجود ، ولم تكن هذه الأبعاد واضحة في ذهني في ذلك الحين ولم أكن قد عرفت بعد من هو أرسطو ولا ما هي القوانين الأولى للمنطق والجدل.

واحتاج الأمر إلى ثلاثين سنة مع الغرق في الكتب وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل والحوار مع النفس وإعادة النظر ثم إعادة النظر في إعادة النظر ثم تقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطريق الشائكة من الله والإنسان إلى لغز الحياة إلى لغز الموت إلى ما أكتب اليوم من كلمات على درب اليقين ، لم يكن الأمر سهلاً لأني لم أشأ أن آخذ الأمر مأخذاً سهلاً ولو أني أصغيت إلى صوت الفطرة وتركت البداهة تقودني لأعفيت نفسي من عناء الجدل ولقادتني الفطرة إلى الله.

ولكني جئت في زمن تعقد فيه كل شيء وضعف صوت الفطرة حتى صار همساً وارتفع صوت العقل حتى صار لجاجة وغروراً واعتداداً ، والعقل معذور في إسرافه إذ يرى نفسه واقفاً على هرم هائل من المنجزات وإذ يرى نفسه مانحاً للحضارة بما فيها من صناعة وكهرباء وصواريخ وطائرات وغواصات وإذ يرى نفسه قد اقتحم البر والبحر والجو والماء وما تحت الماء فتصور نفسه القادر على كل شيء وزج بنفسه في كل شيء وأقام نفسه حكما على ما يعلم وما لا يعلم “.

ويستطرد تطور أفكاره بعد ذلك قائلا : ” وتعلمت مع ما تعلمت في كتب الطب النظرة العلمية وأنه لا يَصحّ إقامة حُكْم بدون حيثيات مِن الواقع وشواهد مِن الحس وأنَّ العلم يبدأ مِن المحسوس والمنظور والملموس وأنَّ العلم ذاته هو عملية جَمْع شواهد واستخراج قوانين وما لا يقع تحت الحس فهو في النظرة العلمية غير موجود وأنَّ الغيب لا حساب له في الحكم العلمي وبهذا العقل العلمي المادي البحت بدأت رحلتي في عالم العقيدة ، وبالرغم مِن هذه الأرضية المادية والانطلاق مِن المحسوسات الذي ينكِر كل ما هو غيب فإني لَم أستطع أنْ أنفي أو أستبعد القوة الإلهية.

كان العلم يمدّني بوسيلة أتصور بها الله بطريقة مادية وفي هذه المرحلة، تصورتُ أنَّ الله هو الطاقة الباطنة في الكون في منظومات جميلة مِن أحياء وجمادات وأراض وسماوات وهو الحركة التي كشفها العلم في الذرة وفي البروتوبلازم وفي الأفلاك وهو الحيوية الخالقة الباطنة في كل شيء أو بعبارة القديس توماس الفعل الخالص الذي ظل يتحول وسيظل يتحول إلى ما لا نهاية.

 والوجود كان في تصوري لا محدودًا لا نهائيًا إذ لا يُمْكن أنْ يَحُد الوجود إلا العدم ، والعدم معدوم ومِن هنا يلزم منطقيًا أنْ يَكون الوجود غير محدود ولا نهائي ولا يصح أنْ نسأل مَن الذي خلق الكون ؟ إذ إنَّ السؤال يستتبع أنْ الكون كان معدومًا في البداية ثُم وُجِد وكيف يَكون لمعدوم كيان ؟

إنَّ العدم معدوم في الزمان والمكان وساقط في حساب الكلام ولا يصح القول بأنه كان وبهذا جَعلتُ مِن الوجود حدثًا قديمًا أبديًا أزليًا ممتدًا في الزمان لا حدود له ولا نهاية وأصبح (الله) في هذه النظرة هو الكل ونحن تجلياته فالله هو الوجود والعدم قبله معدوم حيث إنَّه هو الوجود المادي الممتد أزلًا وأبدًا بلا بَدْء وبلا نهاية “.

وفي الفصل الخاص بالجسد يقول :  ” ونقف الآن وقفة طويلة لنسأل هل صحيح أنَّ النفْس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع والجنس ومجموعة الاستشعارات التي يدرِك بها الجسد ما يحتاجه ؟ لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفْس ولا حقيقة الإنسان ، وأعود إلى صفحات من كتاب لغز الموت ولغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل

إنَّ الإنسان ليُضَحِّي بلقمته وبيته وفراشه الدافىء في سبيل أهداف ومُثُل وغايات شديدة التجريد كالعدل والحق والخير والحرية؛ فأين حوافز الجوع والجنس هنا ؟ والمحارِب المقاتل في الميدان الذي يُضَحِّي بنفسه على مدفعه في سبيل غدٍ لم يأت بعد أين هو مِن التفسير المادي ؟ ، إننا أمام إثبات قاطع بأنَّ النفْس والذات حقيقة متجاوزة وعالية على الجسد وليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية.

تلك الإرادة الهائلة التي تدوس على الجسد وتُضَحِّي به هي حقيقة متجاوِزة عالية بطبيعتها وآمِرة ومهيمِنة على الجسد وليست للجسد تبعًا وذيلًا وإذا كنتُ أنا الجسد فكيف أَتحكم في الجسد وأُخضِعه ؟ وإذا كنت أنا الجوع فكيف أَتحكم في الجوع ؟ ، إنَّ مجرد الهيمِنة الداخلية على جميع عناصر الجسد ومفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي والمفارِق الذي تتألف مِنه الذات الإنسانية.

عن طريق النفْس أتحكم في الجسد وعن طريق العقل أتحكم في النفْس وعن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده ، وهذا التفاضل بَيْن وجود ووجود يعلو عليه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد وحاكمة عليه وليست ذيلًا وتابعًا تموت بموته.

والذي يقول بأنَّ الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير عليه أنْ يفسِّر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم ؟ فجميع الوظائف الفسيولوجية قائمة ومستمرة في أثناء النوم وجميع الأفعال المنعكسة واللاإرادية تحدث بانتظام فالقلب يدق والنفس يتردد والغدد تفرز والأحشاء تتلوى والأعضاء التناسلية تهتاج والذراع ينقبض لشكَّة الدبوس ، ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة مجرد شجرة أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية فأين الإنسان.

إنَّ النوم ثم اليقظة ثُم البعث يكشف لنا – مرة أخرى – عن ذلك العنصر المتعالِي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة – فجأة وبلا مقدمات – هتلر أو نيرون ، فإذا بذلك الممَدد كالثور الهامد يصحو ليَقتل ويغزو ويسحق ويمحق وهذا الفَرق الهائل أكبر مِن أنْ يُفسَّر بتغير مادي يتم في لحظات “.

87 / ملفات السويس

(ملفات السويس) هو عنوان واحد من أهم الكتب التي كتبها نجم الصحافة الأول في مصر الكاتب والصحفي والسياسي ورئيس تحرير جريدة الأهرام الأستاذ محمد حسنين هيكل (1923 ـ 2016 م) ورصد فيه بدقة كبيرة الوقائع والأحداث السياسية والعسكرية في حرب عام 1956 م (العدوان الثلاثي) والذي أعقب قرار تأميم قناة السويس على يد الرئيس جمال عبد الناصر ، ويعد الكتاب بمثابة تسجيل حي لتاريخ مصر الحديث في العصر الجمهوري مدعما بقدر كبير من الوثائق الرسمية والمكاتبات السرية اطلع عليها بحكم موقعه بالقرب من رأس السلطة الحاكمة وقتها.

وهذا الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة ضخمة من المؤلفات التي تستكمل هذا التاريخ حيث ألف بعدها كتاب (سنوات الغليان) والذي تناول فيه الفترة من عام 1956 م وحتى عام 1967 م بما فيها من عواصف سياسية وعسكرية مثل الوحدة مع سوريا والانفصال وحرب اليمن وعلاقات مصر الدولية في تلك الفترة وتأثيرها في حركة المد القومي العربي ودول عدم الانحياز ، ثم أعقبه كتاب (الانفجار 67) والذي تناول فيه هزيمة يونيو عام 1967 م وما صاحبها من ملابسات وأسرار وهو الذي كتب خطاب التنحي الشهير وصك مصطلح (النكسة).

وبعده أصدر كتاب (أكتوبر 73 السلاح والسياسة) وتناول فيه حرب الاستنزاف ثم معركة العبور عام 1973 م ثم كتاب (خريف الغضب) والذي تناول فه عصر السادات وخلافه معه ، وأعقب ذلك كتاب (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل) والذي رصد فيه مراحل الصراع العربي الإسرائيلي من خلال ثلاثة أجزاء (الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية ـ عواصف الحرب وعواصف السلام ـ سلام الأوهام أوسلو – ما قبلها وما بعدها) وهي تفصيل لكتابه (العروش والجيوش) الذي تناول حرب فلسطين عام 1948 م ومواقف الحكام العرب فيها.

وختم هذه السلسلة بكتاب (مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان) وكتاب (مبارك وزمانه ماذا جرى في مصر ولها) وكتاب (مصر إلى أين ما بعد مبارك وزمانه) وتناول فيهم عصر حسني مبارك وتداعيات ثورة يناير ، كما كتب عدة كتب تتناول أحداثا سياسية متعددة مثل كتاب (الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق) وكتاب (مدافع آية الله قصة إيران والثورة) وكتاب (أزمة العرب ومستقبلهم) وكتاب (الزلزال السوفيتي) وكتاب (بين الصحافة والسياسة) وكتاب (حرب الخليج أوهام القوة والنصر) وكتاب (لمصر لا لعبد الناصر).

وقد حرصت على قراءة مؤلفاته أثناء العطلات الصيفية في فترة دراستي الجامعية وهو ما لفت نظر والدي رحمه الله حيث لم يكن يعجبه اهتمامي المبالغ فيه بهذه الكتب ودائما ما كان يصف محمد حسنين هيكل بقوله : (ده اللي ضيع الدنيا) وكان يقصد بذلك مقالاته في الأهرام والتي كان يكتبها تحت عنوان (بصراحة) وأنها كانت صوت النظام خلال عصر عبد الناصر ، وكان رأي والدي أنه واحد من الذين ضللوا الناس وتسببوا في الهزيمة وذلك من واقع الزمن الذي عاش فيه وشهد كل ذلك بعينه بينما كل ذلك بالنسبة لي تاريخ مضى وانقضى.

وكنت أرد على والدي بقولي إن هذه الكتب ألفها هيكل المؤرخ بعد أن ترك السلطة وهو يختلف تماما عن هيكل الصحفي الذي كان يعرفه في الستينات فلم يكن يقتنع بكلامي ، ويبدو أن وجهة نظره كانت صائبة لأنني لم أكن أتوقع ما فعله هيكل بعد أحداث عام 2013 م حيث كان من أكبر داعمي العودة للدولة الشمولية وروج ونظر لها في أحاديثه مع وسائل الإعلام في تطبيق عملي للمثل الشعبي العامي الذي يقول (يموت الزمار وإيده بتلعب) ، لكن رغم ذلك فإن مؤلفاته تظل من أفضل ما كتب في تاريخ مصر الحديث بغض النظر عن المواقف السياسية.

ولد هيكل بقرية باسوس بالقليوبية ونشأ في القاهرة في أسرة تعمل بالتجارة وتلقى فيها تعليمه الأولي والثانوي ثم درس التجارة قبل أن يواصل دراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وبدأ مسيرته الصحفية سنة 1942 م في صحيفة (إيجبشن جازيت) التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية حيث عمل محرراً تحت التدريب ، وبدأت مواهب هيكل في مجال الإعلام تظهر داخل المجلة واشتهر عنه إنجاز تحقيقات صحفية بارزة بينها تحقيق أجراه حول البغاء في مصر وكان وزير الشؤون الاجتماعية وقتئذ عبد الحميد حقي قد أصدر قرارا بإلغاء البغاء الرسمي في البلاد باتفاق مع الإنجليز وذلك بعد إصابة بعض من جنود الحلفاء بأمراض جنسية وبما أن رأي الجنود كان معروفا فإن الجريدة كلفت هيكل بإبراز وجهة نظر البغايا ونجح في ذلك وقد حكى هيكل القصة في العدد رقم 546 من مجلة آخر ساعة ورواها في أحاديثه الإعلامية.

وكانت الحرب العالمية الثانية آنذاك في ذروتها فأتاحت له الصحيفة فرصة الاقتراب من الأحداث الميدانية ثم أرسلته لتغطية معارك العلمين ومنها انتقل إلى مالطا ثم باريس ، وخلال وجوده في باريس التقى فاطمة اليوسف مؤسسة مجلة روز اليوسف فانضم إلى المجلة سنة 1944 م وهناك تعرّف على محمد التابعي قبل أن ينتقل إلى آخر ساعة ثم إلى أخبار اليوم حيث برز اسمه في الصحافة الاستقصائية وتغطية الأحداث الدولية ، وفي آخر ساعة لفت هيكل الأنظار بتحقيقاته الميدانية ومن أشهرها تحقيقه المصوّر عن (خط الصعيد) عام 1947 م ثم تحقيقه عن قرية (القرين) بمحافظة الشرقية أثناء انتشار وباء الكوليرا وهو ما أهّله للحصول على جائزة فاروق التي كانت من أرفع الجوائز الصحفية في مصر آنذاك.

وفي أخبار اليوم تابع تغطية عدد من الأحداث الكبرى في مصر والعالم العربي بينها حرب فلسطين والانقلابات في سوريا وثورة محمد مصدق في إيران واغتيال الملك عبد الله بن الحسين في القدس واغتيال رياض الصلح في عمّان واغتيال حسني الزعيم في دمشق فترسخت مكانته صحفيًّا قبل دخوله الدائرة الأقرب إلى الحكم ، وفي عام 1952 م عيّنه علي أمين رئيساً لتحرير مجلة آخر ساعة وكان في التاسعة والعشرين من عمره وبعد قيام ثورة  م1952 توثقت علاقته بجمال عبد الناصر واقترب من موقع صناعة القرار مع احتفاظه بصفته الصحفية.

وفي منتصف الخمسينات عُرضت عليه رئاسة تحرير الأهرام وتولى المنصب فعليًّا سنة 1957 م وظهر أول مقال له تحت عمود (بصراحة)  1957 م بعنوان (السر الحقيقي في مشكلة عُمان) وظل يكتبها حتى مغادرته الأهرام عام 1974 م وخلال هذه السنوات ارتبط اسم الصحيفة باسمه واتسع دورها الصحفي والسياسي في مصر والعالم العربي ، وأنشأ داخل المؤسسة عدة مراكز متخصصة منها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ومركز الدراسات الصحفية ومركز توثيق تاريخ مصر المعاصر ، وأصبح بحكم موقعه واتصالاته مصدراً مهما للمعلومات والتحليل حول القضايا المصرية والعربية والدولية.

وظل قريباً من جمال عبد الناصر حتى وفاته في سبتمبر 1970 م وقَبِل في العام نفسه تولي وزارة الإرشاد القومي لكنه تركها بعد وفاة عبد الناصر وعاد إلى الأهرام ، وبعد تولي أنور السادات الرئاسة استمر في موقعه بالأهرام وظل قريبا من دوائر الحكم في السنوات الأولى لكنه دخل تدريجيا في خلافات مع السادات حول المسار السياسي بعد حرب أكتوبر والعلاقة بالولايات المتحدة ومفاوضات ما بعد الحرب ، وفي الأول من فبراير عام 1974 م نشر آخر مقالاته في الأهرام بعنوان (الظلال والبريق) وغادر رئاسة التحرير بقرار رئاسي.

بعد خروجه من الأهرام اتجه بصورة أساسية إلى تأليف الكتب والدراسات السياسية مستفيداً من شبكة واسعة من العلاقات والوثائق التي جمعها خلال سنوات عمله الصحفي ، وفي عام 1978 م سحب منه جواز سفره ومنع من مغادرة مصر وحوّل إلى التحقيق أمام المدعي العام الاشتراكي بناء على لائحة قدمها وزير الداخلية آنئذ النبوي إسماعيل بتهمة نشر مقالات تسيء إلى مصر ، وفي سبتمبر عام  1981 م اعتقله أنور السادات ضمن حملة الاعتقالات التي شملت شخصيات سياسية وفكرية وصحفية من اتجاهات مختلفة وأُفرج عنه بعد اغتيال السادات في أكتوبر من السنة نفسها ثم واصل والتأليف وظل حاضراً في الحياة العامة من خلال كتبه وحواراته وأجرى مقابلات مع عدد من كبار السياسيين والزعماء كما واصل تحليل الأحداث العربية والدولية.

وفي عام 1986 م نشر كتابه (الأضواء والظلال) والذي يعد بمثابة مذكرات شخصية لها ويضم أربعة فصول هي : (بداية الطريق ـ البحث عن المتاعب ـ الثورة وبعدها ـ الانتقال إلى الأهرام) وتناول فيها بداياته الصحفية ورحلة اقترابه من السلطة في عهد عبد الناصر ثم رئاسته لتحرير الأهرام ، وفي سبتمبر عان 2003 م عند بلوغه الثمانين أعلن اعتزاله الكتابة الصحفية المنتظمة في سلسلة مقالات حملت عنوان (استئذان في الانصراف) لكنه عاد لاحقاً إلى الظهور الإعلامي وإجراء الحوارات وقدم برنامجا خاصا به في قناة الجزيرة.

وهيكل هو المنظر الأول للفكر الناصري وهو الذي صاغ كتاب فلسفة الثورة وكتاب الميثاق وكان أقرب شخص للرئيس جمال عبد الناصر منذ لقائهما الأول أثناء حرب فلسطين وظل مستشاره الأول طوال حكمه ، وقد لخص الكاتب الراحل أنيس منصور طبيعة العلاقة بين الرجلين في حوار مع الفضائية المصرية أون تي في يوم 21 أغسطس 2011 قال فيه إن (هيكل كان مفكّر عبد الناصر وصاغ الفكر السياسي للزعيم في هذه الفترة ولم يحصل أي شخص على هذا الدور وأكاد أقول إن عبد الناصر من اختراع هيكل).

ومن أقوال هيكل المأثورة ما كتبه في كتابه المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل حيث قال : ” الاهتمام بالسياسة فكراً وعملاً يقتضى قراءة التاريخ أولاً لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول عمرهم ” ، وفي وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي يقول : ” إن الذين آثروا الصمت تعلموا الدرس وفهموا أن الكلام – بغير أوامر – كثير المخاطر  في حين أن الصمت – ولو بغير أوامر أيضا – قد يكون حصن أمان ! “.

وفي كتابه على هامش صراع الحضارات يقول : ” ليس هناك ما يمكن أن نسميه صراع حضارات – أو حوار حضارات – والسبب أن هناك حضارة إنسانية واحدة صبت فيها شعوب وأمم وأقاليم الدنيا على طول التاريخ أفضل ما توصلت له من رقي وتقدم ، وإذا اعتبرت – بقصد مزيد من التحديد – أن ثقافة أي مجتمع هي مجمل ما تحصل عليه – في ظروف موقعه وعلى مسار تاريخه من خبرات ومعارف وفنون – فإننا بنفس المقدار نستطيع القول بأن الحضارة هي أرفع وأنفع ما وضعته ثقافات الشعوب والأمم والأقاليم في المجتمع العالمي للثقافات المتنوعة والذي هو محيط الحضارة الإنسانية “.

وفي كتابه كلام في السياسة يقول : ” لكن الحتميات التاريخية ليست صوابا في معظم الأحيان لأن ثقتها الزائدة في مقولاتها المُعَلَّبة تعزلها عن حركة التغيير ثم تترسخ هذه العزلة حين تتولى المسئولية عنها بيروقراطيات دولة تزعم أن الزمن معها وأن الحقيقة ملكها – باستنادها كما تحسب إلى عقيدة في التطور تزعم لنفسها قوة القانون الطبيعي ! “.

وفي كتابه مدافع آية الله يقول : ” وهذه هي المعضلة التي واجهتها الثورة من البداية – الصراع بين العقيدة والطبيعة البشرية وبين الدين والتاريخ وبين المطلق والنسبي ” ، وفي نفس الكتاب يقول : ” من أكثر الحقائق أهمية لتفهم الأحداث الأخيرة أن إيران تعد أول إقليم في الشرق لم يدخله الإسلام والعروبة معاً في القرن السابع الميلادي ، وإذا كان الأقباط في مصر والموارنة في لبنان قد قبلوا العروبة بغير الإسلام فإن مثل هذه المجموعات ظلت أقليات أما في إيران فتوجد أمة بأسرها فعلت عكس ذلك قبلت الإسلام وليس العروبة “.

وفي كتابه أزمة العرب ومستقبلهم يقول : ” إن مجمل هذه الأوضاع أدى إلى تشوهات جعلت العالم العربي مزيجاً غريباً من جمهوريات الموز (في أمريكا الوسطى) وسلطنات النفط (في شبه الجزيرة العربية) وإمبراطوريات بوكاسا وموبوتو وعيدي أمين (في قلب أفريقيا) ! ، وربما كانت أدق لقطة لهذه الصورة المقبضة هي ذلك التعبير الذي صاح به شاعر مبدع – محمود درويش – حين قال : إنه (انتحار المعنى) في العالم العربي ! والتعبير إلى جانب إلهام الشعر نبض ضمير “.

وفي كتابه أكتوبر 73 السلاح والسياسة يقول : ” إن الفارق بين الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي والفكر الإستراتيجي العربي هو أن الإسرائيليين يلعبون الشطرنج في حين أن العرب يلعبون الطاولة ” ، وفي كتابه العروش والجيوش يقول : ” إذا كان غروب القرن العشرين قد حل والطوق العربي من حول إسرائيل مكسور والآثار والتداعيات المترتبة على ذلك فوضى في كل بقعة وركن – فإن التاريخ لم يصل إلى نهايته بنهاية قرن مع أن هناك شرطين لازمين كي لا يتوقف الزمن العربي : الشرط الأول استعادة الوعي بوسائط المعرفة – والشرط الثاني استعادة الإرادة بوسائل العقل “.

وفي كتابه مبارك وزمانه ماذا جرى في مصر ولها يقول : ” ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها ، والغريب أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن ولا بالثورة وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر (الثورية) أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة “.

وفي كتابه كلام في السياسة يقول : ” إن الفضائيات العربية أنهت قدرة أي حدث يقع في العالم العربي – مهما كانت درجة خطورته – على تعبئة رأى عام متماسك وقوي لأن هذه الفضائيات حولت الوعي العربي إلى ثقوب يتسرب منها بالليل ما يجيء به النهار ، وهذه الفضائيات سببت حالة استغناء بمشاهدة الصور عن المشاركة بالفكر أو الفعل والنتيجة أن (العربي) مدعو كل ليلة لكي يتفرج على (مسلسلات الأحوال العربية) وعليه أن يجلس أمام الشاشة لأنه لا يستطيع القفز داخلها للمشاركة في هذه الأحوال “.

88 / حول العالم في 200 يوم

في عام 1995 م صدر كتاب طريف بعنوان (الذين هبطوا من السماء) يتحدث عن ظواهر غريبة مرتبطة بالكائنات الفضائية ورصد مشاهدات وأحداث حقيقية منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث حول كائنات أخرى كانت تسكن هذه الأرض قبل الإنسان ولا زالت تزوره تاركة علامات وآثار ، وفي نفس العام أعقبه كتاب (الذين عادوا إلى السماء) وناقش ما جاء في الحضارات القديمة عن العوالم الأخرى والكائنات الفضائية ومجيئها إلى الأرض وتناول فيه ما جاء في كتاب الموتى الفرعوني وسفر حزقيال وسفر أخنوخ وملحمة جلجامش وغيرها.

والمؤلف هو الأديب والصحفي الكبير الأستاذ أنيس منصور (1924 ـ 2011 م) وهو صاحب المؤلفات الغزيرة في مجالات متعددة حيث صنع عالما متكاملا جذب به قطاعات كبيرة من الشباب القارىء لطرافة موضوعاته وبساطة أسلوبه ، ومن مؤلفاته الأخرى المشهورة (لعنة الفراعنة) وطرح فيه تساؤلات حول القوى الروحية والعلمية وعلاقتها بالمقابر الفرعونية وكتاب (أرواح وأشباح) ويتناول قصص الأشباح التي شاعت حول العالم والظواهر الغريبة مثل مثلث برمودا واختفاء الأشخاص والطائرات والسفن وغيرها من الظواهر المحيرة.

وأشهر مؤلفاته كتاب (حول العالم في 200 يوم) والذي صدر عام 1963 م وكتب فيه عن رحلة صحفية قام بها في عدة دول وعرض فيه معلومات عن الدول المختلفة وخصوصاً دول جنوب شرق آسيا مثل الهند وسيلان وسنغافورة وأستراليا واليابان والفلبين وهونغ كونغ ثم زار أيضا الولايات المتحدة الأمريكية وجزيرة هاواي ، وتحدث أيضا خلال رحلته إلى اليابان عن اللؤلؤ المستزرع الذي اكتشفه ميكوموتو الذي قام بأول عملية استزراع للؤلؤ وكتب عما أعجبه في هذه البلاد من تقاليد وعادات مختلفة وتشابهها مع عادات الدول الأخرى.

وتحدث في الكتاب عن اعتزازه بكونه أول صحفي في العالم كله أجري مقابله حصرية مع الدالاي لاما رئيس دولة التبت والزعيم الديني البوذي والحائز علي جائزة نوبل في السلام والذي غادر بلاده بعد احتلال الصين الشيوعية لها وأقام حكومته في المنفى ، وقد أجرى معه مقابلة حصرية وتم أخذ صورة لأنيس منصور مع الدالاي لاما (تظهر الصورة في الصفحة 106 من الكتاب) وكانت هذه أول صورة يراها العالم للدالاي لاما وقد تم نشرها بدار أخبار اليوم بمصر ، وقد تابعت الوكالات العالمية والصحف رحلته حول العالم ونشرت عنها.

ويعد المؤلف من رواد أدب الرحلات وله في ذلك عدة مؤلفات أخرى منها : أعجب الرحلات في التاريخ ويروي فيه أكثر من خمسين رحلة حول العالم للعديد من المستكشفين والغزاة والرحالة والمهاجرين والمسافرين وكتاب اليمن ذلك المجهول وكتاب أنت في اليابان وكتاب بلاد الله لخلق الله وكتابغ ريب في بلاد غريبة ، أطيب تحياتي من موسكو ، ومن أعماله الأدبية مسرحية حلمك يا شيخ علام وقصص من الذي لا يحب فاطمة وهي وغيرها وعندي كلام وغاضبون وغاضبات.

ومن كتاباته في السير الذاتية كتاب (في صالون العقاد كانت لنا أيام) وحكى فيه عن علاقته بأستاذه عباس محمود العقاد وروى فيه : (سأل أحد الحاضرين العقاد : لماذا تكتب كلمة ربما وأنت واثق من رأيك بينما طه حسين لا يستخدمها مع أن مذهبه التشكيك ، فأجاب : هذه يا سيدي عقدة الوضوح الشديد أنا نشأت في أسوان بلدة النور والصفاء أرى الأشياء على حقيقتها أما طه حسين فلأنه ليس على يقين من شيء يسرف في اليقين بلا سبب معقول أنا إن شككتُ في أمرٍ فلكثرة ما لديّ من يقين وهو إن أسرف في اليقين فلكثرة ما لديه من أمورٍ مشكوكٍ فيها).

ويحكي أنيس منصور في هذا الكتاب كيف تحوّل الصالون مع الزمن إلى مدرسة فكرية غير رسمية فيها يتدرب الشباب على السؤال والاعتراض ويتعلمون كيف تُبنى الحجة وكيف يُرد على الرأي بالرأي لا بالانفعال حيث يجلس العقاد في صدر المكان شامخًا كأنما يوزع من وقاره هيبةً على الحاضرين وأنيس منصور يرى فيه الأب الروحي والملهم لا يمل من الإصغاء إليه ولا من مراقبة ملامحه حين يفكر أو يغضب أو يصمت.

وبلغ تعلق رواد الصالون بالعقاد حدّ أنهم عرفوا تفاصيله الدقيقة من مواعيد نومه ونوع قهوته والكتب التي يطالعها وحتى طريقته في استقبال الضوء الصباحي من نافذته ، لم يكن ذلك فضولًا بل حبًا خالصًا لشخصٍ مثّل لهم الاستقلال والعقل والكرامة فكانوا يشعرون أن في وجوده طمأنينة فكرية وأن كل من يدخل مجلسه يخرج مختلفًا أكثر وعيًا وأقرب إلى ذاته.

وكان صالون العقّاد لدى منصور منبعًا لمصطلحات معرفية جديدة وبيئةً تتجلّى فيها الاختلافات في الرأي بثوبٍ من القبول والاحترام والعفوية فيتعلم الحضور كيف يُدار الحوار وكيف يُحتضن الخلاف دون أن يتحوّل إلى خصام ، ومن بين تلك الجلسات وُلدت مفاهيم مثل (عقدة الوضوح) التي عبّرت عن فلسفة العقاد في التعامل مع اليقين والشك وأظهرت كيف يمكن للفكر أن يكون عميقًا دون أن يفقد بساطته وجريئًا دون أن يتخلى عن أدبه.

ولد المؤلف في قرية نوب طريف بالدقهلية الواقعة في شرق دلتا النيل في مصر وحفظ القرآن كله وهو في سن التاسعة في كتاب القرية وله في ذلك حكايات عديدة حكى عن بعضها في كتابه عاشوا في حياتي كما كان يحفظ آلاف الأبيات من الشعر العربي والأجنبي ، وكان الأول في دراسته الثانوية على كل طلبة مصر حينها ثم التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة برغبته الشخصية بقسم الفلسفة الذي تفوّق فيه وحصل على شهادة الإجازة الجامعية في الآداب عام 1947 م وعمل أستاذاً في القسم ذاته في جامعة عين شمس لفترة.

تفرّغ للكتابة والعمل الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم حين انتقل إليها مع كامل الشناوي وتتلمذ على يد مؤسسيها الأستاذين مصطفى وعلي أمين ثم تركها وتوجّه إلى مؤسسة الأهرام في مايو عام 1950 م ، وتولى رئاسة التحرير لعدد من الصحف والمجلات وحافظ على كتابة مقال يومي تميز ببساطة أسلوبه واستطاع من خلاله أن يصل بأعمق الأفكار وأكثرها تعقيدًا إلى البسطاء وظلَّ يعمل في أخبار اليوم حتى تركها في عام 1976 م ليكون رئيساً لمجلس إدارة دار المعارف ثم أصدر مجلة الكواكب وتعلم عدة لغات مكنته من الاطلاع على ثقافات عديدة.

كلّفه الرئيس السادات بتأسيس مجلة أكتوبر في 31 أكتوبر 1976 م وهي مجلة عربية سياسية اجتماعية شاملة ليكون رئيساً لتحريرها ورئيساً لمجلس إدارة دار المعارف حتى سنة 1984 م وكان أنيس منصور الصحفي الأول للسادات بعد 1975 م وصديقاً مقرباً منه وكاتماً لأسراره  ورافقه في زيارته إلى القدس عام 1977 م ، وكتب في تلك الفترة عدة مؤلفات سياسية مثل كتاب عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا وكتاب وجع في قلب إسرائيل وكتاب الرئيس قال لي وقلت أيضا وكتاب في السياسة (من جزئين وجمع فيه مقالاته في مجلة أكتوبر) كما كان له عمود يومي في الصفحة الأخيرة بجريدة الأهرام بعنوان (مواقف).

ويحكي عن أحد مواقفه مع السادات فقال : ” عندما طلبت من الرئيس السادات أن يطلعني على الملفات المكتوبة عني في أجهزة الأمن رأيت بعضها فوجدت ملاحظتين الأولى أن عدداً كبيراً من النكت منسوباً إلي كأني لا أفعل شيئاً في هذه الدنيا إلا النكت ومن المؤكد أن بعضها من تأليفي ولكن ليست كل هذه النكت ، الملاحظة الثانية عن قصصي الغرامية الكثيرة كأني متفرغ للغراميات مثل واحد يجلس في الشارع على حارة زنقة الستات لا شيء يشغله إلا الحب وقد أفادني هذا التقرير الأمني في زواجي “.

وكانت كتاباته عن الوجودية من أفضل ما كتب عنها باللغة العربية وكان أكبر قارئ في العالم العربي كما وصفه الأديب طه حسين وساعده على ذلك إجادته لعدة لغات أجنبية حيث لم يكن أنيس منصور يترجم ما يقرأ من مصادر أجنبية بل كان يهضم ما يقرأ تماماً ثم يبدأ في كتابة مقال عن الموضوع بعقل المفكر الفيلسوف فيضيف إليه معلومات ورؤية جديدة ، وكانت دراسته للفلسفة ذات تأثير كبير عليه فكان يرى نفسه أديبا وفيلسوفا وكتب عن ذلك قائلا : ” كانت بدايتي في العمل الصحفي في أخبار اليوم وهذا بالضبط ما لا أحب ولا أريد أنا أريد أن أكتب أدباً وفلسفة فأنا لا أحب العمل الصحفي البحت أنا أديب كنت وسأظل أعمل في الصحافة “.

حصل أنيس منصور على كثير من الجوائز الأدبية أبرزها جائزة الدولة التشجيعية في مصر عن كتابه 200 يوم حول العالم  عام 1963 م وجائزة الدولة التقديرية في 1981 م وجائزة مبارك في 2001 م والدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة وجائزة الفارس الذهبي من التلفزيون المصري وجائزة الإبداع الإعلامي العربي من الملتقى الإعلامي العربي الخامس بالكويت وجائزة كاتب الأدب العلمي الأول من أكاديمية البحث العلمي وشيّدت له محافظة الدقهلية تمثالا في مدينة المنصورة.

ومن عباراته الشهيرة في كتابه حول العالم في 200 يوم قوله : ” جملة لطالما رددها ملك اللؤلؤ ميكو موتو : لاتفرح بالنصر الكبير النصر الصغير أحسن فالنصر الكبير يشبه قطرات الندى الكبيرة إنها تلمع فوق أوراق الشجر ولكنها لا تبقى كثيراً لأنها كبيرة وثقيلة ولذلك تسقط على الأرض أما الانتصارات الصغيرة فهي تشبه قطرات الندى الصغيرة فهي تلمع وتبقى طويلاً لأنها خفيفة “.

ومنها قوله : ” والمسافر كما يقول المثل الإنجليزي : يجب أن يكون له عينا صقر ليرى كل شيء وأن تكون له أذنا حمار ليسمع كل شيء وأن يكون له فم خنزير ليأكل أي شيء وأن يكون له ظهر جمل ليتحمل أي شيء وأن تكون له ساقا معزة لا تتعبان من المشي .. وأن يكون له -وهذا هو الأهم – حقيبتان : إحداهما امتلأت بالمال والثانية امتلأت بالصبر “.

ومنها قوله : ” ليس صحيحا المثل الذي يقول : فاقد الشيء لا يعطيه ! فأنا فقدت الطمأنينة ومع ذلك اعطيتها له .. ! بل الذين يفقدون الأمل هم الذين يتحدثون عنه والذين يفقدون الحب هم أكثر الناس تغنيا به .. إن الشمس التي هي مصدر الحياه للدنيا كلها ليست فيها حياة “.

ومنها قوله : ” في الهند تعلمت أن الدنيا من الممكن أن تعيش من غيري .. وأن الناس يعيشون حياتهم ويمشون على نظام خاص وأن هذا النظام سواء أعجبني أو لم يعجبني فلن يغير هذا شيئاً فإما أن أسكت أو أخرج من البلاد ، وفي إندونسيا يضحك الناس دائماً ولا يعملون إلا القليل ، وفي الصين يضحك الناس كثيراً ويعملون كثيراً ، وفي اليابان مؤدبون ضاحكون وقدرتهم على العمل خارقة يعني من الممكن أن يكون الإنسان مؤدباً وباسماً وناجحاً في عمله “.

ومنها قوله : ” إن الزوجة المثالية في نظري هي الصينية ذات الأدب الياباني والتي من أصل أمريكي وتعيش ثلاثة أشهر في هونج كونج وثلاثة أشهر في أستراليا وثلاثة أشهر في جزر هاواي وشهراً في أمريكا وشهراً في إيطاليا وأسبوعاً في إسبانيا وأسبوعاً في فرنسا وأسبوعاً في القاهرة وأسبوعاً لا أعرف أين .. فلن أكون معها .. سآخذ منها أجازة أشم فيها نفسي ! “.

ومنها قوله : ” مقابلة مخترعين : عندما ذهب ميكو موتو إلى أمريكا للدعاية للؤلؤ الزراعي قابل المخترع الأمريكي أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي وأضاء ظلام الدنيا ، قال له المخترع الأمريكي : إنك حققت معجزه علمية ، رد عليه ميكو موتو : أنت أضأت العالم وأنا أضأت أعناق النساء وإذا كنتَ في دنيا الاختراع قمراً كاملاً فانا أحد النجوم التي ليس لها عدد ، عندما سمع أديسون هذه العبارة بكى وقال له ميكو موتو وهو ينظر إلى دموع المخترع الكبير: لقد رأيت أعظم لؤلؤتين على خد إنسان ، وليس هناك أنجح من النجاح نفسه .. فالنجاح هو أعظم لذة وأعظم غاية وأعظم قوة “.

وقوله : ” أحسن ما في الهنود هو طريقة التحية عندهم فأنت لست بحاجة إلى أن تصافح كل الموجودين عند دخولك وخروجك ووداعك .. إنما يكفي أن تضم كفيك وترفعهما إلى أعلى وفي هذا تحية لواحد ولمليون واحد ” ، ومنها قوله : ” فليس المهم أن تنطلق بسرعة في البداية ولكن المهم أن تحسب حساب طريق العودة ..‫ المهم أن تعود خفيفًا سليمًا وقبل غروب الشمس ” ، ومنها قوله : ” نحن فى زمن العولمه فقد جبنا العالم كله بهذا الكتاب “.

ومنها قوله : ” ومنذ ذلك اليوم وعمر الإنسان 80 عامًا‫ والثلاثون عامًا الأولى منها هي حياته هو وهو في هذه السن يكون قانعًا راضيًا‫ وبعد ذلك تجيء الـ 12 سنة التي أخذها من عمر الحمار وفيها يعمل الإنسان ويكد ليلًا ونهارًا من أجل أسرته‫ وبعد ذلك يجيء الـ 18 سنة التي أخذت من عمر الكلب وفيها يتحول الإنسان إلى رجل يرقص ويلعب مع أحفاده ويخطف الطعام منهم ويقفز من مكان إلى مكان فلا يربطه بالناس إلا شيء قليل ‫ وبعد ذلك تجيء السنوات التي أخذها من القرد ويكون عجوزًا يندم على أيام النط من شجرة إلى شجرة “.

ومنها قوله : ” أي إشعاع أروع وأجمل من أن تكون حرًّا وأن تكون قادرًا على السعادة إسعاد نفسك وغيرك وبلا خوف أروع ما في الدنيا أن تكون بلا خوف ! .. أي بلد جديد هو الجنة بالنسبة للبلد الذي قبله فليس أروع ولا أمتع من رؤية بلد جديد من معرفة شيء جديد من الخوف من جديد والقلق من جديد والاطمئنان من جديد ! .. لا يوجد شيء كبير أكثر من اللازم ولا يوجد شيء صغير أكثر من اللازم فالكبير في حاجة إلى الصغير والصغير ينفع الكبير .. فليس في الدنيا أروع من السفر وذكريات السفر وليس أروع من أن يستمتع بقراءتها بعد ذلك كل الذين لم يسافروا وكل الذين يحلمون ببلاد بعيدة جديدة ! “.

89 / الولد الشقي

(الولد الشقي) هو عنوان كتاب من تأليف الكاتب الصحفي ورائد الكتابة الساخرة الأستاذ محمود السعدني (1927 ـ 2010 م) والذي عرف هو نفسه بهذا اللقب من خلال كتاباته المتنوعة مثل كتاب مذكرات الولد الشقي وكتاب الولد الشقي في السجن وكتاب ملاعيب الولد الشقي وكتاب الولد الشقي في المنفى ، وقد عرف بهذا اللقب بسبب كثرة مشاغباته الصحفية والسياسية حيث كان مشتبكا مع الحياة السياسية وعرف بخفة ظله وطرافة أسلوبه وشارَك في تحريرِ العديد من الصُّحف والمجلات وتأسيسِها سواء داخل مصر أو خارجها.

وُلد محمود عثمان إبراهيم السعدني في محافظة المنوفية وامتهن الصحافةَ فور تخرُّجه في الجامعة وعمل في العديد من الجرائد والمجلات الصغيرة ومنها مجلة الكشكول التي كان يُصدِرها مأمون الشناوي كما عمل بالقطعة في جريدتَي المصري ودار الهلال ، ثم بدأ عمله الصحفي في جريدة الجمهورية عقِبَ اندلاعِ ثورة يوليو ١٩٥٢م التي كان من مؤيِّديها وكانت هذه الجريدة حينذاك لسانَ حالِ الثورة واستمرَّ عمله بها لسنواتٍ قبل أن يُستغنى عنه مع العديد من زملائه فانتقل بعد ذلك ليتولَّى إدارةَ مجلة روز اليوسف كما تولَّى رئاسةَ تحريرِ مجلة صباح الخير.

اشتُهِر بكتاباته الصحفية الساخرة ونقده اللاذع وقد تعرَّض للسَّجْن بسبب كتاباته الساخرة عن الرئيس أنور السادات حيث نُسِبت إليه تهمةُ الاشتراك في محاوَلات الانقلاب على حكم الرئيس فيما عُرِف آنذاك ﺑثورة التصحيح عام ١٩٧١ م وظلَّ بالسجن عامَين حتى أُفرِج عنه بعفوٍ رئاسي ولكنه مُنِع تمامًا من مزاوَلة مهنة الصحافة داخل مصر ، فاضطرَّ إلى الخروج من البلاد وسافَر إلى أكثر من دولة ومنها لندن حيث أصدَر بها مجلة (٢٣ يوليو) الساخرة التي حقَّقت نجاحًا كبيرًا في الوطن العربي لكنه قرَّر العودة مرةً أخرى إلى مصر بعد موت الرئيس أنور السادات عام ١٩٨٢ م وعاد إلى عمله الصحفي مرةً أخرى.

قدَّم للمكتبة المصرية والعربية العديدَ من الأعمال الأدبية المتميِّزة والمتنوِّعة ومن أهمها : مسافر على الرصيف ، الموكوس في بلاد الفلوس ، وداعًا للطواجن ، رحلات ابن عطوطة ، أمريكا يا ويكا ، حمار من الشرق ، قهوة كتكوت ، المضحكون (يتناول أشهر فناني الكوميديا) ، تمام يا أفندم ، عزبة بنايوتي (مسرحية) ، السعلوكي في بلاد الإفريكي ، ألحان السماء ( السير الذاتية لقراء القرآن الكريم في مصر وحكايات عنهم) ، مصر من تاني (مجموعة مقالات) ، بالطول والعرض رحلة إلى بلاد الخواجات ، عودة الحمار.

وفي مقدمة كتابه الولد الشقي يقول : ” في هذا الكتاب ستقرأ أسماء وهمية وأحداثًا وقعت بالفعل وهي أحداث لم يكن لي أي فضل في تأليفها ولكنني ذكرتها كما حدثت وصوَّرتُها كما وقعَت بلا رتوش ، وهذا الكتاب ليس قصة الصحافة ولكنه قصة اشتغالي بالصحافة ! وإذا كنت قد خضت خلال رحلتي في الصحافة خرائب ومتاهات وصناديق قمامة فالذنب ليس ذنب الصحافة ولكنها الظروف والمرحلة التاريخية التي عاصرتها ثم حظِّي التعيس في النهاية.

وللإنصاف والتاريخ أقول إنه رغم اللوحة المُظلِمة التي رسمتُها في هذا الكتاب فقد كانت هناك نقط بيضاء ومضيئة وباهرة ، إلى جانب الأخ علوي السمين كخنزير برِّي الغبي كفحل جاموس منوفي كان صحفيون بالمئات يدخلون السجون دفاعًا عن رأي والتزامًا بمبدأ ، وإلى جانب مجلة السحاب الرخيصة كانت صحف بالعشرات تُغلَق وتُصادَر وكُتَّاب يطاردهم البوليس كما يُطارد السَّبْع الجائع غزالًا شاردًا في غابة ، ورغم كل شيء فقد كان جيش الأمة المُسلَّح بأقلام وأوراق هو الذي ثار ضد النظام الملَكي قبل أن يتحرَّك جيش الأمة المُسلَّح بمدافع وبنادق ليهدم النظام من أساسه ويخلع الملك من فوق عرشه.

ورغم كلِّ شيءٍ ستظل الصحافة المصرية تفخر بعشراتٍ من نجومها اللامعين هؤلاء الذين تحوَّلَت الأقلام في أيديهم إلى مدافع وتحوَّلَت الجرائد على أيديهم إلى ساحات قتال من عبد الله النديم إلى مصطفى كامل إلى الشيخ علي المؤيد إلى لطفي السيد إلى طه حسين وعباس العقاد إلى الدكتور محمد مندور إلى كوكبة الصحفيين الشبَّان الذين يمثِّلون مكان الصدارة في صحافة جيلنا الحاضر.

وعلى أية حال، فهذا الكتاب ليس تاريخًا وليس تسجيلًا ولكنه مجرَّد خواطر وانطباعات وذكريات حزينة ومريرة عن فترةٍ من أعنف فترات مصر وأكثرها قلقًا واضطرابًا وازدهارًا وطموحًا ورغبة في تجميل الحياة ، وإذا كانت سطور الكتاب مريرة فلأنها الحقيقة وليس أوجَع من الحقيقة وليس أشد إيلامًا منها على النفس ! “.

وفي مقدمة كتابه مذكرات الولد الشقي يقول : ” الأخطاء تصبح معالم على الطريق إذا استطاع المرء أن يستفيد منها ويحولها إلى تجارب ! ولكنها تصبح مجرد أخطاء فقط إذا مرت بالمرء ثم مرت عليه ، وقد تتحول في النهاية إلى خطايا فيذهب من أجلها إلى اللومان وقد يتشعلق بسببها في حبل المشنقة والذي يساعده الحظ فينجو رغم أخطائه من اللومان» ومن المشنقة يصبح مجرد حيوان ليس له غد ولم يكن له أمس !

وعلى هذه الصفحات ستقرأ ما يسميه البعض (قصة حياتي) ولكني أسميها (أخطاء حياتي) ولقد كانت حياتي سلسلة من الأخطاء المتصلة استفدت من بعضها وأرجو أن يستفيد القراء من البعض الآخر ! ، وعلى هذه الصفحات ستقرأ قصص ملوك وقصص (صيَّاع) وقصص أبطال في ثياب رعاع وقصص رعاع لهم حركات الأبطال !

وبقدر ما كانت هذه الأيام عاصفة بقدر ما كانت لذيذة وبقدر ما كانت بائسة بقدر ما كانت عريضة ، ورغم الظلام الذي اكتنف حياتي ورغم البؤس الذي كان دليلي وخليلي إلا أنني لست آسفًا على شيء فلقد كانت تلك الأيام حياتي ! ومن عصير تلك الأيام ومن رحيق تلك الليالي خرج إلى الوجود ذلك الشيء الذي هو أنا ! ، وسواء قرأت هذه الصفحات ولعنت حياتي أو قرأتها ورثيت لها فأنا على أية حال عشتها ولعنتها .. ولكني أحببتها كثيرًا !

وفي رواية الأروين شو تقول زوجة أحد الأبطال لزوجها : (إنك ترفض الدفن الآن وكنت من قبل تلعن حياتك لم تكن هذه حياة ولكنها كانت محنة فلم تكن تشرب إلا أردأ أنواع الكونياك ولم تكن تدخن إلا أحقر أنواع السجاير ولقد كنت على الدوام عاطلًا من كل موهبة وكنت في أغلب الأحيان عاطلًا عن العمل وعندما توفاك الله ظننت أنك ستُسَرُّ كثيرًا ولكنك الآن ترفض الدفن وتريد أن تعود إلى الحياة ! ولكن دعني أقول لك بصراحة : ما أغباك فما كان أتعس حياتك !) ، ورد عليها الميت الذي يرفض الدفن : (كل هذا صحيح ولكنها كانت حياتي وأنا أحبها) هكذا أنا أيضًا أقول .. على أي وجه كانت الحياة في أيام الطفولة فأنا أحبها فقد كانت حياتي ! “.

وفي كتابه الولد الشقي في الشجن يحكي عن ذكرياته في المعتقل فيقول : ” القتل صفة حيوانية نقلها الإنسان عن الحيوان والحروب نوع من القتل الجماعي وهو وقف على الإنسان ولكن براءة الاختراع تبقى من حق الوحش كل ما أضافه الإنسان أنه نظَّم عملية القتل جعل منها قانونًا ونظامًا ووزع الرُّتَب والنياشين وجعل من القاتل بطلًا ومن المقتول شهيدًا ولكن يبقى الوحش بعد ذلك أكثر إنسانية من الإنسان إذا قُورِن فِعْل الوحش بفعل الإنسان الذي اخترع أحقر وأبشع أداة للتعذيب وهي السجن !

هل رأيتم قبل الآن أسدًا يحبس أسدًا ويقيم هو خارج العرين يأكل ويشرب ويتمطَّى ويتجوَّل في الغابة ؟ هل رأيتم أسدًا يحبس فيلًا أو نمرًا أو حتى غزالًا ؟ ، الأسد يُصفِّي حساباته بسرعة يُمزِّق فريسته إربًا ويرميها بعد دقائق ولكن الإنسان اخترع زنزانة وحَوْل السور حراس وهي عملية قَتل للمسجون على مراحل إنها الموت نفسه ولكن بالتقسيط المريح !

ولكن أحقر ما في السجن هو السجن الانفرادي غير أن الذين جرَّبوا السجون مع الآخَرِين يكتشفون بعد فترة أن للسجن الانفرادي ميزة ولأنه ميزة فهو وقف على المسجونين في قضايا رأي أو قضايا قَتْل أو قضايا أخرى شرط أن يكونوا من الأثرياء المُمتلئِين !

ولقد سُجِنْت عدة مرات ولكن لم تُتِح لي الظروف أن أرى السجن الحقيقي .. إلا في المرة الأخيرة ففي المرات السابقة كنتُ واحدًا من ألوف رجال الصحافة والإعلام والمشتغلين بالرأي وأمور السياسة ولم أتعرف رغم محاولاتي الكثيرة على مسجون واحد من هذا الصنف الذي اعتاد الإجرام وأصبح التردد على السجون بعض مشاكله وبعض هواياته !  ، ولكن في سجني الأخير قُدِّر لي أن أتعرَّف على عالَم كنت أذهب إلى قبري حزينًا لو متُّ دون أن أراه عالَم النَّشَّالين والقَّوادين واللصوص حُثالة القاهرة يضمها سجن واحد !

ففي يوم ١٦ ديسمبر ۱۹۷۱ م حملتني سيارة مع بعض المحكوم عليهم إلى سجن القناطر وهو سجن أكثر قسوة من سجن الباستيل لأنه خَدَّاع مظهره من الخارج يُوحِي بأنه مكان شاعري يصلح لتجوُّل العشاق والمحبين فأشجار السرو العالية تُخفِيه عن العيون وأشجار الجميز العتيقة تحفُّ به من كل جانب والرَّياح المنوفي يتهادى تحت أقدامه مُعشوشِبًا مُخضوضرًا مُنحدرًا نحو الشمال.

ولكن الذي يَلِج البوابة الخارجية سيجد نفسه فجأة في مكان أشبه بمعسكرات الاعتقال أسوار غليظة تعزل السجن عن العالم وأبراج حراسة مزوَّدة بالكشافات والحرَّاس مزودون بالمدافع الرشَّاشة ، وفي فناء السجن يتجوَّل الحراس وقد نَزَع النظام الصارم المفروض على السجن قلوبهم من صدورهم وتسلَّحوا بالعِصيِّ الغليظة والسياط “.

وفي كتابه ملاعيب الولد الشقي يحكي عن نشاطه السياسي منذ زمن مبكر فيقول : ” أيام الصبا المبكر وفي عام ١٩٤٦ م على وجه التحديد كان مجال العمل السياسي مفتوحًا للشباب الصاعد الأحزاب على قفا من يشيل والجرائد على ودنه والجمعيات أكثر من الشماسي على شاطئ إسكندرية ، وبعد هذا وقبل هذا أيضًا كانت المظاهرات كمركبات الترام مظاهرة وراء مظاهرة وكانت متعددة الألوان أحمر شفتشي يرفع المطرقة والمنجل وبعضها أخضر مسخسخ يدعو للانفتاح والانبطاح وبعضها يرفع راية بني العباس وبعضها يرفع بيرق الإمام الحسن الشاذلي وبعضها سكلانس يهتف : مصر والسودان لنا وإنجلترا إن أمكنا.

والحق أقول إنني وشلتي كنا نُفضل الاندماج في المظاهرات التي ترفع شعار (إن أمكنا) على أساس أنها مظاهرة قومية لا تفرض القيود على المنضمين إليها كما تفعل المظاهرات الحمراء أو الخضراء أو السوداء ، ولكن حكومة صدقي باشا التي كانت تحكم مصر تلك الأيام كانت حكومة عملية للغاية ولذلك كان إيمانها ضعيفًا بمسألة إنجلترا إن أمكنا وبِناءً على موقفها المتخاذل هجمت علينا عساكر الشرطة ذات مظاهرة وفقعتنا علقة لا تزال آثارها موجودة على ظهر العبد لله وعلى ظهور باقي الشلة.

وكانت هذه العلقة سببًا في البحث عن وسيلة أخرى لنواصل العمل السياسي بعيدًا عن الضرب بالشوم وجريد النخل وأيادي المقشات وكلها أسلحة مشروعة في العمل السياسي أيام زمان ، فكرنا في الانضمام إلى حزب سياسي وكان الوفد هو أقرب الأحزاب إلى فكرنا وكان النحاس باشا هو أقرب الزعماء إلى قلوبنا ولكننا صرفنا النظر عن الانضمام لحزب الوفد بعد أن ذهبنا إلى لجنة الوفد بالجيزة فلم نجد أحدًا في استقبالنا ولم نجد أحدًا نتحدث إليه والسبب أن الوفد لم يكن حزبًا في الواقع ولكنه كان شعب مصر كله يجمعه النحاس باشا بإشارة ويصرفه النحاس باشا بإشارة.

ولذلك لم يكن الوفد في حاجة إلى لجان أو وكلاء أو مندوبين يتحدثون باسمه وألقينا نظرة على الساحة السياسية في مصر واخترنا جماعة الإخوان المسلمين للانضمام إليها كانت الجماعة في تلك الأيام في أوج نشاطها وفي عز ازدهارها وكان للجماعة فروع في كل حي وأحيانًا في كل شارع.

وكانوا على وفاق مع حكومة صدقي وكان صدقي باشا يستخدمهم ضد حزب الوفد ولم نكن نحن في تلك الأيام على بينة بما يجري تحت السطح ولم نكن ندرك على وجه الدقة الفرقَ بين الوفد والإخوان أو حتى الفرق بين الإخوان والشيوعيين ، كل ما كنا نعرفه في تلك الأيام هو أن النحاس باشا زعيم شعبي طيب ومحبوب من الجماهير أما الزعماء الآخرون فلم نكن نعرف عنهم شيئًا كثيرًا والشيخ حسن البنا مثلًا كنا نسمع عنه ولا نراه أما هيكل باشا والنقراشي باشا وحافظ رمضان باشا فقد كانوا بالنسبة لنا أشبه بخفرع وخوفو ومنقرع.

ولكن الذي شجَّعنا على الذهاب إلى شعبة الإخوان بالجيزة شيءٌ آخر غير حسن ومكتب الإرشاد كان الإخوان المسلمون قد نجحوا في تربية مجموعة من الشباب أغلبهم من طلبة الجامعة وانطلق هؤلاء يخطبون في المناسبات وفي الاحتفالات ونجح هؤلاء في لفت أنظار الشباب فقد كان أسلوبهم في الخطابة حماسيًّا ويتناولون موضوعات تثير خيال الشباب وتلهب مشاعرهم “.

وفي كتابه الولد الشقي في المنفى يحكي عن ظروف سفره مضطرا فيقول : ” هبطت بي الطائرة صباح عيد رأس السنة ١٩٧٥ م في بيروت ، في الطريق من المطار إلى فندق استراند قرأت في جريدة بيروت نبأ مظاهرات في القاهرة وحرائق هنا وهنا والقبض على عشرات من المتظاهرين والبحث عن آخرين بتهمة إحراق القاهرة وبيان من وزير الداخلية بأن الأمر كان مدبرًا من قبل وأن هناك مؤامرة سعت إليها أطراف عديدة ووعد من وزير الداخلية بالضرب بيد من حديد لسحق المؤامرة والمتآمرين.

يا سبحان الله ! لو أنني كنت في القاهرة لكنت الآن في سجن أبو زعبل أو في ليمان طرة على أقل تقدير ففي المعتقلَين أصدقاء لي وبعضهم كان يعمل معي أيام التنظيم الطليعي : أمين الغفاري وعبد الغفار صيام وسعد كامل هارب وهو أيضًا زميل في المهنة وصديق في الحياة  ، وها هي ذي الحكومة التي أحرقت الشرائط المسجلة عقب ما جرى ١٩٧١ م تعلن أن لديها شرائط مسجلة للمؤامرة الجديدة وصورًا فوتوغرافية ، ما الذي أحرقته إذن الحكومة في ساحة وزارة الداخلية ! بينما وقف لواء شرطة يهلل لرئيس الجمهورية : سترت عرض الناس ربنا يستر عرضك ، يبدو أن الذي أحرقوه شرائط مسجلة للسيدة أم كلثوم !

لقد فكرت كثيرًا والطائرة معلقة بين السماء والأرض في طريقها من أبوظبي إلى بيروت أن أعود إلى مصر ولكن كيف أعود ومثل هذه الحكومة ترى أن أي حركة جماهيرية مؤامرة وكل تحرك شعبي انقلاب وكل رأي معارض خائن وكل صوت حر عميل ؟! ، أين هم أبطال ١٥ مايو الذين سيذكرهم التاريخ كما قال الرئيس نفسه ؟ الليثي ناصف لقي حتفه في لندن في ظروف غامضة ومحمد صادق قائد الجيش أطيح به في ظروف أكثر غموضًا لم يبقَ من الأبطال غير ممدوح سالم وهو يبدو كجندي مخلص في بلاط الملك.

وأين حافظ بدوي ؟ لقد تدحرج من فوق وبعد أن كان رئيسًا لمحكمة الثورة ألزموه حجمه بعد أن أدى دوره وحتى الدكتور حاتم أبعدوه عن الطريق وألزموه المجالس القومية المتخصصة مع أنه لم يتخصص في شيء طوال حياته ، أين هم الكتاب الذين هللوا لثورة ١٥ مايو وهي أغرب وأعجب ثورة في التاريخ وهي ثورة لأن رئيس الجمهورية قام بفصل عدد من الوزراء يعملون تحت رئاسته ؟ أين هم ؟ لقد منع بعضهم من الكتابة بينما احتل الساحة الكاتب صلاح راتب شقيق الوزيرة عائشة راتب ولكنه اختفى باختفائها ! ، حكومة مثل هذه البعد عنها غنيمة والعيش بعيدًا عنها خير وأبقى ومصر التي أعشقها ليست مدنًا وشوارع ومقاهي وقعدات ولكن مصر هي أولًا روح وحياة ومكان تحت الشمس .. لذلك قررت البقاء في بيروت ! “.

أما أروع إبداعاته الساخرة فقد جاءت في كتابه (الطريق إلى زمش) حيث سئل في السجن عن التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه فأجاب بكلمة زمش وهي اختصار (زي ما إنت شايف) وقد غلبت عليه روح الدعابة حتى في أصعب الأوقات ، وكتب عن ذلك قائلا : ” لأني حمقري (مزيج من الحمار والعبقري) فقد كنت أظن أن كل رجل ضاحك رجل هلّاس .. ولأني حمقري كنت أرفع شعارًا حمقريًّا (أنا أضحك إذن أنا سعيد) وبعد فترة طويلة من الزمان اكتشفت أن العكس هو الصحيح.

واكتشفت أن كل رجل ضاحك رجل بائس وأنه مقابل كل ضحكة تقرقع على لسانه تقرقع مأساة داخل أحشائه وأنه مقابل كل ضحكة ترتسم على شفتيه تنحدر دمعة داخل قلبه .. ولكن هناك حزن هلفوت وهناك أيضًا حزن مقدس .. وصاحب الحزن الهلفوت يحمله على رأسه ويدور به على الناس .. التقطيبة على الجبين والرعشة في أرنبة الأنف والدمعة على الخدين .. يالاللي ! ، وهو يدور بها على خلق الله يبيع لهم أحزانه وهو بعد فترة يكون قد باع رصيده من الأحزان وتخفف ويفارقه الحزن وتبقى آثاره على الوجه اكسسوارًا يرتديه الحزين الهلفوت ويسترزق.

لكن الحزن المقدس حزن عظيم والحزن العظيم نتيجة هموم عظيمة والهموم العظيمة لا تسكن إلا نفوسًا أعظم والنفوس الأعظم تغلق نفسها على همها وتمضي .. وهي تظل إلى آخر لحظة في الحياة تأكل الحزن والحزن يأكل منها ويمضي الإنسان صاحب الحزن العظيم – ككل شيء في الحياة – يأكل ويؤكل ولكن مثله لا يذاع له سر وقد يمضي بسره إلى قبره ! ولذلك يقال : ما أسهل أن تبكي وما أصعب أن تضحك “.

90 / البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

(لا تصالح) هو عنوان القصيدة الأيقونية المعروفة والتي صارت رمز المقاومة المستمرة والنضال الدائم ضد المشروع الصهيوني ، وهي من نظم الشاعر الكبير أمل دنقل (1940 ـ 1983 م) وهو شاعر مصري قومي عروبي مشهور واسمه بالكامل هو محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل من قبيلة الإمارة العدوية ولد في أسرة عربية بقرية القلعة مركز قفط بمحافظة قنا في صعيد مصر وزوجته هي الصحفية عبلة الرويني ، وقد كان والده عالماً من علماء الأزهر الشريف مما أثر في شخصية أمل دنقل وقصائده بشكل واضح.

وسمي أمل دنقل بهذا الاسم لأنه ولد بنفس السنة التي حصل فيها والده على إجازة العالمية فسماه باسم أمل تيمنا بالنجاح الذي حققه (واسم أمل شائع بالنسبة للبنات في مصر) ، ورث أمل دنقل عن والده موهبة الشعر فقد كان يكتب الشعر العمودي وأيضاً كان يمتلك مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر التراث العربي مما أثر كثيراً في أمل دنقل وساهم في تكوين اللبنة الأولى لهذا الأديب ، فقد أمل دنقل والده وهو في العاشرة من عمره مما أثر عليه كثيراً وأكسبه مسحة من الحزن تجدها في كل أشعاره.

رحل أمل دنقل إلى القاهرة بعد أن أنهى دراسته الثانوية في قنا والتحق بكلية الآداب ولكنه انقطع عن الدراسة منذ العام الأول لكي يعمل حيث عمل موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم بعد ذلك موظفاً في منظمة التضامن الأفروآسيوي ولكنه كان دائماً ما يترك العمل وينصرف إلى كتابة الشعر ، ومثل معظم أهل الصعيد شعر أمل دنقل بالصدمة عند نزوله إلى القاهرة أول مرة وأثر هذا عليه كثيراً في أشعاره ويظهر هذا واضحاً في أشعاره الأولى.

ومخالفاً لمعظم المدارس الشعرية في الخمسينيات استوحى أمل دنقل قصائده من رموز التراث العربي وقد كان السائد في هذا الوقت التأثر بالميثولوجيا الغربية عامة واليونانية خاصة وقد عاصر أمل دنقل عصر أحلام العروبة والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر في عام 1967 وعبر عن صدمته في رائعته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) ومجموعته (تعليق على ما حدث).

شاهد أمل دنقل بعينيه النصر وضياعه وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام ووقتها أطلق رائعته (لا تصالح) والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر كل المصريين ونجد أيضاً تأثير تلك المعاهدة وأحداث شهر يناير عام 1977 م واضحاً في مجموعته (العهد الآتي) ، كان موقف أمل دنقل من عملية السلام سبباً في اصطدامه في الكثير من المرات بالسلطات المصرية وخاصة ان أشعاره كانت تقال في المظاهرات على ألسن الآلاف.

أيضا عبر أمل دنقل عن مصر وصعيدها وناسها ونجد هذا واضحاً في قصيدته (الجنوبي) في آخر مجموعة شعرية له (أوراق الغرفة 8) ، عرف القارئ العربي شعره من خلال ديوانه الأول (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) الصادر عام 1969 م الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 م وأكد ارتباطه العميق بوعي القارئ ووجدانه.

أصيب أمل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من ثلاث سنوات وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته (أوراق الغرفة  8) وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام والذي قضى فيه ما يقارب الأربع سنوات وقد عبرت قصيدته (السرير) عن آخر لحظاته ومعاناته وهناك أيضاً قصيدته (ضد من) التي تتناول هذا الجانب والجدير بالذكر أن آخر قصيدة كتبها دنقل هي (الجنوبي).

لم يستطع المرض أن يوقف أمل دنقل عن الشعر حتى قال عنه أحمد عبد المعطي حجازي : ” إنه صراع بين متكافئين الموت والشعر ” ، رحل أمل دنقل عن دنيانا في يوم السبت الموافق 21 مايو عام 1983 م لتنتهي معاناته في دنيانا مع كل شيء وكانت آخر لحظاته في الحياة برفقة دكتور جابر عصفور وعبد الرحمن الأبنودي صديق عمره مستمعاً إلى إحدى الأغاني الصعيدية القديمة حيث أراد أن تتم دفنته على نفقته لكن أهله تكفلوا بها.

صدرت له ست مجموعات شعرية هي  : (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة بيروت 1969 .. تعليق على ما حدث بيروت 1971 .. مقتل القمر بيروت 1974 .. العهد الآتي بيروت 1975 .. أقوال جديدة عن حرب البسوس القاهرة 1983 .. أوراق الغرفة 8 القاهرة 1983 .. أجازة فوق شاطئ البحر)  ، وهو يستلهم التراث العربي القديم في شعره حيث يخاطب زرقاء اليمامة ويسألها عما رأت (وهي عرافة شهيرة كانت بعيدة النظر وتنبأت بهزيمة قومها ولم يصدقوها) ، وأما في قصيدة (لا تصالح) فقد استلهمها من سيرة الزير سالم وجاءت أبياتها على هيئة وصية كتبها كليب بن وائل بدمائه وتركها لأخيه المهلهل يدعوه فيها إلى الثأر.

وتقول كلمات القصيدة : لا تصالحْ ! .. ولو منحوك الذهب .. أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. هل ترى ؟ .. هي أشياء لا تشترى .. ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك .. حسُّكما فجأةً بالرجولةِ .. هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقُهُ .. الصمتُ مبتسمين لتأنيب أمكما .. وكأنكما ما تزالان طفلين ! .. تلك الطمأنينة الأبدية بينكما .. أنَّ سيفانِ سيفَكَ ..  صوتانِ صوتَكَ .. أنك إن متَّ .. للبيت ربٌّ .. وللطفل أبْ .. هل يصير دمي بين عينيك ماءً ؟ .. أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء .. تلبس فوق دمائي ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب ؟ .. إنها الحربُ ! .. قد تثقل القلبَ  .. لكن خلفك عار العرب .. لا تصالحْ .. ولا تتوخَّ الهرب !

لا تصالح على الدم .. حتى بدم ! .. لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ .. أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟ .. أقلب الغريب كقلب أخيك ؟! .. أعيناه عينا أخيك ؟! .. وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك .. بيدٍ سيفها أثْكَلك ؟ .. سيقولون جئناك كي تحقن الدم .. جئناك كن يا أمير الحكم .. سيقولون ها نحن أبناء عم .. قل لهم إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك .. واغرس السيفَ في جبهة الصحراء .. إلى أن يجيب العدم .. إنني كنت لك .. فارسًا وأخًا وأبًا ومَلِك !

لا تصالح  ..ولو حرمتك الرقاد .. صرخاتُ الندامة .. وتذكَّر .. (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة) .. أن بنتَ أخيك (اليمامة) .. زهرةٌ تتسربل في سنوات الصبا .. بثياب الحداد .. كنتُ إن عدتُ .. تعدو على دَرَجِ القصر .. تمسك ساقيَّ عند نزولي .. فأرفعها وهي ضاحكةٌ .. فوق ظهر الجواد .. ها هي الآن صامتةٌ .. حرمتها يدُ الغدر من كلمات أبيها .. ارتداءِ الثياب الجديدةِ .. من أن يكون لها ذات يوم أخٌ ! .. من أبٍ يتبسَّم في عرسها .. وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها .. وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه .. لينالوا الهدايا .. ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ) .. ويشدُّوا العمامة .. لا تصالح ! .. فما ذنب تلك اليمامة .. لترى العشَّ محترقًا فجأةً .. وهي تجلس فوق الرماد ؟!

لا تصالح .. ولو توَّجوك بتاج الإمارة .. كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ؟ .. وكيف تصير المليكَ .. على أوجهِ البهجة المستعارة ؟ .. كيف تنظر في يد من صافحوك .. فلا تبصر الدم .. في كل كف ؟ .. إن سهمًا أتاني من الخلف .. سوف يجيئك من ألف خلف .. فالدم الآن صار وسامًا وشارة .. لا تصالح .. ولو توَّجوك بتاج الإمارة .. إن عرشَك سيفٌ .. وسيفك زيفٌ .. إذا لم تزنْ بذؤابته لحظاتِ الشرف .. واستطبت الترف.

لا تصالح .. ولو قال من مال عند الصدامْ .. (ما بنا طاقة لامتشاق الحسام) .. عندما يملأ الحق قلبك .. تندلع النار إن تتنفَّسْ .. ولسانُ الخيانة يخرس .. لا تصالح .. ولو قيل ما قيل من كلمات السلام .. كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟ .. كيف تنظر في عيني امرأة .. أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟ .. كيف تصبح فارسها في الغرام ؟ .. كيف ترجو غدًا لوليد ينام .. كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام .. وهو يكبر بين يديك بقلب مُنكَّس ؟ .. لا تصالح .. ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام .. وارْوِ قلبك بالدم .. واروِ التراب المقدَّس ..  واروِ أسلافَكَ الراقدين .. إلى أن تردَّ عليك العظام !

لا تصالح .. ولو ناشدتك القبيلة .. باسم حزن (الجليلة) .. أن تسوق الدهاءَ .. وتُبدي لمن قصدوك القبول .. سيقولون ها أنت تطلب ثأرًا يطول .. فخذ الآن ما تستطيع .. قليلاً من الحق .. في هذه السنوات القليلة .. إنه ليس ثأرك وحدك .. لكنه ثأر جيلٍ فجيل .. وغدًا .. سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً .. يوقد النار شاملةً .. يطلب الثأرَ .. يستولد الحقَّ .. من أَضْلُع المستحيل .. لا تصالح .. ولو قيل إن التصالح حيلة .. إنه الثأرُ .. تبهتُ شعلته في الضلوع .. إذا ما توالت عليها الفصول .. ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس) .. فوق الجباهِ الذليلة !

لا تصالحْ ..  ولو حذَّرتْك النجوم .. ورمى لك كهَّانُها بالنبأ .. كنت أغفر لو أنني متُّ .. ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .. لم أكن غازيًا .. لم أكن أتسلل قرب مضاربهم .. لم أمد يدًا لثمار الكروم .. أرض بستانِهم لم أطأ .. لم يصح قاتلي بي (انتبه !) .. كان يمشي معي .. ثم صافحني .. ثم سار قليلاً .. ولكنه في الغصون اختبأ ! .. فجأةً ثقبتني قشعريرة بين ضلعين .. واهتزَّ قلبي كفقاعة وانفثأ ! .. وتحاملتُ حتى احتملت على ساعديَّ .. فرأيتُ ابن عمي الزنيم .. واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم .. لم يكن في يدي حربةٌ .. أو سلاح قديم .. لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ.

لا تصالحُ .. إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة .. النجوم لميقاتها .. والطيور لأصواتها .. والرمال لذراتها .. والقتيل لطفلته الناظرة .. كل شيء تحطم في لحظة عابرة .. الصبا بهجةُ الأهل صوتُ الحصان التعرفُ بالضيف همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ .. وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة .. كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة .. والذي اغتالني ليس ربًا .. ليقتلني بمشيئته .. ليس أنبل مني .. ليقتلني بسكينته .. ليس أمهر مني .. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة .. لا تصالحْ .. فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ .. (في شرف القلب) .. لا تُنتقَصْ .. والذي اغتالني مَحضُ لصْ .. سرق الأرض من بين عينيَّ .. والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة !

لا تصالح .. ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ .. والرجال التي ملأتها الشروخ .. هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم .. وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ .. لا تصالح .. فليس سوى أن تريد .. أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد .. وسواك المسوخ !  .. لا تصالحْ .. لا تصالحْ.

وفي قصيدته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) يقول : أيتها العرافة المقدَّسةْ .. جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ .. أزحف في معاطف القتلى وفوق الجثث المكدّسة .. منكسر السيف مغبَّر الجبين والأعضاءْ .. أسأل يا زرقاءْ .. عن فمكِ الياقوتِ عن نبوءة العذراء .. عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة .. عن صور الأطفال في الخوذات .. ملقاةً على الصحراء .. عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء .. فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة ! .. عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء  !! .. أسأل يا زرقاء  ..عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ  ! .. عن صرخة المرأة بين السَّبي والفرارْ ؟ .. كيف حملتُ العار .. ثم مشيتُ دون أن أقتل نفسي ؟! دون أن أنهار ؟ !.. ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !

تكلَّمي أيتها النبية المقدسة .. تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ .. لا تغمضي عينيكِ فالجرذان .. تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها  ! تكلمي .. لشدَّ ما أنا مُهان .. لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران  ! .. ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها  ..ولا احتمائي في سحائب الدخان ! .. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة .. (كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق .. فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ .. وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة .. رطَّب باسمك الشفاه اليابسة  ..وارتخت العينان !) ..فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟ والضحكةَ الطروب ضحكتهُ .. والوجهُ .. والغمازتانْ ؟!

أيتها النبية المقدسة  ..لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً  .. لكي أنال فضلة الأمانْ .. قيل ليَ (اخرسْ) .. فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان ! .. ظللتُ في عبيد (عبسِ) أحرس القطعان .. أجتزُّ صوفَها  ..أردُّ نوقها  .. أنام في حظائر النسيان طعاميَ الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .. وها أنا في ساعة الطعانْ .. ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ .. دُعيت للميدان  ! .. أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن  .. أنا الذي لا حولَ لي أو شأن  .. .. أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان .. أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة  !!

تكلمي أيتها النبية المقدسة .. تكلمي .. تكلمي  .. فها أنا على التراب سائلٌ دمي .. وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا  .. أسائل الصمتَ الذي يخنقني .. ما للجمال مشيُها وئيدا ؟! .. أجندلاً يحملن أم حديدا ؟! .. فمن تُرى يصدُقْني ؟ .. أسائل الركَّع والسجودا .. أسائل القيودا .. ما للجمال مشيُها وئيدا ؟! .. ما للجمال مشيُها وئيدا ؟! .. أيتها العَّرافة المقدسة  ..ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟ ..  قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ  .. فاتهموا عينيكِ يا زرقاء بالبوار  ! .. قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار  ..فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار  ! .. وحين فُوجئوا بحدِّ السيف قايضوا بنا  .. والتمسوا النجاةَ والفرار  !

ونحن جرحى القلبِ  .. جرحى الروحِ والفم .. لم يبق إلا الموتُ  .. والحطامُ  ..والدمارْ .. وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ .. ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ .. وفي ثياب العارْ .. مطأطئات الرأس .. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة  ! .. ها أنت يا زرقاءْ .. وحيدةٌ .. عمياءْ  ! .. وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ .. والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ  ! .. فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها .. كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله .. المموَّها .. في أعين الرجال والنساءْ ؟! .. وأنت يا زرقاء .. وحيدة .. عمياء ! .. وحيدة .. عمياء !

تم الانتهاء من كتاب (كتابات مصرية تاريخ الأدب العربي في مصر) في 26/9/2026

Tweet

Share

Pin

Share

0 Shares