
71 / المنار
أكبر وأشهر مجلة إسلامية في القرن العشرين هي مجلة المنار التي أصدرها العلامة الشيخ محمد رشيد رضا أحد أعلام الدعوة الإسلامية في مصر والشام (1865 ـ 1935 م) وقد نشر فيه تفسيره المجدد للقرآن الكريم والذي عرف بنفس الاسم (تفسير المنار) ، وهو صاحب دور كبير في الإصلاح السياسي والاجتماعي وكان صحفيا وكاتبا وأديبا ولغويا وتتلمذ على يد الإمام محمد عبده وتأثر بمنهجه الإصلاحي وجعل مجلته على نمط مجلة (العروة الوثقى) وله عدة مؤلفات في علوم الإسلام وتجديد الفكر الإسلامي.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بَهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي ، من الكتّاب العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام) وتعلم فيها وفي طرابلس وتنسك ونظم الشعر في صباه وكتب في بعض الصحف ثم رحل إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له ، وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي.
وأصبح مرجع الفتيا في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة ولما أعلن الدستور العثماني سنة ١٣٢٦ هـ زار بلاد الشام واعترضه في دمشق وهو يخطب على منبر الجامع الأموي أحد أعداء الإصلاح فكانت فتنة عاد على أثرها إلى مصر ، وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد) ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين وانتخب رئيسا للمؤتمر السوري فيها وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها (سنة ١٩٢٠ م) فأقام في وطنه الثاني (مصر) مدة ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوربا وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في (سيارة) كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة ودفن بالقاهرة.
أشهر آثاره : مجلة (المنار) أصدر منها ٣٤ مجلدا ، وتفسير القرآن الكريم (اثنا عشر مجلدا منه ولم يكمله) ، وتاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (ثلاثة مجلدات) ونداء للجنس اللطيف ، والوحي المحمدي ، ويسر الإسلام وأصول التشريع العام ، والخلافة ، والوهابيون والحجاز ، ومحاورات المصلح والمقلد ، وذكرى المولد النبوي ، وشبهات النصارى وحجج الإسلام ، وللأمير شكيب أرسلان كتاب في سيرته سماه : السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة “.
وقد عبر عن منهجه الإصلاحي ورؤيته في تجديد الفكر الإسلامي من خلال مقدمة كتابه تفسير المنار حيث استهله بقوله : ” أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ هُدًى وَنُورًا لِيُعَلِّمَكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيَكُمْ وَيُعِدَّكُمْ لِمَا يَعِدُكُمْ بِهِ مِنْ سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَمْ يُنْزِلْهُ قَانُونًا دُنْيَوِيًّا جَافًّا كَقَوَانِينِ الْحُكَّامِ وَلَا كِتَابًا طِبِّيًّا لِمُدَاوَاةِ الْأَجْسَامِ وَلَا تَارِيخًا بَشَرِيًّا لِبَيَانِ الْأَحْدَاثِ وَالْوَقَائِعِ وَلَا سِفْرًا فَنِّيًّا لِوُجُوهِ الْكَسْبِ وَالْمَنَافِعِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ تَعَالَى بِاسْتِطَاعَتِكُمْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَحْيٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَهَذَا بَعْضٌ مِمَّا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ كِتَابَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ تَدَبَّرَهَا سَلَفُكُمُ الصَّالِحُ وَاهْتَدَوْا بِهَا فَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا قَبْلَ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٢٤: ٥٥) وَفِي قَوْلِهِ : (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٠: ٤٧) ، وَقَوْلِهِ : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٤: ١٤١) ، وَقَوْلِهِ : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٦٣: ٨) ، وَقَوْلِهِ : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣: ١٣٩) .
وَعَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْوُعُودَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَفَقْرِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ وَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ بِمَا قَضَاهُ وَجَعَلَهُ أَثَرًا لِلِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ ، هَدَى اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبَ وَهَدَى بِدَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِ أَعْظَمَ شُعُوبِ الْعَجَمِ فَكَانُوا بِهِ أَئِمَّةَ الْأُمَمِ فَبِالِاهْتِدَاءِ بِهِ قَهَرُوا أَعْظَمَ دُوَلِ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ دَوْلَةَ الرُّومِ (الرُّومَانِ) وَدَوْلَةَ الْفُرْسِ ، فَهَذِهِ مَحَوْهَا مِنْ لَوْحِ الْوُجُودِ بِهَدْمِ سُلْطَانِهَا وَإِسْلَامِ شَعْبِهَا وَتِلْكَ سَلَبُوهَا مَا كَانَ خَاضِعًا لِسُلْطَانِهَا مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَشُعُوبِهِ الْكَثِيرَةِ ثُمَّ فَتَحُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ حَتَّى اسْتَوْلَوْا عَلَى بَعْضِ بِلَادِ أُورُبَّةَ وَأَلَّفُوا فِيهَا دَوْلَةً عَرَبِيَّةً كَانَتْ زِينَةَ الْأَرْضِ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْحَضَارَةِ وَالْعُمْرَانِ.
حَارَبُوا شُعُوبًا كَثِيرَةً كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقِتَالُ مِنْ عَدَدٍ وَعُدَدٍ وَسِلَاحٍ وَكُرَاعٍ وَحُصُونٍ وَقِلَاعٍ وَقَاتَلُوهَا فِي عُقْرِ دَارِهَا وَمُسْتَقِرِّ قُوَّتِهَا وَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْ بِلَادِهِمْ نَاءُونَ عَنْ مَقَرِّ خِلَافَتِهِمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْضُلُونَ أَعْدَاءَهُمْ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ صَلَاحُ أَرْوَاحِهِمُ الَّذِي تَبِعَهُ صَلَاحُ أَعْمَالِهِمْ وَالرَّوْحُ الْبَشَرِيُّ أَعْظَمُ قُوَى هَذِهِ الْأَرْضِ ، سَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ سَائِرَ قُوَاهَا وَمَادَّتِهَا كَمَا قَالَ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٢: ٢٩) (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٥: ١٣) .
انَ أَرْقَى حُكَّامِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ عِلْمًا وَفَنًّا وَأَدَبًا وَسِيَاسَةً يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَعْبَثُ بِالْمَالِ وَالْعِرْضِ أَوْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (٢: ٢٠٥) وَكَانَ الْمُسْلِمُ الْعَرَبِيُّ يَتَوَلَّى حُكْمَ بَلَدٍ أَوْ وِلَايَةٍ وَهُوَ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ فُنُونِ الدَّوْلَةِ وَلَا مِنْ قَوَانِينِ الْحُكُومَةِ وَلَمْ يُمَارِسْ أَسَالِيبَ السِّيَاسَةِ وَلَا طُرُقَ الْإِدَارَةِ وَإِنَّمَا كُلُّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بَعْضُ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُصْلِحُ مِنْ تِلْكَ الْوِلَايَةِ فَسَادَهَا وَيَحْفَظُ أَنْفُسَهَا وَأَمْوَالَهَا وَأَعْرَاضَهَا وَلَا يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا هَذَا وَهُوَ فِي حَالِ حَرْبٍ وَسِيَاسَةِ فَتْحٍ مُضْطَرٌّ لِمُرَاعَاةِ تَأْمِينِ الْمُوَاصَلَاتِ مَعَ جُيُوشِ أُمَّتِهِ وَحُكُومَتِهَا وَسَدِّ الذَّرَائِعِ لِانْتِقَاضِ أَهْلِهَا.
وَإِذَا صَلُحَتِ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ أَصْلَحَتْ كُلَّ شَيْءٍ تَأْخُذُ بِهِ وَتَتَوَلَّى أَمْرَهُ فَالْإِنْسَانُ سَيِّدُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَصَلَاحُهَا وَفَسَادُهَا مَنُوطٌ بِصَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَتِ الثَّرْوَةُ وَلَا وَسَائِلُهَا مِنْ صِنَاعَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ هِيَ الْمِعْيَارَ لِصَلَاحِ الْبَشَرِ وَلَا الْمُلْكُ وَوَسَائِلُهُ، مِنَ الْقُوَّةِ وَالسِّيَاسَةِ ، فَإِنَّ الْبَشَرَ قَدْ أَوْجَدُوا كُلَّ وَسَائِلِ الْمُلْكِ وَالْحَضَارَةِ مِنْ عُلُومٍ وَفُنُونٍ وَأَعْمَالٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ إِذًا نَابِعَةٌ مِنْ مَعِينِ الِاسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِيِّ، تَابِعَةٌ لَهُ دُونَ الْعَكْسِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ فِي الْعَكْسِ كَدَلِيلِهِ فِي الطَّرْدِ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ وَكَثِيرًا مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي وَرِثَتِ الْمُلْكَ وَالْحَضَارَةَ عَنْ سَلَفٍ أَوْجَدَهُمَا مِنَ الْعَدَمِ مِمَّنْ أَضَاعُوهُمَا بَعْدَ وُجُودِهِمَا بِفَسَادِ أَنْفُسِهِمْ.
صَلُحَتْ أَنْفُسُ الْعَرَبِ بِالْقُرْآنِ إِذْ كَانُوا يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمُ الْمَفْرُوضَةِ وَفِي تَهَجُّدِهِمْ وَسَائِرِ أَوْقَاتِهِمْ فَرَفَعَ أَنْفُسَهُمْ وَطَهَّرَهَا مِنْ خُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ الْمُذِلَّةِ لِلنُّفُوسِ الْمُسْتَعْبِدَةِ لَهَا وَهَذَّبَ أَخْلَاقَهَا وَأَعْلَى هِمَمِهَا وَأَرْشَدَهَا إِلَى تَسْخِيرِ هَذَا الْكَوْنِ الْأَرْضِيِّ كُلِّهِ لَهَا ، فَطَلَبَتْ ذَلِكَ فَأَرْشَدَهَا طَلَبُهُ إِلَى الْعِلْمِ بِسُنُّتِهِ تَعَالَى فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ فَهَدَاهَا ذَلِكَ إِلَى الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ فَأَحْيَتْ مَوَاتَهَا وَأَبْدَعَتْ فِيهَا مَا لَمْ يَسْبِقْهَا إِلَيْهِ غَيْرُهَا حَتَّى قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ تَطَوُّرِ الْأُمَمِ مِنْ حُكَمَاءِ الْغَرْبِ : (إِنَّ مَلَكَةَ الْفُنُونِ لَا تَسْتَحْكِمُ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ : جِيلِ التَّقْلِيدِ وَجِيلِ الْخَضْرَمَةِ وَجِيلِ الِاسْتِقْلَالِ وَشَذَّ الْعَرَبُ وَحْدَهُمْ فَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ مَلَكَةُ الْفُنُونِ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ).
قَدْ شَاهَدْنَا وَلَا نَزَالُ نُشَاهِدُ فِي بِلَادِنَا أَنَّ طَلَبَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ مَعَ إِهْمَالِ التَّرْبِيَةِ الْمُصْلِحَةِ لِلنَّفْسِ لَمْ تَحُلْ دُونَ اسْتِعْبَادِ الْأَجَانِبِ لَنَا كَمَا جَرَى فِي دَوْلَتَيِ الْأَسِتَانَةِ وَالْقَاهِرَةِ وَغَيْرِهِمَا ، تَرَى الرَّجُلَ الْمُتَعَلِّمَ الْمُتَفَنِّنَ يَتَوَلَّى وِلَايَةً أَوْ وِزَارَةً فَيَكُونُ أَوَّلَ هَمِّهِ مِنْهَا تَأْسِيسُ ثَرْوَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ لِأَجْلِ التَّمَتُّعِ بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالزِّينَةِ وَهَكَذَا تَفْعَلُ كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْزِفُونَ ثَرْوَةَ الْأُمَّةِ بِالرُّشَى وَالْحِيَلِ وَأَكْلِ السُّحْتِ وَيَكُونُ كُلُّ مَا فَضَلَ عَنْ شَهَوَاتِهِمْ بَلْ جُلُّ مَا يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهَا نَصِيبَ الْأَجَانِبِ وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ قَبْلُ فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الْمَنَارِ وَالتَّفْسِيرِ فَلَا نُطِيلُ فِيهَا هُنَا وَإِنَّمَا طَرَقْنَا هَذَا الْبَابَ لِنُذَكِّرَكُمْ “.
وترجم له محمد الطاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية فقال : ” السيد محمد رشيد رضا .. هو السيد محمد رشيد رضا ١٢٨٢ / ١٨٦٥ ـ ١٣٥٤ / ١٩٣٥ فهو شامي النسبة من قرية القَلْمون من أعمال طرابلس الشام ، زاول المرحلة الأولى من تعلّمه بالكتاب ودخل بعد ذلك إلى المدرسة الرشدية التي كانت تدرّس بالتركيّة ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية الإسلامية حيث درس العلوم الشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية وتخرّج بها على الشيخين حسين الجسر ومحمود نشابة.
وفي هذه المرحلة وقف على أعداد من مجلة العروة الوثقى التي كان لها كبير التأثير في توجُّهه الإصلاحي واتصل بعد ذلك بأستاذه وصاحبه الشيخ محمد عبده لقيه بمصر ولازمه طويلاً وانتسب إلى مدرسته الإصلاحية ، وبعد غياب العروة الوثقى التي لم يصدر منها أكثر من ثمانية عشر عدداً واختفاء مجلة الأستاذ التي كان يصدرها عبد الله نديم المصري بادر محمد رشيد رضا إلى إنشاء المنار ١٣١٦ / ١٨٩٨ لإحياء تعاليم العروة الوثقى والتعريف بقواعد الوحدة الإسلامية مع البحث في البدع وتفصيل القول في التعاليم الفاسدة والعقائد الزائفة والدعوة إلى التربية المفيدة وبثّ المضمون السياسي للجامعة الإسلامية عن طريق الإصلاحين الديني والتربوي.
وقد أكّد على صفحات المنار أن هذا الإصلاح لا يحصل بعمارة المساجد والتكايا ولا بالإنعام على بعض الشيوخ أو أهل الحجاز بالرتب والرواتب والوسامات بل لا بد في ذلك من أعمال تناط بالحكام وأعمال تطلب من العلماء وأصحابِ الوظائف الدينية ، وأهم أركان الإصلاح الإسلامي جمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وأصول أدبية واحدة وقانون شرعي واحد.
ولقد كان لمجلة المنار دور أي دور إصلاحي في العالم الإسلامي والبلاد العربية ، كانت المَعلَمَة الإسلامية الكبرى التي لا يستغني مسلم في هذا العصر عن اقتنائها وكانت لصاحبها مجدِّد السلفية آثار جيدة تخدم منهجه وتنشر آراءه نعدُّ منها تفسير المنار وتاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده ونداء إلى الجنس اللطيف وهو بيان حقوق النساء في الإسلام والوحي المحمدي والوحدة الإسلامية ومقالات كثيرة أخرى.
ولا نجد من يقدم هذا الإمام من معاصريه وينوّه به مثل شكيب أرسلان فهو يقول عنه : لا يسدّ مسدّه أحد في الإحاطة والرجاحة وشحذ الفكر وسعة الرواية معاً والجمع بين المعقول والمنقول والفتيا الصحيحة الطالعة كفلق الصبح في النوازل العصرية .. كما أنه لا يدانيه مُدانٍ مع الرسوخ العظيم في الفقه والطبع الريان في العربية والقلم السيّال بالفوائد في مثل نسق الفرائد والخبرة بطبائع العمران وأحوال المجتمع الإنساني ومناهج المدنية وأساليبها وأنواع الثقافات وضروبها .. ولقد عدّ من كبار الأئمة.
أسّس بمصر مدرسة الدعوة والإرشاد وتولّى بسورية رئاسة المؤتمر الإسلامي وله من المواقف الشريفة في النضال الديني عن الإسلام والدفاع عن عقيدته الصافية ، ومن الكتب الجدلية في الرد على أعدائه ما لا يقدر أحد في عصرنا هذا أن يدرك فيه شأوه أو يبلغ فيه مُدّه ولا نصيفه.
نازع الأهرام والمقطم ادعاءهما أن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرّة وغير موصلة إلى غاية وأنه لا سبيل إلى ترقّي الأمة الإسلامية إلا باتباع أوروبة كما فعلت اليابان فكتب عن الإسلام والجنسية ودعا إلى تأسيس منظمة تناط بها ثلاثة أعمال رئيسية : أولها تلافي البدع ومقاومتها ثانيها إصلاح الخطابة ، ثالثها الدعوة إلى الدين.
ومن أهم النتائج التي كان يحرص على تحقيقها توحيد البلاد الإسلامية وجمع كلمتها وسبيل ذلك في رأيه تعليم التربية العملية والتعليم الديني والدنيوي الصحيح بفضل رجال عارفين بحاجة الأمة قادرين على التعليم فإن هذا العمل هو الذي تقوم عليه النهضة ويتوقّف عليه الاتحاد الإسلامي.
وهذا الإصلاح الذي نادى به وكاد يحصل الاتفاق عليه من طرف الدعاة مشروط لديه بجملة شروط بعضها يتعلق بطبيعة الحكم في البلاد الإسلامية وبعضها الآخر يرتبط باستعداد الأمة وقابليتها للإصلاح والشرط الثالث يبرز في منهج وطريق المصلحين والدعاة ، ولقد فصّل القول في هذه الأغراض مبيِّناً ومعلِّلاً ناقداً وموجهاً مثلما يظهر ذلك في الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد وفي منافع الأوروبيين ومضارهم في الشرق وفي مقاله : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} ومحاورة في دعوى ضرر الدين والجامعة الإسلامية.
وطبعي أن يكون من نتائج هذه المواقف معارضته للقضية التغريبية وحملتها ودعوته إلى التكافل العام بين المسلمين الذي لا يتم عنده إلا بمعرفة مجموع الأمة بحقوقها ومصالحها المشتركة معرفة صحيحة تحملهم على الاتفاق على حفظها وصيانتها بحيث إذا عبث بها عابث أو نال منها ظالم ينفعل ذلك المجموع ويهبُّ للذود عنها وحفظ كيانها.
عرف ذلك منه القاصي والداني واشتهر منهجه الدعوي الإصلاحي في أطراف البلاد المشرقية والمغربية وقامت على أساسه مدرسة قوامها التعريف بالإسلام وعلومه والذود عن قيمه وأصوله وتنقيته من كل الشوائب والتخطيط للنهضة الإسلامية بإقامة جامعتها وبناء اتحادها الإسلامي على الأصول الشرعية والمبادىء الإسلامية والمقومات الذاتية المميزة للملة فكان ذلك بين الأمس واليوم منطلق أمجادها وسرّ تجددها وخلودها “.
وقد جاء تفصيلات عن المجلة وتاريخها في مقدمة مجلدات الأعداد المطبوعة منها وفيها : ” التعريف بالمجلة (المصدر قرص مجلة المنار) .. مجلة المنار ودورها الإصلاحي / صدر أول عدد : ٢٢ من شوال ١٣١٥هـ : كانت مجلة المنار في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي وأعظمها صيتًا وأكثرها تأثيرًا ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في الصحافة الإسلامية على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عامًا وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان.
أحدث صدور المنار دويًا هائلاً ونشاطًا واسعًا وتغيرًا في الرأي والتفكير ولم يكن وراء هذه المجلة العظيمة مؤسسة تنفق عليها وتشرف على طبعها وتحريرها بل كان يقف وراءها رجل عصامي وإمام فقيه ومجاهد عظيم هو محمد رشيد رضا.
صاحب المجلة وفكرة إصدارها : وصاحب هذا العمل الكبير هو الشيخ محمد رشيد رضا أحد رواد الإصلاح في العالم الإسلامي ولد في إحدى قرى لبنان وتلقى تعليمه هناك واشتغل بالدعوة والإصلاح في بلدته ومال في بادئ حياته إلى الزهد والمجاهدة والوعظ والإرشاد ثم شاء له القدر أن يقع في يديه بعض أعداد من مجلة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها من باريس الإمامان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده فقرأ مقالاتها وتأثر بها غاية التأثر وتغير كثير من أفكاره.
وهو ما عبر عنه بقوله : ولقد أحدث لي هذا الفهم الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد المسلمين فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات فطفقت استعد لذلك استعدادًا.
ثم سنحت له الفرصة أن يلتقي بالإمام محمد عبده مرتين حين زار طرابلس وازداد إعجابه به بعد المقابلتين واشتد تعلقه به وقوي إيمانه بأنه خير من يخلف جمال الدين الأفغاني في ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته ، ولم يجد رشيد رضا ميدانًا أفسح له للعمل والإصلاح من مصر فهاجر إليها وقابل شيخه محمد عبده في القاهرة في (شعبان ١٣١٥ هـ = فبراير ١٨٩٨ م) ، ولم يكد يمضي شهر على نزوله القاهرة حتى فاتح أستاذه بأنه ينوي أن يصدر صحيفة يكون هدفها التربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة ومقاومة الجهل والتخلف والبدع والخرافات.
صدور المنار : وبعد مناقشة حامية بين الرجلين المصلحين أيد محمد عبده تلميذه فيما يطمح إليه وعرض رشيد رضا عدة أسماء للجريدة من بينها المنار ليختار منها محمد عبده ما يراه مناسبًا فاختار (المنار) ، وكان هذا هو الاسم الذي ارتاحت له نفس رشيد رضا كذلك وصدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥ هـ = ١٥ من مارس ١٨٩٨ م) وكانت أسبوعية يتألف كل عدد منها من ثماني صفحات كبيرة على صورة الجريدة اليومية.
وحددت افتتاحية العدد الأول أهداف المجلة التي تتركز في الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام وتفنيد ما يعزى إليه من خرافات وتربية البنين والبنات وإصلاح كتب التعليم وطريقة التأليف ودفع الأمة على مجاراة الأمم المتقدمة في مختلف المجالات ، وحرص رشيد رضا على أن يعرض على أستاذه الإمام محمد عبده كل ما يكتبه من مقالات ليسمع منه توجيهاته وإرشاداته.
وبعد عام من الصدور صارت المجلة تصدر على شكل مجلة أسبوعيًا ثم أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر وبعد سنوات صارت تصدر كل شهر عربي مرة ، وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى (المنار مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران) ، وكانت المنار تطبع في أول عهدها في مطبعة المؤيد التي كان يملكها الشيخ علي يوسف ثم اشترى رشيد رضا مطبعة خاصة للمنار يطبع فيها المجلة وغيرها من كتبه ومطبوعاته.
موضوعاتها : كانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم وهو إما بقلم الشيخ محمد عبده أو سائر على طريقته ثم تأتي (فتاوى المنار) حيث تنشر فيها الإجابات على الأسئلة التي تتناول أمورًا فقهية أو اعتقادية تلقاها الشيخ رشيد من قرائه ثم تأتي بعد ذلك بعض المقالات الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية أو بعض الخطب المهمة للشيخ رشيد أو لغيره من كبار الخطباء ، ومن الأبواب الثابتة التي كانت تلتزم بها المجلة (باب المراسلة والمناظرة) وباب بعنوان (آثار علمية وأدبية) وباب للأخبار والآراء وآخر بعنوان (تراجم الأعيان) .
وكان رشيد رضا يكتب أغلب ما ينشر في المنار على مدى عمرها المديد وهو لا يوقّع مقالاته وبحوثه في المنار باستثناء الافتتاحية ويقرر أن كل ما يكتب في المنار دون إمضاء فهو له وكان وراء ذلك همة عالية وزاد واسع من العلم ، فرشيد رضا عالم موسوعي ملم بالتراث الإسلامي متمكن من علوم القرآن على دراية عميقة بالفقه والحديث مدرك لأحوال مجتمعه وعلله وأمراضه شديد الإحاطة بما يدور في عصره الذي يعيش فيه خبير بأحوال المسلمين في أقطارهم المختلفة.
ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية بل نشرت كثيرًا من المقالات عن السنن الكونية والطب والصحة وأفردت مساحات للأدب والشعر والقصة الطريفة والبحث اللغوي الشائق وكانت تنقل عن المجلات الأخرى عيون مقالاتها أو بحوثها الجيدة مثل مجلة المقتطف وصحيفة المؤيد والتزمت أمانة النقل فكانت تذكر المصدر الذي أخذت عنه.
وشارك الشيخ رشيد في الكتابة في المنار أعلام الأمة من الأدباء والشعراء والعلماء أمثال أحمد الإسكندري وحفني ناصف ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي وحافظ إبراهيم وعبد المحسن الكاظمي ومحمد روحي الخالدي وعبد القادر المغربي وشكيب أرسلان ومحمد الخضر حسين ورفيق العظم وملك حفني ناصف وهؤلاء جميعًا كانوا يتولون قيادة الفكر وتوجيه الناس في معظم أنحاء العالم العربي.
قضاياها : عنيت المجلة فيما عنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات الشائعة في المجتمع ونشر الفكر الصحيح ونقد ما يحدث من انحرافات في الموالد الصوفية من منكرات وما يقوم به بعض الناس من التبرك بالأولياء الأموات ، وكانت المجلة شديد اللهجة قوية الخطاب في معالجة هذا الوضع واهتمت المنار بالتربية والتعليم باعتبارهما جوهر دعوة محمد عبده للإصلاح ولا يكاد يخلو عدد من المنار من مقال في هذا الموضوع ، ووقفت إلى جانب حركة تحرير المرأة في نطاق الشريعة الإسلامية وحاربت الدعوة إلى العامية واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية وهاجمت العادات السيئة التي تسربت إلينا من الغرب نتيجة الاتصال بهم في الوقت الذي نادت فيه بضرورة مسايرة أوروبا في مجال العلوم الحديثة ومباراتهم في الصناعات والاختراعات.
انتشارها : صدرت المنار والناس في شوق إلى معرفة دينهم وتطلع إلى التقدم والإصلاح فلقيت ترحيبًا حذرًا في أول صدورها وتوجست منها الدولة العثمانية لجرأتها في العرض وتناولها موضوعات جديدة فمنعت دخولها في بعض بلدانها ، غير أنها أخذت طريقها تدريجيًا إلى الناس وزاد إقبالهم عليها وكثر المشتركون فيها وانتشرت في أنحاء العالم الإسلامي وأصبحت طريقتها في الكتابة والتحرير نموذجًا تحتذيه كثير من الصحف الإسلامية ، ولم يكد العام الثاني عشر من عمرها يمر عليها إلا وتدعمت مكانتها وتبوأت ما تستحق من مكانة وتقدير وتنافس الناس في اقتناء أعدادها القديمة والجديدة وبيعت الأعداد الأولى بأضعاف ثمنها.
وامتد تأثير المجلة إلى كثير من الأقطار الإسلامية وصار لها مؤيدون ومحبون كونوا مدارس فكرية في هذه الأقطار وقد أشار إلى ذلك كتاب (وجهة الإسلام) الذي قام بتأليفه جماعة من المستشرقين على رأسهم هاملتون جب فقال : (ولم يشرق منار الإسلام على المصريين وحدهم ولكنه أشرق على العرب في بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة الأزهرية وعلى الإندونيسي المنعزل الذي ظل محافظًا على علاقاته بقلب العالم الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية .. وقد أصبح الذين اقتبسوا من نور المنار منارات صغرى في إندونيسيا بعد أن عادوا إليها).
ولم يكن استمرار مجلة المنار في الصدور أمرًا هينًا وسهلاً بل صادفت صعوبات كثيرة وأزمات مادية ومنافسة من مجلات أخرى وهجومًا من أعداء لها ضاقوا بفكرتها الإصلاحية ودعوتها التحريرية الواعية ، ولم يكن الشيخ يملك جاهًا أو سلطانًا بل كان يملك عقلاً واعيًا وقلبًا صادقًا ورغبة ملحة في الإصلاح وهمة عالية في الصبر والثبات ومواجهة الأزمات ساعده ذلك على الاستمرار في صدور مجلته وإن تعثرت أحيانًا عن الصدور شهرًا أو شهرين لكنها لم تتوقف تمامًا حتى وفاته في (٢٧ من جمادى الأولى ١٣٥٤ هـ = ٢٢ من أغسطس ١٩٣٥ م) .
بعد وفاة مؤسسها : توقفت المجلة سبعة أشهر بعد وفاة الشيخ رشيد رضا ثم أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ (بهجت البيطار) من علماء سوريا المعروفين فقام على تحريرها وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ فأتم تفسير سورة يوسف ثم توقفت المنار مرة أخرى لمدة تقترب من ثلاث سنوات ، ثم أسندت أسرة الشيخ إصدار المجلة إلى الإمام المرشد (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وكان مقدرًا للمجلة وصاحبها فأصدر العدد الأول الجديد في (غرة جمادى الآخرة ١٣٥٨ هـ = ١٨ من يوليو ١٩٣٩ م) بعد تردد.
وكان لرجوعها مرة أخرى صدى واسع عبر عنه الإمام محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر بكلمة في افتتاحية الإصدار الجديد قدم فيه حسن البنا إلى قراء المنار مشيدًا بعلمه وقدرته في مجال الدعوة الإسلامية ، وواصلت المجلة صدورها لكنه كان بطيء الخطى والمهام جسيمة على رجل مثقل بالمسئوليات مشغول بأعباء كثيرة فلم يتمكن من الاستمرار وتوقفت المجلة بعد أن صدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا وذلك في سنة ١٣٥٩ هـ =١٩٤٠ م.
مصادر الدراسة : أحمد الشرباصي : رشيد رضا الصحفي المفسر الشاعر – مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة – ١٩٧٧م ، إبراهيم العدوي : رشيد رضا الإمام المجاهد – الدار المصرية للتأليف والترجمة – القاهرة – بدون تاريخ ، أنور الجندي : إعلام وأصحاب أقلام – دار نهضة مصر – القاهرة – بدون تاريخ ، محمود منصور هيبة : الصحافة الإسلامية في مصر – دار الوفاء للطباعة والنشر – المنصورة – مصر – ١٤١٠=١٩٩٠ ، سامي عبد العزيز الكومي : الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر – دار الوفاء للطباعة والنشر – المنصورة – مصر ـ ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.

72 / صفوة العرفان
(صفوة العرفان) هو عنوان كتاب في تفسير القرآن الكريم من تأليف الكاتب الإسلامي الأستاذ محمد فريد وجدي (1875 ـ 1954 م) الذي ولد بالإسكندرية لأسرة من جذور شركسية ، وقد عمل على تحرير مجلة الأزهر وله مؤلفات ذات طابع ديني ووثائقي ومن أهم كتبه كتاب كنز العلوم واللغة وكتاب دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي وتقع في عشرة مجلدات وله كتاب رائع في السيرة اسمه السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة وله كتاب في شرح مبادئ الإسلام ورد الشبهات عنه اسمه الإسلام دين عام خالد.
وكان له نشاط سياسي واضح حيث عارض الزعيم الوطني مصطفى كامل في الذهاب إلى فرنسا بعد حادثة دنشواي 1906 م وكان يرى أن السفر كان يجب ألا يقتصر على فرنسا فحسب ولكن للعديد من الدول الأوروبية ، من أنبغ تلامذته الدكتور محمد رجب البيومي عميد كلية اللغة العربية الأسبق جامعة الأزهر وهو الذي جمع له مقالاته على هيئة مجموعة كتب وقال عنه : المسار المبهج أن نجد من علماء المسلمين العرب تترجم أكثر مؤلفاتهم إلى معظم لغات بنى الإسلام وهم : فريد وجدي طنطاوي جوهري رشيد رضا.
ويذكر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقا مدى انتفاعه بمجالس فريد وجدي الذي كان يؤمها وزائريه في منزله بعد صلاة المغرب من كل يوم حتى أفاد منها في تعرف الاتجاهات المختلفة كما فتح له أبواب الموضوعات التي تشغل أنصار الفكرة الإسلامية ليلقى عليها مزيدا من الضوء والمناقشة ثم لتكون مادة للبحث العلمي حين تنقل من الندوات إلى المجلات والكتب ، وقال عنه العقاد في كتابه رجال عرفتهم : هو فريد عصره غير مدافع.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد فريد بن مصطفى وجدي مؤلف (دائرة المعارف) من الكتاب الفضلاء الباحثين ولد ونشأ بالإسكندرية وأقام زمنا في (دمياط) وكان أبوه وكيل محافظ فيها وانتقل معه إلى السويس فأصدر بها مجلة (الحياة) ونشر رسالة له سماها (الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان) سنة ١٨٩٩ وكتاب (تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية) كتبه أولا باللغة الفرنسية وترجمه إلى العربية بهذا الاسم وسماه في طبعة أخرى (المدنية والإسلام) ، وسكن القاهرة فعمل في وظيفة صغيرة بديوان الأوقاف ، أنشأ بعدها مطبعة أصدر بها جريدة (الدستور) اليومية مدة ثم (الوجديات) وهي شبه مجلة أسبوعية ونشر كتابه (دائرة معارف القرن الرابع عشر ـ العشرين) في أجزاء متتابعة اكتملت في عشرة مجلدات.
وعكف على المطالعة والتأليف فنشر من كتبه ما وراء المادة (في جزءين) ، وصفوة العرفان (وهو تفسير موجز للقرآن) والحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية ، والمرأة المسلمة (في الرد على المرأة الجديدة) لقاسم أمين) ، والإسلام في عصر العلم (مجلدان) وكنز العلوم واللغة (وهو من أنفس كتبه) ، وعلى أطلال المذهب المادي ، ومجموعة الرسائل الفلسفية ، وكتاب المعلمين ، ونقد كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين ، وتولى تحرير مجلة (الأزهر) نيفا وعشر سنين واعتزلها قبل وفاته بنحو عامين مخلدا إلى الراحة وكان مترفعا عن غشيان المجالس العامة قلما يُرى في حفل أو مجتمع يأنس بزوّاره في بيته وقل أن يزور أحدا أو يجيب دعوة وتوفي بالقاهرة “.
وقد جاءت تفصيلات عن التفسير في كتاب التفسير والمفسرون في العصر الحديث للمؤلف فضل عباس حسن الذي يقول : ” كتب الأستاذ محمد فريد وجدي تفسيرين للقرآن الكريم الأول : (صفوة العرفان في تفسير القرآن) ١٣٢١ هـ ، وبعد عامين أتبعه بتفسير آخر سماه : (المصحف المفسر) وبينهما تشابه كبير وكلاهما موجز ووضع لكل تفسير مقدمة ، كانت موجزة في (المصحف المفسر) أما (صفوة العرفان في تفسير القرآن) فجعل له مقدمة فلسفية كبيرة امتازت بقوة التعبير ومتانته وحسن السَّبْك والصياغة ولِمَا تضمّنته من فوائد عظيمة ومعاني عميقة آثرتُ أن أوجزها هنا حتى لا تفوت الفائدة على القارئ وبعد ذلك سنتحدث عن منهجه في التفسير.
أولًا : مقدمة (صفوة العرفان) : هذه المقدمة وضعها ليصل إلى مرمى وغاية هي دراسة الحوادث الجليلة التي قلبت شكل العقول والأفكار وبدلت الأرض غير الأرض والأمم غير الأمم ، لذا بدأ بإيراد موجز عن فلسفة الأديان والأدوار التي يمر بها الإنسان من حيث الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها وعلاقة ذلك بالجهل والعلم والحضارة والبداوة وغير ذلك من الأسباب الأدبية والمادية ليستطيع أن يجلي مركز القرآن للأذهان ويظهر مقامه العالي بين مؤثرات العمران.
بدأ ببيان حال العرب حين نزل القرآن فقد كانوا على أدنى الحالات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية من تشتتٍ وتنازع واشتغال بالحروب والغارات وخشونة الملبس والمسكن وجهل بالمعارف الإنسانية وكيف نهضت الأمة نهضة الأسد حين نزل القرآن وصارت أمة الأمم وحيل بين القرآن والمسلمين اليوم فتقهقرت الأمة ونزلت إلى الحضيض وكيف جعل المسلمون اليوم قراءة القرآن لمحض التبرك في المنازل وللتحزن في سهرات المآتم والاهتزاز للنغمات دون السبح في معانيه العالية والسبب في بعد المسلمين عن القرآن هو عدم فهم مراميه العالية ومغازيه السامية من جرّاء العجمة التي طرأت على لغتنا.
هذه الحاجة الشديدة دفعته لوضع تفسير للقرآن الكريم مستمد من كتب التفاسير المعتبرة لا باللفظ ولكن بالمعنى الحقيقي ليتمكن من وضع المعنى في أبسط وأرق القوالب العربية العصرية التي اعتادها الناس كما يقول ، جاء بموجز عن فلسفة الأديان وما هو الدين تحدث فيه عن مبدأ التدين والباعث الطبيعي على العقيدة وهو ما يجيش في صدر الإنسان من شعور حين يجيل نظره في الكون وعظمته وحين تتبين له حقارة شخصه فيقر بعجزه واحتياجه المطلق لملجأ يلجأ إليه وفقره لقوي يهبه قوته ورحيم ينشر عليه من إفاضات رحمته.
ثم شرع في تعداد مظاهر عظمة خلق الكون وما فيه من عجائب وأن الإنسان كلما ازداد بالكون علمًا ازداد إحساسًا بجهله واحتياجه لمن يأخذ بيده هذا هو الدين الفطري ، بعد ذلك بيّن أن للإنسان مطالب روحانية لا تقل عن المطالب المادية هذه المطالب الروحانية تتجاوز الكون المحسوس والركون لمموهات هذه الأشياء الأرضية إلى إحساس سماوي ليس من طبيعة الجبلة الحيوانية وكل حادثة من حوادث الحياة توقظ هذا الشعور كالمرض والحزن والمصائب في النفس والأهل والمال التي تُشعِرُه بحاجته إلى ركن يعتصم به وإلى ملاذ يلوذ إليه ليجد أشفق المسلين له في مصائبه وأرأف المعزين له في نوائبه.
وتحت عنوان (الإنسان تتمة الإبداع الإلهي) تحدث عن إدراك الإنسان لحقيقة ذاته وهي ما يملكه من مواهب سامية وقدرات عالية واستعداده لبلوغ كل ما يتصور من الكمال والرفعة في عالم الممكنات ويلزم من إدراكه لهذه الحقيقة أن يرتدع عن الإيغال في سفاسف الأمور وأن يمتنع عن الاسترسال في الخسائر ، ثم ذكر أن الإنسانية مرّت من حيث الإيمان بأربعة أدوار مهمة وذلك تحت عنوان (الإيمان في خلال القرون) ولكل دور مميزات ولوازم خاصة أما الدور فهو دور الفطرة الأولى حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق ، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة إلى قبل بعثة المسيح بقرون لا يمكن تحديدها بالضبط.
أما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة ، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية وسبر مساتير المجاهيل الوجودية ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية ، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية ، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه ، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.
أما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر ، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية وتحقق الفوز للحزب الأول وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند بني هذا الدور بحيث عُدّت التعاليم الإلحادية من الأفكار الواجبة الاعتبار والاحترام ، أما الدور الرابع فهو دور الفطرة وهو الدور الذي نحن فيه ويمتاز بمحاولة النوع الإنساني فيه الرجوع إلى دينه الفطري البعيد عن مظان الشبه ، ثم بدأ يفصّل هذه الأدوار دورًا دورًا “.
وعن منهجه العام في الثقافة الإسلامية وطبيعته الشخصية كتب عن ذلك الدكتور منيع عبد الحليم محمود في كتابه مناهج المفسرين فقال : ” تفسير محمد فريد وجدى .. مفسرنا هو الاستاذ الجليل محمد فريد بن مصطفى وجدى من أعلام العصر الحديث ومن مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الصحافة ، برز نشاطه في كل مجال من المجالات وثبتت أقدامه على طريق الحياة الطويل في دنيا الفكر والتأليف الذى قضى فيه ما يزيد على الخمسين عاما.
ولد الاستاذ وجدى بمدينة الاسكندرية وانتقل منها إلى دمياط فأمضى بها فترة الشباب ثم انتقل إلى السويس فأصدر بها مجلة الحياة ثم انتقل إلى القاهرة فأنشأ مطبعة في حياة البحث والتأليف حتى انتهت به الحياة ، كان حار الدفاع عن الحق شديد التمسك بما يعتقده صوابا سلس الأسلوب واضح الفكرة بعيدا بهدفه فى الحياة.
ولقد تحدث عن العوامل التى أثرت فى فكره ورسمت معالم شخصيته فقال : كنت فى سن السادسة عشرة طالبا بالمدرسة التحضيرية وكان أبى (مصطفى وجدى) موظفا فى الحكومة المصرية وحدث أن اختير وكيلا لمحافظة دمياط، فكان لا بدّ من انتقالى مع عائلتى إلى هذه المدينة التى اشتهر أهلها الدماثة لا خلاق والتفقه فى الدين.
ولما نزلنا هذه البلدة مع أبى أقبل علماؤها وكبار أهلها يرحبون به فكان يجتمع فى دارنا عدد كبير منهم وكنت إذا ناقشت أحد العلماء فى مسألة تتعلق بالكون والخلق أسرع إلى قفل باب المناقشة وأمرنى الا أخوض فى المسائل الدينية أو أبدى فيها رأيا فامتعضت لذلك وقلت فى نفسى : لا بدّ أن يكون ما يدرسونه من الكتب عقيما ومن هنا تزلزلت عقيدتى وشرع الشك يتسرب إلى نفسى حتى صرت لا أرتاح إلى رأى واحد يتضمنه كتاب ولا انتصر على فكرة معينة يجتهد بعض العلماء فى اثباتها بما أدلى من قوة الحجة وساطع البرهان.
وجعلت أتناول بالقراءة والدرس جميع الكتب الدينية والكونية والاجتماعية وسائر ما يتعلق منها بعلم النفس وأكببت على ذلك عدة سنين فاكتسبت علما غزيرا واتسع أمامي نطاق الحياة وجال نظري فى الكائنات جولات أفادتني فيما أتناوله بالحديث والدرس حتى صرت لا أقتنع بفكرة دون أن أعتنى بدرسها وتمحيصها معتمدا فى ذلك على تجاربى الذهنية التى مرت بى ، وقد أفادنى هذا استقلالا فى الفكر واعتمادا على النفس ورغبة فى استيعاب ما يقع بين يدى من الكتب على اختلاف أنواعها بمصر كما افادنى دقة فى البحث حتى ازال الشك عنى وارتاحت نفسى إلى عقيدة ثابتة.
وبدأ طريق الحياة العلمية الجادة على أسس قوية من العقل والروية والتفكير وفى سنة ١٩٠١ م اصدر كتابه (الاسلام فى عصر العلم) وهو كتاب فى جزءين مناسبين فى وضوح أن الاسلام حث على العلم وأشاد به ودفع المسلمين إليه وأنه لا تعارض مطلقا بين الاسلام والعلم وما وصل إليه العلم فى العصر الحاضر من آفاق مادية وحضارة صناعية فإن ذلك كله لا يتعارض منه شىء مع الاسلام بل أن ذلك كله يؤيده الاسلام وكلما تقدم العلم كان تأييدا للإسلام ، وتفرغ للبحث والتأليف فغطى الصحف اليومية الشهيرة بمقالات وبحوث ، ومن أبرز هذه الصحف : الاهرام ، والجهاد ، ثم اشتغل بتحرير مجلة الأزهر وظل رئيسا لتحريرها حتى وافاه الموت فى فبراير سنة ١٩٥٤ م سنة ١٣٧٣ هـ.
والناظر فى حياة مفسرنا الجليل يجد أن نشاطه العلمى كان يمثل تيارا دافقا بالحياة وأنه قضى حياته الطويلة يدافع عن اهداف محدودة يوضحها ويشرحها ويدفع عنها كل تحريف أو اتهام وهذه الاهداف هى الاسلام والدين والروحية ، ولعل أهم ما شغل فكره وظهر فى نتاجه الكبير قضية الروحية والمادية والدفاع عن الروحية تجاه المادية واقامة الادلة على الروح وما إلى ذلك مما هو نابض فى كل مؤلف من مؤلفاته.
ولقد استطاع تطويع اللغة العربية للتعبير عن النواحى الفلسفية والافكار العلمية بأسلوب بارع رشيق حتى لقد صاغ بعض أفكاره ومناقشاته فى صورة مقامات كمعلقات بديع الزمان الهمذانى ومقامات أبى القاسم الحريرى وغيرهم وقد جمعت تلك المقامات فى كتاب باسم الوجديات ، وقال فى مقدمته بعد أن ذكر بعض من كتب بهذا الاسلوب من الادباء والعلماء فرأينا أن نحتذى مسالكهم ونترسم خطواتهم بوضع مقامات أدبية ترمى لاغراض تعليمية وزدنا على متقدمينا بأن جعلنا الصفة الفلسفية فيها تغلب على سواها حرصا منا على الغرض الرئيسى الذى حدانا لنشرها.
ويبين غرضه من تأليفها فيقول : تصوير مثل عليا للحياة الفاضلة وامداد النفوس بالقوى الادبية الضرورية لها ، وقد أثمر كفاحه العلمى الطويل عدة مؤلفات قيمة من ابرزها : دائرة معارف القرن العشرين فى عشرين مجلدا وأتمها فيما يقرب من ثلاث سنين وهو عمل تنوء به طائفة كثيرة من العلماء ولكنه يدل على هذه العزيمة القوية النادرة التى تحلي بها وجدى وعلى ما تحلى به أيضا من تنظيم دقيق لوقته وعلى ما تحلى به من ذاكرة واعية لما يقرأ ومن حسن تصرف فيما يقرأ وقدرة على الانتفاع به إلى أكبر مدى من الانتفاع.
السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة وهو كتاب جميل حاول به فريد وجدى أن يقرب حقائق السيرة إلى اذهان شبابنا وأن يحببهم فيها ليتخذوها مثلا أعلى يحتذونه وهذا هدف شريف ولقد قام به فى أسلوب رصين وفى دراسة تتسم بروح العصر وبأسلوبه ، الاسلام دين عام خالد بين فيه الاسس والاصول والمبادئ التى قام عليها الاسلام فى صورة من الاسلوب الرائع والعرض السهل ، نقد كتاب فى الشعر الجاهلى للدكتور طه حسين.
فضلا عن العديد من الابحاث والمقالات فى كثير من الجرائد والمجلات ، وقد ترجم كتاب على اطلال المذهب المادي وهو إن كان ترجم اجمل وأدق ما تكون الترجمة فإنه احتوى على كثير من آراء فريد وجدى الشخصية تعليقا وشرحا بل ان الكتاب كله يمثل رأى فريد وجدى نفسه وتسرى روحه فى كل جزء منه ، وكان تفسيره صفوة العرفان فى تفسير القرآن المعروف بالمصحف الميسر من أعماله السامية.
ملامح من حياته : عاش وجدى ما يزيد على خمسة وسبعين عاما قضى أكثرها فى البحث والتأليف وقد امتاز فى حياته بالجدية ومتانة الخلق ووضوح الهدف والتأني فى تحقيقه ، حكى الاستاذ العقاد أنه عطل جريدة الدستور لعسر حالته وباع آلاتها لتسديد أجور العمال مليما بمليم ورفض فى نفس الوقت عرضا سخيا من حكومة تركيا الفتاة ليكون لسان حالها وناشرا لأفكارها فى بلاد الشرق.
وكان معتنيا بصحته مراعيا لسلامة الجسم والنفس عاملا بما يقول : نموذجا طيبا بسلوكه كما كان نموذجا طيبا فى تفكيره وتأليفه وكان نباتيا ، وكانت وفاته بعد حياة حافلة ١٩٥٤ سنة ١٩٧٣ هـ بمصر ، ولقد دخل فريد وجدى فى الحياة الفكرية الاسلامية فى عصره دخولا حكيما لقد درس مشكلات العصر وكتب فى الكثير منها كتابات مستفيضة سواء تعلقت بإصلاح المجتمع أو المسائل الفلسفية أو أو الجوانب الروحية.
ولقد اضطره ذلك إلى أن يدخل فى جدل مستفيض مع الذين يرى أنهم ليسوا على الحق لقد دخل فى جدل طويل مع المرحوم الشيخ رشيد رضا واستمر النزاع بينهما فترة طويلة من الزمن ودخل فى جدل مع المرحوم الشيخ عبد الواحد يحيى الذى كان يرى أن تحضير الارواح تعامل مع الجن أو مع كائنات أخرى من كائنات لا صلة لها بالأرواح حقيقة وثار نزاع ونقاش بينهما فى المجلة التى كانت تصدر فى سنة ثلاثين بعنوان (المعرفة).
ولم يهدأ فريد وجدى طيلة حياته بحثا وعرضا لآرائه ومناقشة لخصومه وبيانا لوجهة نظره التى يرى أنها الحق ، وكان من عاداته الجميلة أنه كان يستقبل زائريه كل ليلة فى بيته بعد صلاة المغرب مباشرة إلى وقت صلاة العشاء يجيب عن استفساراتهم ويوضح مشكلاتهم ويبين الحق فيما يثور من جدل فى الصحف والمجلات ، ولو قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الجلسات من سجلها لأبانت عن كثير من الحقائق فى مسائل مختلفة من العلم والاجتماع.
وبعد ، فان فريد وجدى يقول : يجب على أن أنبه إلى أنى استخلصت هذا التفسير من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين وأقطاب أهل السنة فلم أخرج به عن سنتهم قيد شعرة ليوافق مذهبا من المذاهب أو يؤيد رأيا من الآراء الفردية ولو اضطرنى الكلام ببعض الآيات على أن أورد لى أو لاحد من غير أهل السنة نبهت إليه وعزوته لقائله حتى يكون القارئ على بينه من أمره.
وهذا النهج الذى أتبعه فريد وجدى هو النهج المستقيم الذى يجب اتباعه فيما يتعلق بالتفسير ، والمنهج الذى ذكره وجدى للتفسير حاول تحقيقه خصوصا فيما يتعلق بسهولة التعبير ويسر الشرح والعناية بمعاني الألفاظ وكل صحيفة من القرآن فى هذا التفسير يحيط بها هامشان أحدها للمعنى والآخر للألفاظ وخير لهذا التفسير أن نأتي بصحيفة كاملة من القرآن الكريم توضح لنا فى صورة دقيقة منهجه وطريقته ، وقد طبع هذا التفسير عدة طبعات وظن الناس أن فريد وجدى لم يقم فى تفسير القرآن وبيان اهدافه إلا بهذا الكتاب الذى بين أيديهم.
وهذه الفكرة ليست بصواب وهى تصوير خطأ لعمل فريد وجدى فى تفسير القرآن وذلك أن فريد وجدى قبل أن يفسر القرآن كتب مقدمة مستفيضة تعتبر وحدها كتابا نفسيا ، بين هذه المقدمة المستفيضة ما يستفيض فيه الباحثون من مسائل القرآن كالبعث مثلا والجنة والنار والألوهية والنبوة يقول فريد وجدى عنها : هذه المقدمة طبعها فريد وجدى من عشرات السنين ونفدت طبعتها من زمن بعيد ولم يطبعها الذين طبعوا المصحف المفسر فاعتقد الناس أن هذا هو العمل الوحيد لفريد وجدى فيما يتعلق بتفسير القرآن.
والواقع أن هذه المقدمة ضرورية لكل قارئ لتفسير وجدى وأنها هي والتفسير عمل متكامل ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدور الطابعين لهذا التفسير لطبع المقدمة معه في الطبعات التالية ، أما ما يؤخذ على تفسير وجدى وعلى وجدى نفسه فهو أن صلته بالحديث لم تكن وثيقة ومن أجل ذلك نجد في كتاباته من آن لآخر وعلى قلة الأحاديث الضعيفة وكنا نتمنى أن لو كانت صلته بالحديث أوثق ، كما أنه لم يخل فى كتاباته من أن يوطئ بعض النواحى الدينية للتيارات الفلسفية فيحاول فى رفق شرحها بحسب الوضع الفلسفى والوضع الفلسفى وضع بشرى لا يثبت على حال “.

73 / زهرة التفاسير
(زهرة التفاسير) هو عنوان كتاب في تفسير القرآن الكريم من تأليف واحد من أعلام المحلة الكبرى في العصر الحديث وهو فضيلة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة ، وهو نجل الشيخ أحمد أبو زهرة من شيوخ المحلة وحفيد الشيخ مصطفى أبو زهرة الششتاوي صاحب الضريح المعروف في المسجد الجامع المسمى باسمه في منطقة الششتاوي بجوار مقابر الشهداء ، وتسمى باسمه قديما فرع النيل الأساسي للمدينة قبل أن يردم (بحر الششتاوي) ومكانه الآن شارع سعد زغلول.
ولد الشيخ محمد في عام 1898 م ودرس في المحلة ثم انتقل منها إلى المعهد الأحمدي في طنطا والتحق بعدها بمدرسة القضاء الشرعي حيث قضى فيها ثمانية أعوام من 1916 م وحتى 1924 م ليتخرج منها حاصلا على شهادة العالمية في القضاء الشرعي ثم التحق بكلية دار العلوم لإكمال دراسة اللغة العربية في عام 1927 م وعين بعدها للتدريس في المدارس الثانوية ثم في كلية أصول الدين جامعة الأزهر.
بعد ذلك انتدب إلى كلية الحقوق جامعة القاهرة لتدريس مادة الخطابة (وهي من أهم الفنون اللازمة للمرافعات) ثم أضيف إليه تدريس مادة الشريعة الإسلامية وتدرج في المناصب حتى عين رئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بالكلية واستمر في ذلك حتى تقاعده في عام 1958 ثم انتقل بعد ذلك إلى مجمع البحوث الإسلامية ومعهد الدراسات الإسلامية واستمر فيهما حتى وافته المنية في عام 1974 م.
وهو واحد من أهم الباحثين في مجال القانون والتشريع خاصة في مجالات العقود والأوقاف والوصية والتركات والأحوال الشخصية والملكية الخاصة حيث صارت أبحاثه من أساسيات القوانين المصرية ، كما صدر له عدد من المؤلفات في تاريخ المذاهب الإسلامية وسلسلة تراجم كبار الفقهاء ومذاهبهم وآرائهم وكذلك كتابات في التشريع والقانون والعلاقات الدولية وتاريخ الخطابة وفنونها.
وختم حياته بكتابة السيرة النبوية تحت عنوان (خاتم النبيين) واستنبط منها أهم آرائه المعروفة في السياسة الشرعية حيث قرَّر أنَّ القرآن أمَر بالشورى ولذا يجب أنْ يُختار الحاكم المسلم اختيارًا حرًّا فلا يتولَّى أي سلطان حاكمًا إلا بعد أنْ يُختار بطريقة عادلة وأنَّ اختيار الحكام الصالحين هو السبيل الأمثل لوقاية الشريعة من عبث الحاكمين وكل تهاون في ذلك هو تهاونٌ في أصل من أصول الإسلام.
وقد جاءت ترجمته الكاملة في مقدمة تفسيره نقلا عما كتبه هو بنفسه وجاء فيها : ” تعريف بالإمام الجليل محمد أبو زهرة .. هذا التعريف مأخوذ أساسا مما كتبه فضيلته بنفسه بناء على طلب أحد طلاب العلم من باكستان متقدما برسالة لنيل درجة الدكتوراه عن الإمام أبو زهرة ، ولد الإمام محمد أحمد مصطفى أبو زهرة في مارس سنة ١٨٩٨ م في مدينة المحلة الكبرى إحدى مدن محافظة الغربية.
حفظ القرآن الكريم في صدر حياته في الكُتَّاب إذ هو من أسرة دينية تنتسب إلى ولي من أولياء الله هو الشيخ مصطفى أبو زهرة الشهير بالششتاوي الذي يزار ضريحه بمسجده ببلدة شيشتا في مدينة المحلة الكبرى ووالده هو الشيخ أحمد مصطفى أبو زهرة مشهور بالصلاح والالتزام بالدين الحنيف ومكارم الأخلاق ووالدته حافظة للقرآن الكريم وكانت تراجع معه ما حفظ قبل الذهاب إلى الشيخ في الكتاب ، وتميز عن إخوته وأخواته بحفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز التاسعة من العمر ولأنه كان ذا حافظة قوية سريع البديهة فلم ينل من قسوة أستاذه بالكتاب إلا قليلا.
كانت الأسرة من متوسطي الحال يظنها الناس من الأثرياء اشتهرت بالعلم والذكاء ، وقد نبغ منها شقيقه الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد أبو زهرة منشئ ورئيس قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) وأيضا الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة لندن بإنجلترا ، بعد حفظ القرآن الكريم تعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضيات التي كان شديد الولع بها والجغرافية والفلسفة مع العلوم العربية.
التحق في سنة ١٩١٣ م بالجامع الأحمدي بطنطا ومكث فيه ثلاث سنين وفي هذه الفترة ابتدأ نبوغه وتفوقه يظهر حتى أن شيخ الجامع وهو الشيخ الأحمدي الظواهري الذي صار شيخا للأزهر اقترح أن يمنح مكافآت خاصة لامتيازه كما اقترح بألا يمكث في طلب العلم الأزهري خمسة عشر عاما كما كانت المدة المقررة بل إن مثله يصح أن يتجاوز سنين عدة في سنة واحدة ولم يتم تنفيذ هذا القرار لصعوبته قانونيا ولانتقاله إلى مدرسة القضاء الشرعي.
التحق في سنة ١٩١٦ بمدرسة القضاء الشرعي بعد امتحان مسابقة كان فيها من الأوائل ، وتكوينه العلمي الحقيقي كان في هذه المدرسة التي أنشأها سعد باشا زغلول في وزارة المعارف على أن تكون عالميتها من درجة أستاذ وعهد بإدارتها إلى رجل عظيم هو عاطف باشا بركات ، ومن وقت أن دخل المدرسة كان ينظر إليه ناظرها عاطف باشا بركات نظرة اهتمام وتشجيع وقد مكث فيها تسع سنين أربعة في القسم الثانوي وخمسة في القسم العالي وفيها اتسعت آفاقه الفكرية ولما تخرج منها ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ عام ١٩٢٥ كون لنفسه منهجا فكريا في فهم الشريعة وتفسيرها وكلما تعمق فيها ازداد إيمانا بها.
في ذلك الحين كان قيام ثورة (١٩١٩ م) فوقف على الكثير من دقائق أحداثها ووقائعها وأحب سعد باشا زغلول وتعلق به وكان حريصا على حفظ خطبه وترديدها ، أخذ دبلوم دار العلوم من الخارج سنة ١٩٢٧ م وفي هذه السنة عين مدرسا للشريعة واللغة العربية بتجهيزية دار العلوم والقضاء الشرعي لمدة ثلاث سنين ثم انتقل بعد ذلك إلى التدريس في المدارس الثانوية العامة لمدة سنتين ونصف.
انتقل في أول يناير سنة ١٩٣٣ م إلى كلية أصول الدين مدرسا للجدل والخطابة فيها ثم تاريخ الديانات والملل والنحل وفيها أخرج أول مؤلفاته كتاب الخطابة وكتاب تاريخ الجدل ثم كتاب تاريخ الديانات القديمة ثم كتاب محاضرات في النصرانية الذي ترجم إلى عدة لغات ، في ٢ نوفمبر ١٩٣٤ م نقل مدرسا للخطابة بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) مع بقائه بالانتداب في كلية أصول الدين التي استمر بها إلى يونيو سنة ١٩٤٢ م وارتدى الزيَّ الأزهرى.
في سبتمبر سنة ١٩٣٥ م انتقل من تدريس اللغة العربية إلى تدريس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) متدرجا في مراتبها من مدرس إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ كرسي إلى رئيس قسم الشريعة ووكيلا لكلية الحقوق جامعة القاهرة لمدة خمس سنوات انتهت ببلوغه سن التقاعد سنة ١٩٥٨ واستمر في التدريس بكلية الحقوق كأستاذ غير متفرغ وفي غيرها حتى توفاه الله عام ١٩٧٤ م ، وقد تولى التدريس في كلية المعاملات والإدارة بجامعة الأزهر سنة ١٩٦٣ م وكذلك معهد الخدمة الاجتماعية وغيره من المعاهد.
وقد اشترك في إنشاء وتولى التدريس ورئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بمعهد الدراسات الإسلامية ومعهد الدراسات العربية العالي التابع لجامعة الدول العربية ، واشترك في إنشاء جمعية الدراسات الإسلامية ، واختير عضوا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في سنة ١٩٦١ م ومقررا للجنة بحوث القرآن ولجنة المتابعة ولجنة السنة المطهرة وشيخا في لجان التقنين للمذهبين الحنفي والشافعي ، كان أيضا عضوا بمجلس جامعة الأزهر والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ومعهد البحوث الجنائية والاجتماعية والمجلس الأعلى للفنون والآداب ومجلس محافظة القاهرة.
صفاته (سعة علمه ومبدؤه) : كان رحمه الله أبيض اللون جهير الصوت شديد الذكاء سريع البديهة منظما وحر الفكر راجح العقل شديد الإيمان بما يقول مستقل الرأي لَا يخشى في قول الحق لومة لائم ويمزج في محاضراته العلم الجاد الوقور بالدعابة الحلوة الخفيفة ، كان رحمه الله عالما متبحرا في الفقه وأصوله وفي علوم القرآن وتفسيره وخطيبا مفوها وأصوليا متعمقا ومجتهدا يقرع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق لَا يشق له غبار يسعى دائما لتقديم الجديد والفريد للمكتبة العربية والإسلامية رافضا أن تكون كتاباته تردادا لأقوال الآخرين لما عرف عنه من اعتزازه بنفسه وبغضه لسيطرة الآخرين بغير حق.
كان رحمه الله يعيش للمبادئ ويكافح من أجلها يناضل لعقيدة يحيا فيها ويعيش لها يعلن رأيه ويجمع الناس عليه فقد كان فقيها في مقدمة الفقهاء ورائدا تقدم القافلة وقد تشابهت أمامها السبل المتباينة ، وقد عرض عليه البقاء والعمل بالخارج فقال : (إن وجودي في مصر هنا يؤدي واجبا أرى أنه أصبح بالنسبة لي أشبه بفرض العين فأنا على ثغر من ثغور الإسلام يتأثر بها أي بلد عربي وأي بلد إسلامي فمصر هي العقل وهي القلب وهي الأزهر) فكان رحمه الله بحرا زاخرا وفيضا فياضا ورائدا عاش حياته حاملًا اللواء يمزج بين العلم والشجاعة ومن هنا كثر رواده وعظم قصاده وقيمة العالم بما خَرَّج من تلامذة علماء أوفياء في جميع أنحاء العالم وبما أثرى المكتبة العربية والإسلامية من مراجع علمية.
المؤلفات والبحوث : بجانب أشهر المؤلفات والموسوعات الإسلامية التي تزيد عن الأربعين فقد كانت له الكثير من البحوث في العديد من المجلات العلمية والاجتماعية مجلة القانون والاقتصاد ومجلة المسلمون ومجلة حضارة الإسلام ومجلة القانون الدولي وكتاب أسبوع الفقه الإسلامي وكتاب أسبوع القانون والعلوم السياسية ومجلة الأزهر ومجلة العربي والعديد من المجلات بمختلف الدول العربية ، وكذلك عدد لَا يحصى من الأحاديث الصحفية كان يرد بها على المهاجمين للإسلام وللدفاع عن قوانين الأحوال الشخصية.
أما في مجلة لواء الإسلام الشهرية لصاحبها أحمد باشا حمزة فكانت للإمام أبو زهرة أربعة أبواب ثابتة هي : تفسير القرآن الكريم ، ومقال اجتماعي ، وندوة لواء الإسلام ، وباب الفتاوى للرد على أسئلة القراء ، هذا على مدى ما يقرب من الأربعين عاما فيما لَا يقل عن أربعة آلاف صحيفة.
كان لفضيلة الإمام نشاط واسع في محاضرات وندوات عامة في مختلف الجمعيات الاجتماعية والإسلامية العامة والخاصة داخل مصر وخارجها ، لفضيلة الإمام العديد من الأبحاث ألقيت في المؤتمرات والندوات الدولية التي حضرها مثل : حلقة الدراسات الاجتماعية التي انعقدت في دمشق ١٩٥٢ م – مؤتمر الندوة الإسلامية الذي عقد في لاهور (باكستان) في الفترة من ٢٩/ ١٢/ ١٩٥٧ إلى ١٣/ ١ / ١٩٥٨ – مؤتمر الخبراء الاجتماعيين الذي انعقد عدة مرات بالقاهرة وانعقد بالكويت عام ١٩٥٨ – مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالجزائر عام ١٩٦٩ ثم بالمغرب عام ١٩٧١ ثم بالقاهرة عام ١٩٧٣.
هذا بخلاف المحاضرات والندوات خلال زيارات فضيلة الإمام لدول السودان والكويت والجماهيرية الليبية والجزائر وسوريا وغيرها ، قام العديد من الباحثين بعمل رسائل ماجستير ودكتوراه عن الإمام محمد أبو زهرة في باكستان والهند وسائر البلاد الإسلامية كما ترجمت له العديد من المؤلفات.
أشهر مؤلفاته وكتبه : الخطابة ، تاريخ الجدل ، تاريخ الديانات القديمة ، محاضرات في النصرانية ، محاضرات في الوقف ، محاضرات في عقد الزواج وآثاره مقارنة بين المذاهب الفقهية والقوانين العربية ، أصول الفقه ، أحكام التركات والمواريث ، الجريمة في الفقه الإسلامي ، العقوبة في الفقه الإسلامي ، الميراث عند الجعفرية ، أصول الفقه الجعفري ، الأحوال الشخصية ، الإمام زيد حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام الصادق حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام مالك حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام الشافعي حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام أحمد بن حنبل حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام ابن حزم الأندلسي حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام ابن تيمية حياته وعصره آراؤه وفقهه.
تاريخ المذاهب الإسلامية جزءان في مجلد واحد ، المعجزة الكبرى (القرآن) ، خاتم النبيين ثلاثة أجزاء في ثلاثة مجلدات ، الملكية ونظرية العقد ، شرح قانون الوصية ، الدعوة للإسلام ، الولاية على النفس ، العقيدة الإسلامية ، المجتمع الإنساني في ظل الإسلام ، التكافل الاجتماعي في الإسلام ، العلاقات الدولية في ظل الإسلام ، تنظيم الإسلام للمجتمع ، تنظيم الأسرة وتنظيم النسل ، بحوث في الربا ، الوحدة الإسلامية ، نظرية الحرب في الإسلام ، مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني ، بحث في قانون الأسرة نشر بكتاب عن الفقه الإسلامي بنشرة معهد واشنطن للقوانين الدولية ، بحث في السياسة الإسلامية نشر في مجلة القانون الدولي المصرية ، نظرات في العبادات الإسلامية ، تفسير القرآن الكريم (زهرة التفاسير) حتى الآية ٧٣ من سورة النمل.
وفاته : عقد الإمام محمد أبو زهرة في أواخر عام ١٩٧٣ وأوائل عام ١٩٧٤ العديد من الندوات والاجتماعات بجامعة القاهرة والإسكندرية وفي جمعية الشبان المسلمين لمحاربة التعدي على الشريعة الإسلامية ، وكانت له صولات وجولات في مجمع البحوث الإسلامية والأزهر بخصوص تحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق في مشروع قانون الأحوال الشخصية لوزارة الشئون الاجتماعية، وقرر فضيلة الإمام رحمه الله إقامة مؤتمر شعبي لمناقشة هذا الأمر في سرادق كبير في شارع العزيز بالله أمام منزله بضاحية الزيتون أقامه الإمام رحمه الله على نفقته الخاصة ، وقام فضيلته بمعاينة المكان وإنشاء السرادق مبكرا في صباح يوم الجمعة ١٢/ ٤/ ١٩٧٤ ثم عاد إلى حجرة المكتب بالدور العلوي وشرع في إكمال تفسير سورة النمل حتى أذان الظهر.
وأثناء نزول فضيلته حاملا القلم والمصحف مفتوحا على آخر ما وصل إليه في التفسير وأيضا الورق الذي به ما كتب من التفسير تعثر رحمة الله عليه وسقط ساجدا على المصحف وعلى أوراق التفسير ثم فاضت روحه الكريمة إلى بارئها أثناء أذان المغرب وهكذا شاءت إرادة الله العظيم أن يكون هذا السرادق الذي أشرف فضيلته على إقامته لمؤتمر شعبي هو سرادق العزاء للإمام ، رضي الله عن شيخ مشايخ عصره، الإمام محمد أبو زهرة وأرضاه وأسكنه فسيح جناته وأجمل فراديسه وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا “.
وقد استهل الشيخ تفسيره بمقدمة قال فيها : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا والصلاة والسلام على محمد النبي الأمي الذي بُعث رحمة للعالمين وسراجًا منيرًا وعلى آله وأصحابه الذين قبسوا من نوره وجمعوا القرآن وحفظوه ليكون حجة الله تعالى القائمة إلى يوم الدين وتحقيقًا لقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
أما بعد ، فمنذ كنت طالبًا أشدُو في طلب العلم وأنهل من معارفه على قدر طاقتي وأنا أتَشَوَّف لمعرفة القرآن الحكيم وأتعرف أسرار بيانه ومعانيه وأرى أن علمه هو الشريعة وأنه ما ترك صغيرة ولا كبيرة منها إلا أحصاها وأن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – علَّم الناس علمه وبينه وأحكم بيانه وحكم به بين الناس وأظهر برهانه فهو برهان الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكم برْهَانٌ مِن رَبِّكِمْ) وهو الحق الذي لَا ريب فيه وهو حكم الله تعالى لَا يأتيه الباطلِ من بين يديه ولا من خلفه فقد قال تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
ولقد كانت أمنيتي العلمية أن أكون قريبًا منه دائما وكنت أراجع الكتب التي تصدت للتعريف بمعانيه موجزها ووسيطها ومبسوطها قديمها وجديدها مؤمنا بأن علمه هو علم الإسلام بل هو علم النفوس البشرية وأسرار الوجود وأنه علم النبوة الإلهية في مختلف العصور ، ولما شرفنا الله تعالى بتدريس العلوم العربية والشرعية كان أول دروسنا في تعرف معاني القرآن فكان ذلك يمنًا وبركة وإشعارًا بتوفيق الله تعالى لنا في مستقبل أعمالنا.
ولكنا شُغِلْنَا عن تفسير القرآن بدروس إسلامية أخرى وإن كنا لم ننقطع عن القرآن وإن كان ذلك في أوقات قصيرة فكلما دعينا لمحاضرة عامة جعلنا القول في علم القرآن غايتنا فكنا نعود إليه الفينة بعد الفينة حتى دعتنا مجلة دينية كانت لها مكانتها ولصاحبها مكانة من تقوى الله ، لنكتب فيها تفسيرًا أتمم به ما بدأه طيب الذكر فضيلة الشيخ محمد الخضر التونسي رضي الله عنه، وكان قد وصل في تفسيره إلى قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ) ، وقمنا بما استطعنا ووسعته طاقتنا حتى وصلنا إلى قوله تعالى في سورة الأنعام : (وَعِندَه مَفَاتِح الْغَيْبِ) ثم حيل بيننا وبين السير في محملنا بمعوقات تتصل بوحدة النسق والكرامة ، والآن قد ابتدأنا الكتابة في معاني القرآن الكريم من أوله إلى ما وصل إليه الشيخ الإمام الخضر رحمه الله تعالى.
حتى إذا وصلنا إلى ذلك نشرنا ما كنا قد كتبناه في المجلة ثم نستأنف بعد ذلك القول في معاني القرآن من قوله تعالى : (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) وقد كان مقررًا أن نكتب مقدمة للتفسير نبين فيها نزول القرآن منجما وجمعه في عهد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وجمعه في عهد ذي النورين وبيان إعجازه ووجوه ذلك الإعجاز وعن قصصه وعلومه وجدله بالتي هي أحسن وعن مناهج تفسيره وترجمته (والغَناء به) كان ذلك في تقديرنا وأردنا القيام به بتوفيق الله تعالى ليكون مقدمة للتفسير يكون فيها تعريف به وإن كانت حقيقة كتاب الوجود فوق التعريف والبيان.
ولكن وقد اتجهنا إلى ذلك اتسع البحث علينا ووجدنا أن ذلك قد يكون في ذاته غرضًا مقصودًا يقصد بالذات لَا بالتبع ولذلك أخرجناه كتابًا قائمًا بذاته سميناه (المعجزة الكبرى ( ، فهذا الكتاب وإن كان مقصودا بالجوهر والذات هو أيضا مقدمة للتفسير ويغني عن كتابة مقدمة جديدة ، وإنا بعون الله تعالى نتجه إلى الله تعالى ضارعين إليه أن يمدنا بعونه وتوفيقه في القيام بحق كتابه الكريم علينا وإننا بكرمه وفضله دائبون على كتابة ما قصدنا حتى يوافينا الأجل المحتوم ونحن في جوار كتابه العزيز عاملين لَا نبتعد عن عَرفه ولا تتجافى مقاعدنا عنه.
اللهم أيدنا بالقوة والإخلاص وأن يجعله نورًا لنا وأن يحفظ كتابه من الأهواء التي تبغي تأويله بغير هدى نبيه وتحويل معانيه عن غاياتها وأن يقيه من الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ولا يسلكون الجَدَد اللهم وفقنا لما تحب وترضي ، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ، الإمام محمد أبو زهرة “.

74 / رسالة التعاليم
في عام 1928 م تأسست في مصر جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام الشهيد حسن البنا (1906 ـ 1949 م) وهي كبرى الحركات الإسلامية في العالم المعاصر وأكثرها انتشارا وتأثيرا في الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب العربية والإسلامية ، وقد كتب البنا كتابين هما (مذكرات الدعوة والداعية) يحكي فيها قصة عمله الدعوي ودوره في الإصلاح الاجتماعي وتكلم عن تكوينه التربوي والعلمي ثم جمعت مقالاته المختلفة تحت عنوان (الرسائل) والتي تحمل مجمل أفكار الجماعة وأهمها (رسالة التعاليم) الخاصة بالبناء الفكري والتنظيمي لأعضاء الجماعة.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا مؤسس جمعية (الإخوان المسلمين) بمصر وصاحب دعوتهم ومنظم جماعتهم ، ولد في المحمودية (قرب الإسكندرية) وتخرج بمدرسة دار العلوم بالقاهرة واشتغل بالتعليم فتنقل في بعض البلدان متعرفا إلى أهلها، مختبرا طباعهم وعاداتهم واستقر مدرسا في مدينة الإسماعيلية فاستخلص أفرادا صارحهم بما في نفسه فعاهدوه على السير معه (لإعلاء كلمة الإسلام).
واختار لنفسه لقب (المرشد العام) فأقاموا بالإسماعيلية أول دار (للإخوان) وبادروا إلى إعلان (الدعوة) بالدروس والمحاضرات والنشرات وانفرد هو بزيارة المدن الأخرى ثم كان يوجه بعض ثقاته في رحلات فما عتم أن أصبح له في كل بلد سعى إليه دار و (دار الإسماعيلية) مركز قيادة الدعوة ، ولم يقتصر على دعوة الرجال فأنشأ في الإسماعيلية (معهد أمهات المسلمين) لتربية البنات تربية دينية صالحة ونُقل (مدرسا) إلى القاهرة فانتقل معه (المركز العام ومقرّ القيادة) ولقي فيها إقبالا على دعوته.
وعظم أمر (الإخوان) وناهز عددهم نصف مليون وخشي رجال السياسة في مصر اصطدامهم بهم فحاولوا إبعادهم عن (السياسة) فقام الشيخ يعرّف الإسلام في إحدى خطبه الكثيرة بأنه (عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون) وأنشأ بالقاهرة جريدة (الإخوان المسلمين) يومية فكانت منبره الكتابي إلى جانب منابره الخطابية ، وحدثت كارثة فلسطين فكانت (كتيبة) الإخوان المسلمين فيها من أنشط الكتائب المتطوعة.
ونودي بالهدنة وفي أيدي (الإخوان) سلاح دُرّبوا على استعماله وادَّخروه للملمات فحدثت في القاهرة والإسكندرية أحداث إرهابية عجزت السلطات القائمة عن معالجتها فلجأ رئيس الوزارة (محمود فهمي النقراشي) إلى إقفال أندية (الإخوان) ومطاردة البارزين منهم واعتقال الكثيرين والتضييق على زعيمهم (البنا) فتحولوا إلى (خلايا) سرية تعمل في الخفاء ، وتصدى أحدهم إلى النقراشي فاغتاله جهرة أمام حرسه وجنده.
ولم يمض وقت طويل حتى تصدى له ثلاثة أشخاص وهو أمام مركز (جمعية الشبان المسلمين) في القاهرة ليلا فأطلقوا عليه رصاصهم وفروا ولم يجد البنا من يضمد جراحة فتوفي بعد ساعتين ، وكان خطيبا فياضا ينحو منحى الوعظ والإرشاد في خطبه وتدور آيات القرآن الكريم على لسانه منظِّماً يعمل في هدوء ويبني في اطمئنان ، له مذكرات نشرت بعد وفاته باسم (مذكرات الدعوة والداعية) وكُتب في سيرته (روح وريحان من حياة داع ودعوة) لأحمد أنس الحجاجي “.
وجاءت تفاصيل عن حياته ودعوته في كتاب المعجم الجامع في تراجم المعاصرين حيث كتب عنه الدكتور إبراهيم غانم وقال : ” حسن البنا رحلة لم تنته ١٨/٠٢/٢٠٠١ د. إبراهيم غانم .. هذه السطور ليست من نسج الخيال ولكنها واقعة حقيقية حدثت منذ أكثر من نصف قرن من الزمان وربما تتكرر ومن يدري.
المكان : القاهرة – منطقة الحلمية الزمان : بعد منتصف الليل يوم ١٢ فبراير من عام ١٩٤٩. ، الوقائع : تتقدم قافلة من عربات الشرطة في سكون الليل تصل إلى أحد شوارع الحلمية بمدينة القاهرة تتوقف السيارات يندفع الجند بأسلحتهم لحصار الشارع كله وتُشدد الحراسة حول بيت متواضع في منتصف الشارع تتقدم إحدى سيارات الشرطة إلى هذا البيت ، صف من الجنود ينقُلون جسد ميتٍ من السيارة إلى البيت في سرعة، يطرقون بابًا في أعلاه يفتح الباب شيخ جاوز التسعين من عمره يدخل عدد من الضباط إلى البيت قبل دخول الجثمان للتأكد من عدم وجود آخرين به التعليمات صارمة للشيخ لا صوت لا عزاء ولا حتى أحد من المتخصصين في إعداد الموتى فقط أنت وأهل البيت في تمام التاسعة صباحًا يتم دفن الميت.
كان الشيخ هو والد المتوفّى ورغم الفجيعة ورغم شيخوخته قام بإعداد ابنه للدفن ويمسح الشيخ دماء ابنه من أثر الرصاصات التي سكنت جسده ، ويأتي الصباح ويأتي الضباط في موعدهم هلمّ بابنك لتدفنه فيصرخ الأب ذو التسعين عامًا كيف لي بحمله ؟ فليحمله الجنود ! فيرفض الضباط ويكون الرد فليحمله أهل البيت وكان المُتوفّى له بنات وصبي صغير.
ويتقدم الجثمان في الطريق تحمله زوجته وبناته وخلفه فقط والده ومن تجرأ على السير في الجنازة كان المعتقل مآله ، وتصل الجنازة إلى المسجد للصلاة على الفقيد فإذا به خاليًا حتى من خدمه فيصلي الوالد ومن خلفه أهل البيت من النساء ويقومون بإنزاله إلى قبره ويعود الجميع إلى البيت في حراسة مشددة ، هذه هي جنازة الإمام الشهيد حسن البَنَّا ويتم إلقاء القبض على كثير من الجيران لا لشيء إلا لمجرد كلمة عزاء قالوها لهذه الأسرة ويستمر الحصار ليس على البيت خشية ثورة من يأتي للعزاء ولكن أيضًا يستمر الحصار حول القبر خشية أن يأتي من يُخرج الجثة ويفضح الجريمة بل وانتشرت قوات الشرطة في المساجد لتأمر بغلقها عقب كل صلاة خشية أن يتجرأ أحد بالصلاة على الفقيد.
وعلى الجانب الآخر كان ملك البلاد قد أجّل الاحتفال بعيد ميلاده من ١١ فبراير إلى ١٢ فبراير ليحتفل مع من يحتفل بموت هذا الرجل ويروي أحد المفكرين أنه شاهد احتفالات في أحد الفنادق في الولايات المتحدة الأمريكية وعندما تقصّى سبب هذا الاحتفال عرف أنه ابتهاجٌ بموت هذا الرجل ، وإن كان الحق ما يشهد به الأعداء فإن مراكز الأبحاث في فرنسا وأمريكا اشتركت في وضع قائمة بأهم مائة شخصية أثّرت في العالم في القرن العشرين فكان من العالم العربي اثنان هما الإمام الشهيد حسن البنا والآخر هو جمال عبد الناصر.
المولد والنشأة : هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا ولد في المحمودية من أعمال محافظة البحيرة بدلتا النيل وذلك يوم الأحد ٢٥ شعبان سنة ١٣٢٤هـ الموافق ١٤ أكتوبر سنة ١٩٠٦م ، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال من صميم الشعب المصري كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية شمشيرة [قرب مدينة رشيد الساحلية ومطلة على النيل في مواجهة بلدة إدفينا تابعة لمركز فوة بمحافظة البحيرة] .
كان جده عبد الرحمن فلاحاً ابن فلاح من صغار الملاّك وقد نشأ الشيخ أحمد – أصغر أبنائه ووالد حسن البَنّا – نشأةً أبعدته عن العمل بالزراعة تحقيقًا لرغبة والدته فالتحق بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم أحكام التجويد ثم درس بعد ذلك علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية ، والتحق أثناء دراسته بأكبر محل لإصلاح الساعات في الإسكندرية حيث أتقن الصنعة وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة ومن هنا جاءت شهرته بالساعاتي.
وقد أهّل الشيخ نفسه ليكون من علماء الحديث فبَرَع فيه وله أعمال كثيرة خدم بها السنة النبوية أشهرها كتابه (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) ، وفي كنفه نشأ حسن البَنّا فتطبع بالكثير من طباعه وتعلم على يديه حرفة إصلاح الساعات وتجليد الكتب أيضًا.
بداية الرحلة : بدأ حسن البَنّا تعليمه في مكتب تحفيظ القرآن بالمحمودية وتنقل بين أكثر من كُتّاب حتى أن أباه أرسله إلى كتّاب في بلدة مجاورة للمحمودية وكانت المدة التي قضاها في الكتاتيب وجيزة لم يتم حفظ القرآن خلالها إذ كان دائم التبرم من نظام الكُتّاب ولم يُطِق أن يستمر فيه فالتحق بالمدرسة الإعدادية رغم معارضة والده الذي كان يحرص على أن يحفّظه القرآن ولم يوافق على التحاقه بالمدرسة إلا بعد أن تعهّد له حَسَن بأن يتم حفظ القرآن في منزله.
وبعد إتمامه المرحلة الإعدادية التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ، وفي سنة ١٩٢٣ التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة وفي سنة ١٩٢٧ تخرج فيها وقد قُدّر له أن يلتحق بها وهي في أكثر أطوارها تقلبًا وتغيرًا خاصة في مناهجها الدراسية التي أضيفت إليها آنذاك دروس في علم الحياة ونظم الحكومات والاقتصاد السياسي فكان نصيبه أن يتلقى تلك الدروس إلى جانب الدروس الأخرى في اللغة والأدب والشريعة وفي الجغرافيا والتاريخ.
وكان لديه مكتبة ضخمة تحتوي على عدة آلاف من الكتب في المجالات المذكورة إضافة إلى أعداد أربع عشرة مجلة من المجلات الدورية التي كانت تصدر في مصر مثل مجلة المقتطف ومجلة الفتح ومجلة المنار وغيرها ولا تزال مكتبته إلى الآن في حوزة ولده الأستاذ سيف الإسلام.
أمضى البَنّا تسعة عشر عامًا مدرسًا بالمدارس الابتدائية في الإسماعيلية ثم في القاهرة ، وعندما استقال من وظيفته كمدرس في سنة ١٩٤٦ كان قد نال الدرجة الخامسة في الكادر الوظيفي الحكومي وبعد استقالته عمل لمدة قصيرة في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية ثم أصدر مجلة (الشهاب) الشهرية ابتداءً من سنة ١٩٤٧ لتكون مصدراً مستقلاً لرزقه ولكنها أغلقت بحل جماعة الإخوان المسلمين في ٨ ديسمبر ١٩٤٨.
مؤثرات وتأثيرات : تأثر الشيخ حسن البَنّا بعدد كبير من الشيوخ والأساتذة منهم والده الشيخ أحمد والشيخ محمد زهران – صاحب مجلة الإسعاد وصاحب مدرسة الرشاد التي التحق بها حسن البَنّا لفترة وجيزة بالمحمودية – ومنهم أيضاً الشيخ طنطاوي جوهري صاحب تفسير القرآن (الجواهر) ورأس تحرير أول جريدة أصدرها الإخوان المسلمون سنة ١٩٣٣ ، عَمِلَ حسن البَنّا بعد تخرجه في دار العلوم سنة ١٩٢٧ مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية.
وفي السنة التالية ١٩٢٨ أسس جماعة الإخوان المسلمين ولكنه قبل أن يؤسسها كان قد انخرط في عدد من الجمعيات والجماعات الدينية مثل جمعية الأخلاق الأدبية وجمعية منع المحرمات في المحمودية والطريقة الحصافية الصوفية في دمنهور وشارك أيضاً في تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة ١٩٢٧ وكان أحد أعضائها ، أما جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها فقد نمت وتطورت وانتشرت في مختلف فئات المجتمع حتى أصبحت في أواخر الأربعينيات أقوى قوة اجتماعية سياسية منظمة في مصر كما أصبح لها فروع في كثير من البلدان العربية والإسلامية.
وكان البَنّا يؤكد دومًا على أن جماعته ليست حزبًا سياسيًّا بل هي فكرة تجمع كل المعاني الإصلاحية وتسعى إلى العودة للإسلام الصحيح الصافي واتخاذه منهجًا شاملاً للحياة ، ويقوم منهجه الإصلاحي على التربية والتدرج في إحداث التغيير المنشود ويتلخص هذا المنهج في تكوين الفرد المسلم والأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الحكومة المسلمة فالدولة فالخلافة الإسلامية وأخيرًا يكون الوصول إلى أستاذية العالم.
قاد البَنّا جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمان [١٩٢٨ـ ١٩٤٩] وخاض بها العديد من المعارك السياسية مع الأحزاب الأخرى وخاصة حزب الوفد والحزب السعدي ولكنه وجّه أغلب نشاط الجماعة إلى ميدان القضية الوطنية المصرية التي احتدمت بعد الحرب العالمية الثانية ونادى في ذلك الحين بخروج مصر من الكتلة الإسترلينية للضغط على بريطانيا حتى تستجيب للمطالب الوطنية ، وفي هذا السياق قام الإخوان بعقد المؤتمرات وتسيير المظاهرات للمطالبة بحقوق البلاد كما قاموا بسلسلة من الاغتيالات السياسية للضباط الإنجليز ولجنود الاحتلال وخاصة في منطقة قناة السويس.
وقد أولى البَنّا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين، واعتبرها (قضية العالم الإسلامي بأسره) وكان يؤكد دومًا على أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم وأدرك حقيقة التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن الأمم المتحدة سنة ١٩٤٧ ووجه نداءً إلى المسلمين كافة – وإلى الإخوان خاصة – لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة وقال: إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
واتخذت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين قرارًا في ٦ مايو سنة ١٩٤٨ ينص على إعلان الجهاد المقدس ضد اليهودية المعتدية وأرسل البَنّا كتائب المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين في حرب سنة ١٩٤٨ وكان ذلك من أسباب إقدام الحكومة المصرية آنذاك على حل جماعة الإخوان في ديسمبر سنة ١٩٤٨ الأمر الذي أدى إلى وقوع الصدام بين الإخوان وحكومة النقراشي.
كان للبَنّا آراء سديدة ونظرات ثاقبة في قضية النهضة التي تشغل المسلمين منذ قرنين من الزمان وما زالوا ينشدونها فقد ربطها بقضية التحرر من الاستعمار والتبعية لأوربا من ناحية وبالتقدم العلمي الذي يجب أن يحققه المسلمون من ناحية أخرى ، وفي ذلك يقول: لن تنصلح لنا حال ولن تنفذ لنا خطة إصلاح في الداخل ما لم نتحرر من قيد التدخل الأجنبي ، ويقول: لا نهضة للأمة بغير العلم وما ساد الكفار إلا بالعلم ، وكان يرى أن تبعية المسلمين لأوروبا في عاداتها وتقاليدها تحول بينهم وبين استقلالهم ونهضتهم يقول : أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا (أصواتنا) بالمطالبة بالخلاص من أوروبا ونحتج أشد الاحتجاج على أعمالها ثم نحن من ناحية أخرى نقدس تقاليدها ونتعود عاداتها ونفضل بضائعها ؟!
ويرى كذلك أن قضية المرأة من أهم القضايا الاجتماعية ولذلك فقد اهتم بها منذ بداية تأسيسه لجماعة الإخوان فأنشأ لها قسمًا خاصًّا باسم الأخوات المسلمات ، وأكد كثيرًا على أن الإسلام أعطى للمرأة كافة الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية وفي الوقت نفسه وضع لها ضوابط تجب مراعاتها عند ممارسة تلك الحقوق.
ولم يَدْعُ البَنّا قط إلى إقامة نظام حكم ديني ثيوقراطي بالمعنى الذي عرفته أوروبا في عصورها الوسطى بل دعا إلى إقامة حكم إسلامي على أساس الشورى والحرية والعدل والمساواة وقبل قبولاً صريحًا بصيغة الحكم الدستوري النيابي واعتبره أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام ، ورأى أن تلك الصيغة إذا طبقت كما ينبغي فإنها تضمن تحقيق المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهي مسئولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها.
مؤلفاته : ولا تُعرف لحسن البَنّا كتب أو مؤلفات خاصة سوى عدد من الرسائل مجموعة ومطبوعة عدة طبعات بعنوان رسائل الإمام الشهيد حسن البنا وهي تعتبر مرجعًا أساسيًّا للتعرف على فكر ومنهج جماعة الإخوان بصفة عامة وله مذكرات مطبوعة عدة طبعات أيضًا بعنوان مذكرات الدعوة والداعية ولكنها لا تغطّي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة ١٩٤٢ وله خلاف ذلك عدد كبير من المقالات والبحوث القصيرة وجميعها منشورة في صحف ومجالات الإخوان المسلمين التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات بالإضافة إلى مجلة الفتح الإسلامية التي نشر بها أول مقالة له بعنوان الدعوة إلى الله “.
المراجع : إبراهيم البيومي غانم : الفكر السياسي للإمام حسن البنا (القاهرة : دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط – ١٩٩٢) ، أنور الجندي: حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد (بيروت: ١٩٧٨) ، روبير جاكسون: حسن البنا الرجل القرآني : ترجمة أنور الجندي (القاهرة: دار الدعوة – ب ت) ، محمد عبد الجواد : تقويم دار العلوم (القاهرة : ب ت) ، محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون رؤية من الداخل (الإسكندرية: دار الدعوة – ب ت) ، محمد فتحي شعير : وسائل الإعلام المطبوعة في دعوة الإخوان المسلمين (جدة : ١٩٨٥) ، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا (الإسكندرية: ١٩٨٨).
وكتب عنه أحمد حسن الزيات في مجلة الرسالة وقال : ” حسن البنا بمناسبة ذكراه .. كان الإمام المرشد حسن البنا طيب الله ذكره وذكراه يسلك الطريق الذي تسلكه (الرسالة) منذ عشرين سنة فكان لابد مما لا بد منه أن يلتقيا على جادته أو عند غايته.
وكان لقاؤهما الأول في مكتبي قبل أن يظهر أمر الرجل وتبلغ دعوته (الإخوان) فوجدت فيه ما لم أجد في قبيله أو أهل جيله من إيمان بالله راسخ رسوخ الحق لا يزعزعه غرور العلم أو شرود الفكر وفقه في الدين صاف صفاء المزن لا يكدره ظلال العقل ولا فساد النقل وقوة في البيان مشرقة إشراق الوحي لا تحبسها عقدة اللسان ولا ظلمة الحس إلى حديث يتصل بالقلوب ومحاضرة تمتزج بالأرواح وجاذبية تدعوك إلى أن تحب وشخصية تحملك على أن تذعن.
فقلت في نفسي بعد أن ودعني وشيعته : عجيب ! هذا الشاب نشأ كما ينشأ كل طفل في ريف مصر وتعلم كما يتعلم كل طالب في دار العلوم وعمل كما يعمل كل مدرس في وزارة المعارف فعمن ورث هذا الإيمان وممن اقتبس هذا البيان ومن أين اكتسب هذا الخلق ؟
إن الشذوذ عن قواعد البيئة الجاهلة والنشوز على أنظمة المجتمع الفاسد والسمو على أخلاق العصر الوضيع لمن خصائص الرسول أو المصلح فإن الله الذي يعلم حيث يجعل رسالته يريد أن يصنع النبي أو المصلح على عينه ليظهره في وقته المعلوم ليجدد ما رث من حبله ويوضح ما أشتبه من سبيله ، والفطرة التي فطر عليها حسن البنا والحقبة التي ظهر فيها حسن البنا تشهد بأنه المصلح الذي اصطنعه الله لهذا الفساد الذي صنعه الناس.
ولم يكن إصلاحه رضوان الله عليه من نوع ما جاء به ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومحمد عبده فإن هؤلاء قصروا إصلاحهم على ما أفسدته البدع والأباطيل من جوهر العقيدة أما هو فقد نهج في إصلاحه منهج الرسول نفسه : دعا إلى إصلاح الدين والدنيا وتهذيب الفرد والمجتمع وتنظيم السياسة والحكم فكان أول مصلح ديني فهم الإسلام على حقيقته وأمضى لإصلاحه على وجهه.
لم يفهم الإسلام الذي طهر الأرض وحرر الخلق وقرر الحق على إنه عبادات تؤدى وأذكار تقام وأوراد تتلى وإنما فهمه كما فهمه محمد وعمر وخالد : نوراً للبصر والبصيرة ودستوراً للقضاء والإدارة وجهاداً للنفس والعدو.
وإذا كانت سنة الله أن يبعث الرسول أو يظهر المصلح مزوداً بالطب الناجع لوباء معين فشا وفساد مبين عم فإن الحال الأليمة التي تكابدها الأمة الإسلامية اليوم من ضعف في وطنها أطمع الاستعمار وجهل أطفأ في قلبها العقيدة وزيغ مال بوجهها عن السبيل تقتضي أن تكون رسالة المصلح في هذا الزمن جارية على النهج الذي نهجه المرشد الأول للإخوان المسلمين !
ولقد كان هذا النهج الذي قبسه البنا من القرآن وعززه بالعلم وأقامه على الإيمان وقرنه بالعمل ونشره بالبيان وأيده بالمعاملة ، كان من الجد والصدق والعزيمة بحيث زلزل أقدام المستعمر وأقض مضاجع الطاغية وخيب آمال المستغل فتناصرت قوى الشر إلى الدعوة العظمى وهي تتجدد في مصر كما تناصرت عليها وهي تولد في الحجاز.
وقضى الله أن يبتلى الأخوان فاغتيل الإمام وحوربت الدعوة واضطهدت الشيعة ولكن الله عصمهم فلم ينقلب طريد على عقبه ولم يفتن شهيد عن دينه ! ، ذلك لأن حسن البنا فكرة لا صورة ومبدأ لا شخص والفكرة الصالحة تنمو نماء النبت والمبدأ الحق يبقى بقاء الحق ، وما كان محمد صلوات الله عليه إلا باذر بذرة تعهدها من بعده صحابته فخرج نباتها بإذن الله وزكا ثم نما وسما ثم أزهر وأثمر وسيبقى ثمرها أبد الأبيد على الرغم من سموم الريح وجدب التربة وعبث الآفة شهي الجنا داني القطوف لمن سبقت لهم من ربهم الحسنى !
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فرحين بغرسهم الذي فاحت أزاهيره مغتبطين أن يروا من وراء الحجب الشفيفة دعوتهم تنتشر وأمتهم تنتصر وخطتهم تؤدى ! ، وإن القتيل الذي تتعطر المحافل بذكراه اليوم ليبتسم ابتسامة الرضا وهو في مقامه الأعلى مع الشهداء والصديقين إذ يرى دمه المطلول يحيي العقيدة وجهده المبذول يوقظ الأمة ! ، أحمد حسن الزيات “.
وتضم رسالة التعاليم أركان البيعة العشرة المحددة للعضوية في الجماعة والأصول العشرين التي ترسم معالم الفكر العام للأعضاء كما وضع البنا عدة نصائح وعظات مكتوبة بطريقة التعليم المدرسي مثل الصفات العشرة للفرد المسلم والوصايا العشر والسمات الخمس للدعوة وقسم أعتقد وأتعهد وغيرها من البرامج التربوية العملية.
وقد جاء ملخص لذلك في كتاب الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة وفيها : ” الأفكار والمعتقدات : يؤمن الإخوان بالإسلام عقيدة تحكم توجهات المسلمين ومنهجاً شاملاً لكل جنبات الحياة وينادون بإقامة الدولة الإسلامية التي تسعى لإعلاء كلمة الله في الأرض ، ويوضح الشيخ حسن البنا هذا المعنى بقوله : الإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد وطاعة وحكم ومصحف وسيف لا ينفك واحد من هؤلاء عن الآخر.
حرص الإخوان منذ نشأة الجماعة على توسيع دائرة عملهم حتى تكون حركتهم عالمية النطاق ويضمن لها الاستمرار بحكم تعدد المراكز ، يقول حسن البنا عن هذه الدعوة : (إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سنّية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية) .
يؤكد البنا أن سمات حركة الإخوان هي : البعد عن مواطن الخلاف ، البعد عن هيمنة الأعيان والكبراء ، البعد عن الأحزاب والهيئات ، العناية بالتكوين والتدرج في الخطوات ، إيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات ، شدة الإقبال من الشباب ، سرعة الانتشار في القرى والبلاد.
ويذكر أن أخص خصائص دعوة الإخوان هي : أنها ربانية لأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا أن يتقرب الناس إلى ربهم ، وأنها عالمية لأنها موجهة إلى الناس كافة لأن الناس في حكمها إخوة أصلهم واحد لا يتفاضلون إلا بالتقوى وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ وفضل شامل ، وأنها إسلامية لأنها تنتسب إلى الإسلام.
ويقرر الشيخ البنا أن مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق هي : إصلاح نفسه حتى يكون قوي الجسم وأن يكون متين الخلق مثقف الفكر قادراً على الكسب سليم العقيدة صحيح العبادة ، وتكوين البيت المسلم بأن يحمل أهله على احترام فكرته والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية ، إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه ومحاربة الرذائل والمنكرات ، تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي سياسي أو اقتصادي أو روحي ، إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق ، إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها وإحياء مجدها ، أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) .
يقسم البنا مراحل الدعوة إلى ثلاث : التعريف التكوين التنفيذ ، يقول الأستاذ البنا في رسالة التعاليم : أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها : الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة) ثم يأخذ في شرح كل ركن من هذه الأركان ثم يقول بعدها : (أيها الأخ الصادق هذا مجمل لدعوتك وبيان موجز لفكرتك وتستطيع أن تجمع هذه المبادئ في خمس كلمات : الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن شرعتنا والجهاد سبيلنا والشهادة أسمى أمانينا وأن تجمع مظاهرها في خمس كلمات أخرى : البساطة والتلاوة والصلاة والجندية والخلق “.

75 / أباطيل وأسمار
(شيخ العربية) هو اللقب الذي عرف به المفكر الإسلامي والباحث والمحقق والعلامة أبو فهر محمود شاكر (1909 ـ 1997 م) وهو من رواد الدفاع عن الثقافة العربية والإسلامية ، ويرجع في نسبه إلى أسرة آل أبي علياء الحسينية من طهطا بصعيد مصر ووالده هو شيخ علماء الإسكندرية ووكيل الجامع الأزهر وعضو الجمعية التشريعية القاضي محمد شاكر أحمد عبد القادر وأخوه هو العلامة المحدث أحمد شاكر المعروف بلقب (شمس الأئمة وأبو الأشبال) وجده لولدته هو الشيخ هارون عبد الرازق وقريب العالم المحقق عبد السلام هارون.
ولد في الإسكندرية تدرج في التعليم المدني إلى أن التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية ١٩٢٦ م لكن بعد السنة الثانية في الكلية توقف عن مواصلة دراسته على أثر خلاف نشب بينه وبين أستاذه في الجامعة طه حسين حول منهج دراسة الشعر الجاهلي فسافر إلى جدة مهاجرا سنة ١٩٢٨ م وأنشأ هناك مدرسة جدة السعودية الابتدائية وعمل مديرا لها حتى عاد إلى القاهرة في أواسط سنة ١٩٢٩ م.
ثم انصرف إلى الأدب والكتابة وقراءة دواوين الشعراء وبدأ ينشر في مجلتي الفتح والزهراء لمحب الدين الخطيب ، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد الذي ارتبط بصداقة خاصة معه.
بدأ صدامه مع طه حسين في الجامعة عندما استمع لمحاضرات طه عن الشعر الجاهلي وفيها يزعم أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي ، وكان محمود شاكر سبق له أن اطلع على هذا الزعم في مقال للمستشرق اليهودي الحاقد مرجليوث في مجلة استشراقية وتيقن أن طه قد سطا سطوا عريانا على مقال مرجليوث ورد شاكر على طه وانتهى هذا الخلاف بأن ترك شاكر الجامعة.
ألف شاكر كتابه المشهور (المتنبي) عام ١٩٣٦ ثم صدر كتاب طه حسين (مع المتنبي) عام ١٩٣٨ وعلى الرغم من أن طه نقد في كتابه كتاب شاكر إلا أنه لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يسلك سبيلاً يقلد فيها محمود شاكر لذا فقد هاجم شاكر ما كتبه طه في ثلاث عشرة مقالة في جريدة (البلاغ) تحت عنوان (بيني وبين طه) ذكر فيها أنه سطا على أفكاره وحذا حذوه وقال : أن كتاب طه حسين محشو بأشياء كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن الدكتور طه لم يسلك هذا الطريق الجديد على كتبه في كتاب المتنبي إلا بعد أن قرأ كتابه!
ثم دخل شاكر في معركة مع لويس عوض (المستشار الثقافي للأهرام حينذاك) الذي نشر سنة ١٩٦٤ مجموعة مقالات في الأهرام بعنوان (على هامش الغفران) وذهب في كلامه إلى تأثر المعري باليونانيات كما ألمح إلى أثر الأساطير اليونانية في الحديث النبوي مما دفع شاكر إلي الخروج من عزلته فكتب سلسلة من المقالات كشفت عما في كلام لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف والتهافت ودافع فيها عن الثقافة الإسلامية وجمعت في كتابه الأشهر (أباطيل وأسمار).
ومن مؤلفاته الأخرى : القوس العذراء (قصيدة طويلة) ، طبقات فحول الشعراء ، نمط سعب ونمط مخيف ، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، مداخل إعجاز القرآن ، رسالة لا تسبوا أصحابي ، ديوان اعصفي يا رياح وقصائد أخرى ، ومن تحقيقاته : تفسير الطبري ، تهذيب الآثار للطبري ، إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع للمقريزي ، المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب ، جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار ، دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وهما لعبد القاهر الجرجاني.
وقد جاءت ترجمته في موسوعة اللغة العربية وفيها : ” هو العَلَّامةُ أبو فِهرٍ محمودُ بنُ مُحَمَّدِ شاكر بنِ أحمَدَ بنِ عَبدِ القادِرِ المِصريُّ ، مَوْلِدُه : وُلِد سَنةَ سَبعٍ وعشرينَ وثلاثِ مائةٍ وألْفٍ ، من تلاميذه : محمود محمد الطناحي.
مَنْزِلَتُه وَمَكَانَتُه : مُؤَرِّخٌ وأديبٌ دافَعَ عَنِ العَرَبيَّة في مواجَهةِ التَّغريبيَّينَ وخاضَ مَعارِكَ أدبيَّةً كَثيرةً حَولَ أصالةِ الثَّقافةِ العَربيَّة ومَصادِرِ الشِّعرِ الجاهليِّ وحَقَّقَ العَديدَ مِن كُتُبِ التَّراثِ ، قارِئٌ وشارِحٌ جَيِّدٌ لِكُتُبِ التُّراثِ أقامَ مَنهَجَه الخاصَّ في الشِّعْرِ وسَمَّاه منهَجَ التذَوُّقِ.
عَقيدتُه : كان الشَّيخُ محمود شاكر رحمه اللهُ مِن أهلِ السُّنَّةِ يدُلُّ على ذلك قَولُ الطَّناحيِّ تلميذِه : ولعَلَّ الذي زهَّد شيخَنا في الجاحِظِ هو مُيولُه الاعتِزاليَّةُ والشَّيخُ كما هو مَعروفٌ من أهلِ السُّنَّةِ والأثَرِ ، ويَشهَدُ لهذا قَولُ الشَّيخِ نَفْسِه في حقِّ محمَّدِ بنِ عَبدِ الوهَّابِ : وفَتَح عينَيه على ما يَعُمُّ نَجْدًا والبِلادَ التي زارها من البِدَعِ التي حدَثَت وما غَمَر العامَّةَ والخاصَّةَ مِنَ الأعمالِ والعقائِدِ الحادِثةِ والتي تخالِفُ ما كان عليه سَلَفُ الأُمَّةِ مِن صَفاءِ عَقيدةِ التوحيدِ وهي رُكنُ الإِسلامِ الأكبَرُ فلمَّا عاد إلى نجدٍ لم يقنَعْ بتأليفِ الكُتُبِ ورأى أنَّ خَيْرَ الطُّرُقِ هو أن يتَّجِهَ إلى عامَّةِ النَّاسِ في نَجدٍ ليرُدَّهم عن البِدَعِ المُستحدَثةِ ويَسلُكَ بهم طريقَ السَّلَفِ في العَمَلِ والعَقيدةِ .
مُصَنَّفَاتُه : مِن مُصَنَّفَاتِه كتاب جمهرة مقالات الأُستاذ محمود مُحَمَّد شاكر وكتاب المتنبِّي وكتاب أباطيل وأسمار وكتاب قضيَّة الشِّعْر الجاهِليِّ في كتابِ ابنِ سلام وكتاب مداخِل إعجاز القُرآنِ ، وَفَاتُه : تُوفِّي سَنةَ ثماني عَشْرةَ وأربَعِ مِائةٍ وألْفٍ “.
وفي أرشيف ملتقى أهل الحديث كتب عنه علاء شعبان وقال : ” أبو فهر محمود محمد شاكر .. ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته (القوس العذراء) ومحقق بارع لكتب التراث قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا.
غير أن العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره ، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية.
البداية والتكوين : ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه وقد نشأ في بيت علم فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909 ـ 1913 م) واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919 م وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة.
انصرف محمود شاكر – وهو أصغر إخوته – إلى التعليم المدني فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق وقرأ عليه في بيته الكامل للمبرد والحماسة لأبي تمام.
المواجهة الخافتة : وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك.
وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب (في الشعر الجاهلي) وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.
وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.
وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة.
اكتشاف المتنبي : وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه ، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي الفتح والزهراء لمحب الدين الخطيب واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه.
ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه المتنبي الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد ، والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354 هـ الأول من يناير 1936 م وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله : هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد.
وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي فقال بعلوية المتنبي وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه.
وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه (المتنبي في ألف عام) وطه حسين (مع المتنبي) واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه وسطوا على بعض آرائه وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان (بيني وبين طه حسين).
العالم الإسلامي في بيت شاكر : كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة من أمثال ناصر الدين الأسد وإحسان عباس وشاكر الفحام وإبراهيم شبوح فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب مثل فتحي رضوان ويحيى حقي ومحمود حسن إسماعيل ومالك بن نبي وأحمد حسن الباقوري وعلال الفاسي وعبد الرحمن بدوي وعبد الله الطيب.
وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي.
وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة فألقت القبض عليه سنة 1959 م وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل وانتظمت ندوته مرة أخرى.
أباطيل وأسمار : وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964 م تحت عنوان (على هامش الغفران) وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.
وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري وعدم تمحيص الروايات التاريخية والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان.
وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان ، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.
وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان ، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965 م حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967 م ، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه (أباطيل وأسمار) الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.
معارك فكرية أخرى : وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل فكتب في مجلة المجلة 7 مقالات إضافية تحت عنوان نمط صعب نمط مخيف استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني جوته لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي تأبط شرا وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية ، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب.
وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم ، ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي وتولد عن ذلك كتابه برنامج طبقات فحول الشعراء.
تحقيق كتب التراث : يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان وإنجازاته في هذا المجال كثيرة وهي عنوان على الدقة والإتقان ، ومن أشهر الكتب التي حققها : تفسير الطبري (16 جزءا) ، طبقات فحول الشعراء (مجلدان) ، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).
وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها ، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة : قرأه وشرحه ، وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا وضبطه مقنعا وأفق فهمه واسعا فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه.
صاحب رسالة : لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته ، وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله.
ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982 م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم رسالة في الطريق إلى ثقافتنا.
ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا ، ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة وهي تظهر عظمة شاكر لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير وفكر ثاقب وروح وثابة فأتى بالعجب العجاب.
وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981 م ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984 م وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق ثم بالقاهرة ، وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418 هـ = 6 من أغسطس 1997 م) ولبى نداء ربه فسلام عليك أبا فهر “.

76 / في ظلال القرآن
لا تخلو مكتبة إسلامية عامة أو خاصة من أشهر تفسير للقرآن الكريم في العصر الحديث ألا وهو كتاب (في ظلال القرآن) الذي كتبه شهيد الإسلام المفكر الأستاذ سيد قطب (1906 ـ 1966 م) ، وهو كتاب فريد من نوعه يضم خواطر أدبية بديعة حول السور والآيات كتبها أديب بارع وناقد حاذق وفيها قدر كبير من التأمل والمعايشة العاطفية مع المعاني والتوجيهات ، وقد ظهر التفسير وكأن كل سورة من الكتاب العزيز قد تحولت إلى كائن حي لها خصائص ومميزات واضحة تتكلم عن نفسها بوضوح وسلاسة.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” سيد قطب بن إبراهيم مفكر إسلامي مصري من مواليد قرية (موشا) في أسيوط تخرج بكلية دار العلوم (بالقاهرة) سنة ١٣٥٣ هـ (١٩٣٤ م) وعمل في جريدة الأهرام وكتب في مجلتي الرسالة والثقافة وعين مدرسا للعربية فموظفا في ديوان وزارة المعارف ثم (مراقبا فنيا) للوزراة.
وأوفد في بعثة لدراسة (برامج التعليم) في أميركا (١٩٤٨ – ٥١) ولما عاد انتقد البرامج المصرية وكان يراها من وضع الإنجليز، وطالب ببرامج تتمشى والفكرة الإسلامية وبنى على هذا استقالته (١٩٥٣) في العام الثاني للثورة.
وانضم إلى الإخوان المسلمين فترأس قسم نشر الدعوة وتولى تحرير جريدتهم (١٩٥٣ – ٥٤) وسجن معهم فعكف على تأليف الكتب ونشرها وهو في سجنه إلى ان صدر الأمر بإعدامه، فأعدم ، قال خالد محيي الدين (أحد أقطاب الثورة المصرية) فيما كتب عنه : كان سيد قطب قبل الثورة من أكثر المفكرين الإسلاميين وضوحا ، ومن العجيب أنه انقلب – بعد قيام الثورة – ناقما متمردا على كل ما يحدث حوله لا يراه إلا جاهلية مظلمة.
وكتبه كثيرة مطبوعة متداولة منها : النقد الأدبي أصوله ومناهجه ، والعدالة الاجتماعية في الإسلام ، والتصوير الفني في القرآن ، ومشاهد القيامة في القرآن ، وكتب وشخصيات ، وأشواك ، والإسلام ومشكلات الحضارة ، والسلام العالمي والإسلام ، والمستقبل لهذا الدين ، وفي ظلال القرآن ، ومعالم في الطريق.
ولما وصل خبر استشهاده إلى الغرب أقيمت على روحه صلاة الغائب وأصدر أبو بكر القادري عددا خاصا به من مجلة (الإيمان) ولما كانت النكسة (أو النكبة) عام١٩٦٧ م قال علّال الفاسي : ما كان الله لينصر حربا يقودها قاتل سيد قطب ، وكتب إبراهيم بن عبد الرحمن البليهي (من طلاب كلية الشريعة في الرياض) مجلدا سماه : سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري “.
وجاءت تفصيلات عن الظلال في كتاب دراسات في علوم القرآن من تأليف فهد الرومي الذي كتب قائلا : ” في ظلال القرآن سيد قطب .. المؤلف هو سيد بن الحاج قطب بن إبراهيم ولد سنة ١٩٠٦م تخرج في كلية دار العلوم سنة ١٩٣٣م فزاول مهنة التدريس سنوات ثم موظفًا في وزارة المعارف ثم أوفد إلى أمريكا للاطلاع على مناهج التعليم فيها لتطبيقها في مصر وكان القصد من إيفاده التخلص من نشاطه في الدعوة ، وعاد من أمريكا وقد زاد حماسه ونشاطه للدعوة حيث انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وكان يردد (لقد ولدت عام ١٩٥١ م) وهو عام انضمامه إليهم.
وحين وقع الصدام بين الإخوان وقادة ثورة يوليو في مصر كان سيد في مقدمة المعتقلين وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا ألف خلالها في السجن تفسيره (في ظلال القرآن) وكان هذا التفسير من أسباب خروجه من السجن حيث قرأه الرئيس العراقي عبد السلام عارف فتوسط عند جمال عبد الناصر لإخراجه بطلب من علماء العراق ، وأفرج عنه سنة ١٩٦٤ م فواصل مسيرة الدعوة فأعيد إلى السجن وصدر ضده حكم بالإعدام ونفذ الحكم سنة ١٩٦٦ م رغم نداءات العالم الإسلامي واحتجاجاتهم.
وقد طلب من سيد أن يكتب اعتذارا إلى جمال عبد الناصر ووعدوه بالعفو إن فعل فرفض وقال : (إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية) ، وقال حين طلب منه الاعتذار: (لن أعتذر عن العمل مع الله) ، وقال : (لماذا أسترحم ؟ إن سُجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل) ، وله مؤلفات كثيرة منها : معالم في الطريق وهو من أهم كتبه ومن أسباب إعدامه ومنها التصوير الفني في القرآن ومشاهد القيامة في القرآن والمستقبل لهذا الدين وغير ذلك.
التفسير : والكتاب وصف أدبي متميز للحياة كما يرسمها القرآن الكريم وهو منهج لم يسبق إليه سيد من قبل فمنهج التذوق الأدبي للقرآن الكريم والتفاعل مع المجتمع الذي ترسمه الآيات ومطابقته مع المجتمع الحاضر للخروج بمعالم التصحيح ورسم مسار الدعوة والعودة إلى الله ثم دراسة الإيقاع الصوتي والجرس اللفظي للكلمات القرآنية ودراسة التراكيب منهج لم يسبق له مثيل في علم التفسير.
أما طريقته في ذلك فخلاصتها أنه يقدم لكل سورة بمقدمة يبين فيها موضوع السورة ومحورها وأهم سماتها ثم يعرض لمقاطعها ويربط بينها ببيان المناسبة وهكذا ، مع الإعراض عن المباحث اللغوية والنحوية وذكر الخلافات الفقهية وتاركا الخوض فيما أبهمه القرآن مهملا للإسرائيليات وطبع التفسير مرات عديدة آخرها وأشهرها في ستة مجلدات كبار “.
وجاءت ترجمته بالتفصيل في كتاب مجلة البيان تحت عنوان (مجددون معاصرون) وفيها : ” سيد قطب .. نبذة عن حياته : في قرية صغيرة من قرى الصعيد ولد الأستاذ سيد قطب رحمه الله في عام ١٩٠٦ وحدثنا الأستاذ الشهيد عن نشأته في قرية (موشا) في كتابه (طفل من القرية) ، وعن دراسته فيها وكيف كوّن مكتبة لا مثيل لها في هذه القرية وهو لا يزال طالباً في المرحلة الابتدائية وحدثنا أيضاً عن العقلية التي يفكر بها أهل هذه القرية والخرافات التي تعشش في عقولهم والبؤس الذي يلف هذه الطبقة من الناس ، وكان هذا الذي ذكره في كتابه المهم شأن القرى كلها لا نقول في صعيد مصر وحده وإنما في العالم الإسلامي كله.
وفي عام ١٩٢١ م غادر الأستاذ قريته (موشا) ليكمل دراسته في القاهرة وكان من المفترض أن يغادرها قبل هذا الوقت لكن حرب ١٩١٩ م كانت سبب تأخره ووقف التدريس وانصراف الناس لما هو أهم من الدراسة ، وفي القاهرة التحق الطالب النجيب بمدرسة عبد العزيز الأولية وبعد أن أتم دراسته فيها انتقل إلى دار العلوم وكانت في مستوى المعاهد المتوسطة وأتم دراسته فيها عام ١٩٣٣ م.
وبعد تخرجه من دار العلوم جرى تعيينه مدرساً في دمياط ثم في بني سويف ثم انتقل إلى حلوان – القاهرة – مدرساً في مدرستها الابتدائية وانتقل أهله إلى القاهرة بعد أن اشترى منزلاً في حلوان وكان ذلك بعد وفاة والده ثم توفيت والدته بعد انتقالهم إلى القاهرة بقليل ، وبرز اسم سيد كأديب موهوب في مصر وأصبح اسمه معروفاً في المجلات الأدبية المشهورة كالرسالة والثقافة والمقتطف وأصدر في الأربعينيات كتباً مهمة منها : التصوير الفني في القران ، طفل من القرية ، كتب وشخصيات ، النقد الأدبي أصوله مناهجه ، العدالة الاجتماعية في الإسلام.
وفي مجال التعليم تدرج في وظائف الوزارة ففي عام ١٩٤٤ أصبح مفتشاً في التعليم الابتدائي ثم في الإدارة العامة للثقافة التي كان يرأسها أحمد أمين وفي عام ١٩٤٨ سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية في بعثة تدريبية تم اختياره بالذات لها ولم يكن في رحلته ملتزماً بدراسة معينة أو بزمن معين يقضيه هناك ، وقد أكسبته هذه البعثة خبرة واسعة بطبائع الأميركان وأساليبهم وله كتابات مهمة بعنوان (أميركا التي رأيت) نشرت في مجلة الرسالة وإسلام أميركاني في كتابه (دراسات إسلامية) ، وقد جمعها أحد المهتمين بكتابات سيد في كتاب سماه أميركا من الداخل بمنظار سيد قطب.
وعاد من الولايات المتحدة عام ١٩٥٠ إلى مصر ليخوض معارك سياسية ضد طغيان فاروق وفساد الأحزاب وهيمنة المستعمر الإنكليزي واستقطبت هذه الكتابات فيمن استقطبت ضباط انقلاب (٢٣ يوليو) فأعجبوا بها وتعرفوا على كاتبها وقامت بينهم وبينه علاقات ، وتم اختياره بعد نجاح الانقلاب مستشاراً لمجلس قيادة الثورة ثم أميناً عاماً مساعداً لهيئة التحرير وكان مرشحاً ليكون وزيراً للمعارف أو للإعلام لكنه رفض الوزارة والجاه عندما لمس سوء نوايا قادة الانقلاب وأدرك بأنهم ليسوا جادين في تحكيم شرع الله وارتاب رحمه الله في اتصالاتهم المشبوهة.
ولم يجلس الأستاذ سيد في منزلة عندما رفض الوزارة والمغريات وما كان لداعية مجاهد أن يفعل ذلك وإنما انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في أحلك ظروفها وأشدها قساوة ، انضم إليها وهو يعلم بأنهم على أبواب محنه واختار الإخوان الأستاذ سيد قطب ليكون رئيس تحرير لصحيفتهم (الإخوان المسلمون) فلم يتردد ولم يعتذر لاسيما وهو يعرف خبث وغدر قائد الانقلاب ، وخاض أستاذنا معركة ضد الانقلابيين كتلك المعركة التي خاضها ضد فاروق وزبانيته وكشف صلات هؤلاء الانقلابيين الضباط بالولايات المتحدة الأميركية وأصبحت صحيفة الإخوان المسلمين من أشد الصحف التي كان يخشاها عبد الناصر وزملاؤه.
ودخل سيد السجن عام ١٩٥٤ م مع عدد من قادة الإخوان المسلمين ثم أفرج عنه وعنهم بعد قليل ثم عاد إلى السجن في العام نفسه ١٩٥٤ بعد حادث المنشية حيث كان نصيبه مما سمي (محكمة الشعب) خمسة عشر عاماً من الأشغال الشاقة وأفرج عنه في (مايو) من عام ١٩٦٤ بعد توسط الرئيس العراقي عبد السلام عارف ، ثم أعيد اعتقاله في (أغسطس) عام ١٩٦٥ وقدم لما أسموه (محاكمة) وتم إعدامه في ٢٦ (أغسطس) من عام ١٩٦٦ م رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى “.
وفي كتاب مباحث في إعجاز القرآن كتب عنه مصطفى مسلم قائلا : ” سيد قطب ورأيه في إعجاز القرآن .. كتب سيد قطب كتابات كثيرة حول القرآن ونظمه وأسلوبه والوجوه الكثيرة التي تدل على ربانية مصدره وذلك في الكتب الثلاثة التي ألفها حول القرآن الكريم : التصوير الفني في القرآن ، مشاهد القيامة في القرآن ، في ظلال القرآن.
إلا أن الجانب الذي أبرزه في كتاباته هو جانب التصوير الفني في القرآن وارتبط اسم التصوير الفني في القرآن باسم سيد قطب وهو أول من أبرز الجوانب الجمالية الفنية في أسلوب القرآن الكريم من هذه الناحية ، ونقتطف بعض المقاطع وهو يشرح نظريته هذه : يقسم سيد قطب مراحل تذوق الجمال القرآني إلى ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى مرحلة التذوق الفطري : فالعرب الذين تلقوا القرآن الكريم تذوقوا بحاستهم الفنية جماله الفني الساحر وأحسّوا تأثيره المباشر على قلوبهم وتحسسوا سلطانه العجيب على نفوسهم والكافرون منهم الذين شنوا ضده حربا دعائية ضخمة وقالوا عنه إنه شعر وإنه سحر لكنهم اعترفوا بالعجز البالغ عن معارضته وأدركوا إعجازه البياني الرفيع وتذوقوا جماله الفني وتحسسوه شبه مسحورين ، وإذا نظرنا في الروايات التي سجّلت تأثير القرآن في قلوب المؤمنين والكافرين والكلمات التي تحدثوا بها عن ما يحسون من أثر القرآن فإننا لا نجد فيها تعليلا فكريا لهذا الأثر فعمر بن الخطاب يقول عن القرآن (ما أحسن هذا الكلام وأكرمه !) ويقول عن تأثير القرآن في نفسه (فلما سمعت القرآن رقّ له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام).
وكذلك قول الوليد بن المغيرة عند ما تحدث عن مشاعره وأحاسيسه عن القرآن في لحظة صدق مع نفسه قال : (والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه ما يقول هذا بشر) وزعماء قريش يجدون شيئا خفيا يسيّرهم كل ليلة ليستمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يستطيعون الامتناع عن السير إليه مع تعاهدهم عليه ولا يملكون مخالفة هذا الدافع الخفي ، هذه المرحلة الأولى لتذوق الجمال الفني القرآني هي مرحلة التذوق الفطري المباشر يجد فيها الإنسان مس القرآن ويلمس تأثيره ويبهر به ويستسلم له ولا يحاول أن يبحث عن سر ما يلمس وتعليل ما يجد لأنه في شغل عن بيان كل هذا.
المرحلة الثانية مرحلة إدراك مواضع الجمال المتفرقة : وتبدأ هذه المرحلة في منتصف القرن الثاني للهجرة عند ما أقبل العلماء على القرآن الكريم من مفسرين وأدباء ومتكلمين إلا أن نظراتهم اقتصرت على نواح جزئية حيث نظروا في الآية كوحدة منفصلة وراحوا يستخرجون منها مباحث في اللغة والأدب والبلاغة والأصول والفقه والتشريع والعقيدة وغيرها وألفوا مؤلفات كثيرة ضخمة في التفسير وملئوها بمباحث في النحو والبلاغة ، كما ألّفت كتب عديدة في علوم القرآن ضمنت مباحث متنوعة مثل قصص القرآن وبديع القرآن وتشبيهات القرآن ومعاني القرآن وإعجاز القرآن.
إلا أن القليل من المفسرين والبلاغيين وفّقوا في بعض الأحيان إلى إدراك الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن الكريم ووقفوا عند نظرات جزئية وأدركوا فيها بعض مواضع الجمال المتفرقة ، وسبب عدم إدراكهم للخصائص العامة هو وقوفهم عند حدود عقلية النقد العربي القديمة تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة فتحلّله وتبرز الجمال الفني فيه إلى الحد الذي تستطيع – دون أن تتجاوز هذا – إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله.
المرحلة الثالثة مرحلة إدراك الخصائص العامة : وهي المرحلة التي جاءت متأخرة ولم تتم إلا في العصر الحديث حيث بدأت الكتابة في الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن باكتشاف القاعدة العامة والطريقة الموحدة في التعبير القرآني ، وتناول سيد قطب جانبا هاما من القواعد الأساسية في أسلوب القرآن الكريم في كتاب (التصوير الفني في القرآن) فكان رائدا من رواد هذه المرحلة في إبراز قاعدة أساسية عامة من الأساليب البيانية للقرآن الكريم ، يقول سيد قطب في ذلك : (إن حقيقة جديدة تبرز لي إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض – فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال – فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز ذلك توفيق لم أكن أتطلّع إليه حتى التقيت به).
ويقول : (التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن فهو يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية ، وأما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها عناصر التخيل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع حيث تتوالى المناظر وتتجدد الحركات وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع .. إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة).
ومن أهم الكتب المنظرة للحركة الإسلامية الحديثة كتابه معالم في الطريق (وهو مختصر من بعض أجزاء الظلال) وقد عشت بضع سنين وأنا أضع هذه الافكار في مصاف النظريات القيمة حتى كان عام 2009 م عندما بدأت أدرس علم أصول العقيدة وأصول الفقه والمذاهب الاسلامية على أيدي المتخصصين من علماء الازهر ، وعندها اكتشفت تدريجيا أن هناك من يقوم بجريمة بشعة ألا وهي زرع هذه الأفكار الشاذة والغريبة في عقول الناشئة والشباب.
لقد كان سيد قطب مفكرا كبيرا وأديبا حالما لكنه لم يكن يوما من العلماء أو الفقهاء أوالمشتغلين بقواعد الاستدلال وانما استقى رؤيته من شجون عاطفية وحماسة أدبية وظروف سجن أخذت طابع الملاحم والقصص ونحسبه من الشهداء الأبرار ، لكن الحقيقة أن آراءه جميعا خلت من كل قواعد الاستدلال المنهجية التي استقر عليها العلماء المقلدون والمجددون على السواء ولم تكن تصلح للتطبيق في زمنه فمن باب أولى عدم صلاحيتها لذلك بعد نصف قرن من ظروف كتابتها.
إلى جانب ملاحظة هامة وهي أن سيد قطب كان ضعيفا للغاية في السيرة النبوية لدرجة جعلتني أراجع كل كتب السيرة المعروفة وكتب الحديث الكبرى لأكتشف أنه يبدع بعض الآراء من قريحته ويخلص إلى استنتاجات لا يصح استخلاصها من واقع جزيرة العرب المعروف لكل دارسي التاريخ كما أنه متأثر بشكل كبير في كتابه (في ظلال القرآن) بنظرية وحدة الوجود (برجاء النظر إلى تفسير سورة الإخلاص وغيرها).
لقد أبدع مجموعة من المصطلحات التي صارت أدبيات مقدسة لدى الحركة الاسلامية الآن مثل (العزلة الشعورية) ، (استعلاء الإيمان) ، (جاهلية المجتمع) ، (الطلائع الموفقة) ، (مفاصلة المجتمع) ، كما لعب دورا حيويا مع المودودي في صياغة مفهوم (الحاكمية) الذي هو لب أفكار الكثير من الإسلاميين.
كما فتحت أفكاره الباب على مصراعيه لمنظري (التكفير) مما مهد الطريق أمام قليلي العلم والفقه لاستحلال قتل ومحاربة المسلمين باعتبارهم كفارا وهو ينافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة .. وأخيرا فإن سيد قطب بالنسبة لي هو فقط جزء من التاريخ الفكري للإسلام مثله مثل حسن البنا والشيخ محمد بن عبد الوهاب والشوكاني والشاطبي وحجة الاسلام الغزالي وابن تيمية والأشعري وغيرهم .. أدرس أفكارهم بعناية وأستفيد منها وأتعلم من سيرتهم النضالية وقصة كفاحهم لكن لم يعد من المقبول بأي حال من الأحوال أن يكون واقعنا الحاضر مجالا لتطبيق أي من هذه الأفكار بصورة عملية ، وإنما واجبنا جميعا أن نسعى لتجديد الإسلام كما سعوا هم في أزمانهم خاصة ونحن نعيش في القرن الخامس عشر الهجري الذي أوشك ثلثه على الانقضاء ولا يزال بعضنا يريد أن يعيش في القرون الماضية ..
هناك فارق كبير بين التذوق الأدبي الذي يصنع استحسانا لفكرة أو استهجانا لرأي ويقف عند مستوى التفكير والشعور وبين أن يتحول ذلك إلى مذهب وعقيدة تبنى عليها آراء شرعية واجتهادات فقهية تتحول إلى سلوكيات عملية قد تصل إلى إزهاق الأرواح .. ورأي سيد قطب في الجهاد يتفق مع المذهب القائل بوجوب (جهاد الطلب) أي أننا مأمورون بقتال الناس حتى يسلموا ، وهو مذهب قديم حدث حوله جدل في تفسير معنى الجهاد وهل يكون بالقتال بالسيف أم يشتمل على جهاد الدعوة وجهاد القدوة وجهاد التعليم.
وسبب ذلك في تاريخ الفقه يعود عند الكثيرين إلى الخلط بين وسائل الدعوة إلى الله (التي هي فرض وغرضها البلاغ) وبين وسائل حماية الدعوة (والتي تعني حماية أرواح الدعاة وضمان سلامتهم وانسياب البلاغ للناس) ، ووسائل الحماية تلك (ومنها القتال) موقوتة عند علماء الأصول بظروف محددة وشروط مؤقتة ، كما أن مسألة وصف أي مجتمع بالجاهلية هي مسألة نسبية طالما تعددت المذاهب.
والمتمعن في التاريخ يكاد يقرر أن العصر الحالي من أفضل عصور المسلمين وأقلها في ظلم الحكام وابتداعهم وسفكهم للدماء وذلك بسبب القيم الإنسانية الحضارية مثل إلغاء الرق وتداول السلطة والحرية الفردية وغيرها مما كان المسلمون محرومين منه قرونا طويلة (عصرالمماليك ثم الملوك الدراويش العثمانيين والتيموريين) ، لكننا للأسف نقرأ من التاريخ ما يدعم قناعاتنا المسبقة وليس ما يصل بنا إلى الحقائق وهذه إحدى مشكلاتنا الكبرى.
وأنا من الذين يفرقون بين الجهاد والقتال ، الجهاد اسم جامع لكل جهد لخدمة الدين ، أما القتال فهو إحدى وسائل حماية الدعوة الاسلامية (وأعني بها حماية ارواح الدعاة من كل ما يهدد وصول رسالتهم الى الناس) ، وما دام لم يحل حائل بين الداعي والمدعو فلا حاجة البتة للقتال ، المشكلة الحقيقية عندما يختار المسلمون أكثر مذاهب دينهم تشددا وانغلاقا ويتبنى بعضهم فرضه على الآخرين فيحدث رفض لهذه الأفكار ويظن بعض الإسلاميين أنه رفض للدين ذاته (وهو مخطئ) ويرى أن الحل الوحيد هو فرض رأيه بالقوة.
لقد كانت الفتوحات في صدر الاسلام أمرا لازما لهذه الحماية بدليل أن كل قادة الجند كانوا يوصون بترك العباد في صوامعهم والرهبان في أديرتهم وهم على غير الاسلام (ومنهم اليهود والنصارى والصابئة بعقائدهم الحالية) ولم يرغمهم على الإسلام رغم أنهم أولى الناس بالقتال لو كان الهدف منه هو تغيير العقائد .. أما رد العدوان فهو ليس من جهاد الطلب المقصود ، وإذا كان القتال جائزا لصد المعتدي المسلم فمن باب أولى هو جائز لصد المعتدي غير المسلم.
لكن الأستاذ سيد قطب يرى في القتال الدفاعي نوعا من الانهزامية والاستسلام للغزو الفكري ويرى في أتباع المذاهب الأخرى الذين يدعون الى العقلانية والتسامح أنهم مجموعة من المفرطين في ثوابت الدين ويحتاجون إلى مراجعة إيمانهم ، وأضعف الإيمان أن نقول عمن تبعه أنه اجتهد في حدود المكان والزمان المحيطين به وأخطأ في الاجتهاد ، ولا يجوز تبرير هذا الخطأ أو تعميم التجارب الماضوية لأن المنهجية الفقهية والأصولية التي يتبعها بعضهم هي منهجية شديدة القدم ومعقدة ولا تصلح يقينا لزمننا .. الحقيقة أنني أرى كثيرا من أنصار الاسلام وكأنهم خارجون للتو من كهف عميق.

77 / مقدمات العلوم والمناهج
من أهم الكتب التي كانت تحتل مكانة مميزة في مكتبة والدي رحمه الله مجموعة من عشرة مجلدات تحمل عنوانا لافتا وهو (مقدمات العلوم والمناهج محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل) من تأليف الكاتب والمفكر الإسلامي أنور الجندي (1917 ـ 2002 م) ، وقد حكي لي الوالد أنه التقى به في عدد من المؤتمرات ووصفه بالتواضع والبساطة حيث كان يجلس منصتا باهتمام شديد للمتحدثين وهو منكب على كتابة ملاحظاته في دفتر صغير كان يحمله دوما.
وتتناول الأجزاء العشرة موضوعات تشمل كافة محددات الفكر الإسلامي المعاصر من وجهة نظر الكاتب وذلك تحت العناوين التالية : الفكر الإسلامي ، تاريخ الإسلام ، عالم الإسلام المعاصر ، اللغة والأدب والثقافة ، التبشير والاستشراق والدعوات الهدامة ، المجتمع الإسلامي ، الحضارة والعلم والعلوم الاجتماعية ، طابع الإسلام بين الأديان والأيديولوجيات ، المنهج الغربي أخطاؤه والشبهات المثارة ضد الإسلام ، تاريخ اليقظة الإسلامية في مراحلها الثلاث.
وقد وضع فيه المؤلف معالم منهج إسلامي متكامل لمقدمات العلوم والمناهج ليكون زادًا لأبناء الحركة الإسلامية ونبراساً لطلاب العلم في كل مكان وفصل فيه الجذور الأساسية للفكر الإسلامي التي بناها القرآن الكريم والسنة المطهرة وما واجهه من محاولات ترجمة الفكر اليوناني الفارسي والهندي وكيف انبعثت حركة اليقظة الإسلامية في العصر الحديث من قلب العالم الإسلامي نفسه فقاومت حركات الاحتلال والاستغلال والتغريب والتخريب والغزو الفكري والثقافي.
والمؤلف من أبرز دعاة نظرية المؤامرة ومن منظري فكرة الغزو الفكري وعبر عن ذلك في معظم مؤلفاته التي تتجاوز مائتين وثمانين كتابا من أهمها كتاب السنة النبوية في مواجهة شبهات الاستشراق وكتاب المعارك الأدبية الذي تناول فيه تاريخ الاختلافات الثقافية والفكرية بين الأدباء والمفكرين في العصر الحديث وكتاب تاريخ الغزو الفكري والتعريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين والذي كتب في مقدمته خلاصة رؤيته في ذلك.
وجاء في هذه المقدمة قوله : ” توطنة .. تعرض الفكر العربي الإسلامي المعاصر في تطوره إلى معركة ضخمة هي معركة الغريب والتبعية الثقافية التي فرضها الاستعمار مستهدفا تحطيم قيم الفكر العربي الإسلامي والقضاء على الملامح الاصيلة لشخصيته.
وقد وقف الفكر العربي الإسلامي من هذه المعركة موقف (التحدي ورد الفعل) ذلك أن الفكر العربي الإسلامي في مطالع يقظته بالدعوة الوهابية انما كان يهدف إلى التحرير من التقليد والجمود في الفكر والاستبداد في السياسة عن طريق تحرير الفكر العربي الإسلامي من الزيوف التي دخلت اليه خلال فترة الضعف التي مر بها العالم الإسلامي ، غير أن العالم العربي الإسلامي سرعان ما واجه أول حملة عسكرية غربية بعد الحروب الصليبية هى الحملة الفرنسية ومن ثم بدأت معركة الاستعمار الفرنسي البريطاني التي أدت إلى احتلال أغلب أجزاء العالم العربي والسيطرة عليه وفرض الثقافة الغربية عليه.
ومن هنا بدأت (معركة التحدى ورد الفعل) التي واجهها الفكر العربي الإسلامي في قوة وحيوية واستطاع بعد ١٤٠ عاما (١٧٩٨ – ١٩٣٩) تحقق انتصار واضح اعترف به خصوم العرب والمسلمين وعبر عنه مستر جب المستشرق الانجليزي حيث قال : (إن المسلمين الغيورين يسلكون سبيلا وسطا فيأخذون خير ما في الشرق وخير ما في الغرب وبدأ ينفضون عنهم غبار العصور الوسطى ويحمون الإسلام من قوى المدنية الغربية المدمرة ولن يستطيع العرب أن يقطعوا صلتهم بالماضي كما قطعها الأتراك ولما كان الإسلام جزءا لا يتجزأ من الماضي فليس في وسع المثل العربي الا على أن يتجرد منه تجرا تاما).
نعم لقد دخل الغرب هذه المعركة بكل أسلحته فحاول التأثير في التعليم والسياسة والمجتمع واللغة العربية والصحافة والدين وعمد إلى السخرية بتاريخ وأمجاد الأمة العربية الإسلامية وخلق نظريات للقضاء على القيم والمثل العليا وخلق عملاء للثقافة الغربية ، وحاول عن طريق المستشرقين ومن تابعهم من المفكرين العرب نشر عديد من الأخطاء والشكوك والشبهات واستغلال روايات موضوعة لتصوير تاريخ العرب والإسلام واللغة العربية بصورة مرزية.
وحاول الغرب إنكار فضل الإسلام على الثقافة والحضارة الحديثتين وكذلك إنكار فضل مصر على حضارة اليونان ، كما عمد إلى تغليب اللغات والثقافات الغربية على اللغة العربية عن طريق حملات التبشير بالإرساليات والمدارس وتحوير أنظمة التعليم والسيطرة على الصحافة واستعان في ذلك بقسوة النفوذ الأجنبي والامتيازات الأجنبية ، وعول في سبيل تحطيم القوى المعنوية للأمة العربية فرفض البقاء والخمر والمخدرات وجرى عزل جامعات الأزهر والقرويين والزيتونة عن العمل حتى يتحقق للاستعمار عن طريق التعليم المدني تنفيذ نظريات إبعاد الدين عن التعليم وخلق مناهج لا هدف لها الا تخريج موظفين يعملون تحت اشراف رؤساء أجانب على حد قول كرومر (رأس انجليزية وأيد مصرية).
وحرص الغرب على أن يقدم لنا من الحضارة الجوانب المتصلة بالفرائز والترف وارضاء الأهواء بغية تحطمك المجتمع العربي وبث روح الفساد فيه وتمزيق كيانه ، وجرى الزعم بأن المدنية الغربية كل لا يتجزأ فإما أن تؤخذ كلها أو تترك كلها وكانت هذه مغالطة واضحة في التفريق بين الثقافة والحضارة والأولى تمثل القيم والمشاعر وهى لا تنقل والثانية تمثل الماديات والمخترعات والمكتشفات وهى ما يمكن نقله دون قيد ، وقعد عمد دعاة التغريب إلى اثارة الشكوك حول الدين وحول الإسلام بالذات بحسبانه القوة الموجهة التي كانت دائما عاملا فعالا في مقاومة العبودية والاستسلام.
وقد واجه الفكر العربي الإسلامي هذه المعركة الخطيرة في قوة ، وكانت نظرية (المقاومة ورد الفعل) التي حمل لواءها الفكر العربي الإسلامي قائمة على أساس المقاومة والتجديد والاجتهاد والمحافظة على الأسس وعدم الاستسلام ، وكشف الفكر العربي الإسلامي طوال هذه الفترة عن حقيقة واضحة هي : أن الحضارة الانسانية القائمة الآن ليست من عمل الأوربيين وحدهم بل هي من عمل جميع الشعوب التي شاركت في المدنية منذ قرون فالورق من الصين والأرقام من الهند والكتابة من مصر وفينيقية.
وقد كان لهذه المقاومة أثرها عن تحول عدد كبير من عملاء الثقافة الغربية في العالم العربي من الايمان بالحضارة المعاصرة إلى الكفر بها ومن ثم عادوا يبحثون عن وسائل النهضة على اساس من تراثنا الإسلامي والعربي ، كما كشفت الأحداث عن فشل الدعوات والنظريات الغربية في بلادها وأعلن كتاب وفلسفة غربيون منصفون أن الفلسفة المادية الغربية وما استندت اليه من علومها الكونية قد عجزت عن تحقيق مجتمع سليم في الغرب ومفهوم انساني واضح ودعا الكثيرون إلى ضرورة تطعيم الحضارة المادية بروحانية الشرق.
وكان الرأي السائد هو أن المنطقة العربية الإسلامية ليست مادية خالصة أو روحية خالصة وانما تؤمن بالامتزاج بين الروحية والمادية ، وكان من أكبر أخطاء دعوة التغريب نقل النظريات التي طبقت على المسيحية لتطبيقها على الإسلام مع الاختلاف الواضح في موقف كل منهما من الحضارة والعلم ، وقد كشف البحث عن أن اليقظة الفكرية العربية بدأت قبل الثورة الفرنسية والحماية الفرنسية وأن العرب قد استيقظوا قبل أن يوقظهم الغرب وأحسوا بحاجتهم إلى تجديد تنكيرهم وحياتهم قبل أن تغزو حملات الغرب شواطئ تلاد العرب.
ولقد انتهت هذه المعركة بفشل نظرية (التغريب الكامل) وأثبتت المعركة حيوية الشخصية الإسلامية وقدرتها على المقاومة ومواجهة الاحداث والتطور والاقتباس دون القضاء على الملامح الأصلية للشخصية الإسلامية على ضوء تجربة سابقة للغرب فهم قد أخذوا في الماضي عن اليونان والفرس ولم يفقدا شخصيتهم وتأكد الغرب بأن العرب لن يتخلوا عن ماضيهم ولن يقيموا فكرهم الحديث الا على أساس من قيمهم العربية الإسلامية الأصيلة ، وقد أحس الاستعمار بأن المعركة أوشكت أن تنتهي بانتصار الفكر الغربي فحاول بعد الحرب العالمية الثانية تجديد أسلحته وتقدم ليدخل معركة أخرى بعد عام ١٩٤٦ أشد هولا وقد بدأت أسلحته تزداد حدة وعنفا وهذا هو موضوع دراستنا في المرحلة القادمة.
وبعد فهذه دراسة سريعة شاملة لتطور الفكر العربي الإسلامي المعاصر تصور موجهته لمعارك التغريب والتجزئة والتبيعة الثقافية في خلال المرحلة فيما بين الحربين ١٩١٩ – ١٩٣٩ في مجال المسائل الكبرى : التعليم والسياسة والمجتمع والمرأة والقومية العربية واللغة العربية والصحافة والدين ، وهي تكشف في صراحة وصدق عن جميع المعالم والتيارات والحركات التي اشتملتها في هذه المعركة في خلال هذه الفترة الدقيقة الحرجة فترة ما بين الحربين العالميتين.
وأعتقد أن هذه هي الدراسة التمهيدية لأكشف عن هذه الفترة التي يمكن ان توصف بأنها كانت المحاولة لوضع أسس بناء الفكر الإسلامي والثقافة العربية والمجتمع العربي ، وكل ما يمكن أن توصف به هذه المعركة في كلمات : أن الفكر العربي الإسلامي لم ينهزم بالرغم من القوى والأسلحة والمؤامرات التي تجمعت للقضاء عليه وأنه استطاع أن يقاوم بقوة وعنف وأن يكشف عن أصالة وحيوية وقدرة على التطور والتلقي والاقتباس مع الاحتفاظ بمعالمه الأصيلة ، أنور الجندي “.
وقد جاءت ترجمة المؤلف في موقع المكتبة الشاملة نقلا عن عدة مراجع وفيها : أحمد أنور سيد أحمد الجندي (١٩١٧ م – ٢٠٠٢ م) أديب ومفكّر إسلامي مصري ، نشأته : ولد أنور الجندي عام ١٩١٧ بقرية ديروط التابعة لمركز أسيوط بصعيد مصر ويمتد نسبه لعائلة عريقة عُرفت بالعلم فجده لوالدته كان قاضياً شرعياً يشتغل بتحقيق التراث وكان والده مثقفاً يهتم بالثقافة الإسلامية.
وكان أنور – الذي تسمى باسم أنور باشا القائد التركي الذي اشترك في حرب فلسطين والذي كان ذائع الشهرة حينئذ – قد حفظ القرآن الكريم كاملاً في كتَّاب القرية في سن مبكرة ثم ألحقه والده بوظيفة في بنك مصر بعد أن أنهى دراسة التجارة بالمرحلة التعليمية المتوسطة ، ثم واصل دراسته أثناء عمله حيث التحق بالجامعة في الفترة المسائية ودرس الاقتصاد وإدارة الأعمال إلى أن تخرج في الجامعة الأمريكية بعد أن أجاد اللغة الإنجليزية التي سعى لدراستها حتى يطلع على شبهات الغربيين التي تطعن في الإسلام.
مشواره في الكتابة : بدأ أنور الجندي الكتابة في مرحلة مبكرة حيث نشر في مجلة أبولو الأدبية الرفيعة التي كان يحررها الدكتور أحمد زكي أبو شادي عام ١٩٣٣ م وكانت قد أعلنت عن مسابقة لإعداد عدد خاص عن شاعر النيل حافظ إبراهيم فكتب مقالة رصينة تقدم بها وأجيزت للنشر وكان يقول : (ما زلت أفخر بأني كتبت في أبولو وأنا في هذه السن – ١٧ عاماً – وقد فتح لي هذا باب النشر في أشهر الجرائد والمجلات آنئذ مثل البلاغ وكوكب الشرق والرسالة وغيرها من المجلات والصحف).
وتُشَكِّلُ سنة ١٩٤٠ م علامة فارقة في حياة الأستاذ أنور الجندي وذلك عندما قرأ ملخصاً عن كتاب (وجهة الإسلام) لمجموعة من المستشرقين ولفت نظره إلى التحدي للإسلام ومؤامرة التغريب ، وهو يصف ذلك بقوله : (وبدأت أقف في الصف قلمي عدتي وسلاحي من أجل مقاومة النفوذ الفكري الأجنبي والغزو الثقافي غير أني لم أتبين الطريق فوراً وكان عليّ أن أخوض في بحر لجي ثلاثين عاماً .. كانت وجهتي الأدب ولكني كنت لا أنسى ذلك الشيء الخفي الذي يتحرك في الأعماق .. هذه الدعوة التغريبية في مدها وجزرها في تحولها وتطورها).
وهكذا بدأ أنور الجندي بميدان الأدب الذي بلغ اختراقه حداً كبيراً حيث كان أكثر الميادين غزواً في حينها وأعلاها صوتاً وأوسعها انتشارًا فواجه قمم هذا الميدان مثل طه حسين والعقاد وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وجورجي زيدان وتوفيق الحكيم وغيرهم ، وأقام الموازين العادلة لمحاكمة هؤلاء في ميزان الإسلام وصحة الفكرة الإسلامية فأخرج عشرات الكتب من العيار الفكري الثقيل مثل : أضواء على الأدب العربي المعاصر ، والأدب العربي الحديث في معركة المقاومة ، والتجمع والحرية وأخطاء المنهج الغربي الوافد ، وإعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام.
خص منها طه حسين وحده بكتابين كبيرين هما : طه حسين وحياته في ميزان الإسلام ومحاكمة فكر طه حسين ، ذلك لأن الجندي كان يرى أن طه حسين هو قمة أطروحة التغريب وأقوى معاقلها ولذلك كان توجيه ضربة قوية إليه هو قمة الأعمال المحررة للفكر الإسلامي من التبعية ، وخلال ذلك كان يتحرى الدقة والإنصاف فقد جاءت كتاباته الرصينة منصفة في الوقت نفسه لأصحاب الفكرة الإسلامية الصحيحة من أمثال مصطفى صادق الرافعي وعلي أحمد باكثير والسحار وكيلاني ومحمود تيمور وغيرهم من أصحاب الفكر المعتدل والأدب الملتزم.
إسهاماته : وكان الأستاذ أنور الجندي باحثاً دؤوباً وذو همة عالية وهو يقول عن نفسه مبينا دأبه في البحث والاطلاع : (قرأت بطاقات دار الكتب وهي تربو على مليوني بطاقة وأحصيت في كراريس بعض أسمائها ، راجعت فهارس المجلات الكبرى كالهلال والمقتطف والمشرق والمنار والرسالة والثقافة وأحصيت منها بعض رؤوس موضوعات ، راجعت جريدة الأهرام على مدى عشرين عاماً وراجعت المقطم والمؤيد واللواء والبلاغ وكوكب الشرق والجهاد وغيرها من الصحف وعشرات من المجلات العديدة والدوريات التي عرفتها في بلادنا في خلال هذا القرن ، كل ذلك من أجل تقدير موقف القدرة على التعرف على موضوع معين في وقت ما) ، وقد لقى الجندي في طريق جهاده بالكلمة الكثير من العناء والعنت فقد تعرض للظلم والأذى فضلاً عن أنه اعتقل لمدة عام سنة ١٩٥١ م.
وقد أخذ الجندي على نفسه وضع منهج إسلامي متكامل لمقدمات العلوم والمناهج يكون زادًا لأبناء الحركة الإسلامية ونبراساً لطلاب العلم والأمناء في كل مكان فأخرج هذا المنهج في ١٠ أجزاء ضخمة يتناول فيه بالبحث الجذور الأساسية للفكر الإسلامي التي بناها القرآن الكريم والسنة المطهرة وما واجهه من محاولات ترجمة الفكر اليوناني الفارسي والهندي وكيف انبعثت حركة اليقظة الإسلامية في العصر الحديث من قلب العالم الإسلامي نفسه – وعلى زاد وعطاء من الإسلام – فقاومت حركات الاحتلال والاستغلال والتغريب والتخريب والغزو الفكري والثقافي ، ويذكر أن هذه الموسوعة الضخمة تعجز الآن عشرات المجامع ومئات المؤسسات والهيئات أن تأتي بمثلها أو بقريب منها وكان للقائه بالشيخ حسن البنا أثر في إخراج تلك الموسوعة.
كذلك كانت من القضايا الرئيسية التي شغلت حيزاً كبيراً من فكره هي قضية تحكيم الشريعة الإسلامية حيث كان يقول : (أنا محام في قضية الحكم بكتاب الله ما زلت موكلاً فيها منذ بضع وأربعين سنة) ، وقد صنف الجندي ما يربو على مائتي كتاب وأكثر من ثلاثمائة رسالة في مختلف قضايا المعرفة والثقافة الإسلامية ومن أهم كتبه : أسلمة المعرفة ، ونقد مناهج الغرب ، والضربات التي وجهت للأمة الإسلامية ، واليقظة الإسلامية في مواجهة الاستعمار ، وأخطاء المنهج الغربي الوافد ، وتاريخ الصحافة الإسلامية.
ومن إسهاماته أيضا كتاب الصحافة والأقلام المسمومة الصادر عن دار الاعتصام لعام ١٩٨٠ م وفيه يحمل على منهج بعض الصحف المصرية في نشر ما أسماه (منهج زعزعة أسس المجتمع الإسلامي) في الفترة ما بين نكبة ١٩٤٨ م ونكسة ١٩٦٧ م كما يتضح من عنوان الكتاب الفرعي وكان آخر كتبه هو كتاب نجم الإسلام لا يزال يصعد وقد أوصى قبل وفاته بأن يتم تصنيف كتبه ومكتبته كلها ثم دفعها لمؤسسة إسلامية تقوم بطرح هذه المكتبة للجمهور من القراء والباحثين للاستفادة منها وقد شدد على أن كل تراثه الفكري يجب أن يكون وقفاً للمسلمين.
تكريمه : وقد حصل الأستاذ الجندي على جائزة الدولة التقديرية عام ١٩٦٠، وشارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية التي عقدت بعواصم العالم الإسلامي في الرياض والرباط والجزائر ومكة المكرمة والخرطوم وجاكرتا ، كما حاضر في عدد من الجامعات الإسلامية مثل جامعة الإمام محمد بن سعود والمجمع اللغوي بالأردن ، ومع كل هذا الجهد والنبوغ الذي جعله يتبوأ مكانة مرموقة بين كبار المفكرين والمدافعين عن الإسلام إلا أنه كان زاهداً في الشهرة والأضواء وعاش رجلاً بسيطاً لا يعرف الثراء ولا الترف في المسكن أو الملابس وغير ذلك من أمور الحياة.
وكان مع ذلك عفيفاً لا يقبل شيئا على محاضراته وأفكاره بل حتى الجوائز التقديرية كان يرفضها ويأباها وكان عندما يسئل عن ذلك يقول : (أنا اعمل للحصول على الجائزة من الله ملك الملوك) ولهذا كان زاهداً في الأضواء وفي الظهور ، ولم يكن يحبذ اللقاءات التلفزيونية أو الفضائية وكان كل همه التأليف وكان يدعو ربه دائماً بأن يعطيه الوقت الذي يمكنه من كتابة ما يريد ولذلك فإن مشاركاته في الفضائيات كانت قليلة جداً تكاد تقتصر على بعض التسجيلات في أبو ظبي والرياض.
وفاته : وفي مساء الاثنين ١٣ ذي القعدة سنة ١٤٢٢ هـ الموافق ٢٨ يناير ٢٠٠٢ م توفي إلى رحمة الله المفكر الكبير الأستاذ أنور الجندي عن عمر يناهز ٨٥ عاماً قضى منها في حقل الفكر الإسلامي قرابة ٧٠ عامًا يقاتل من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة ورد الشبهات الباطلة والأقاويل المضللة وحملات التغريب والغزو الفكري فرحمه الله رحمة واسعة.
قالوا عنه .. قال عنه الكاتب جمال سلطان : (عندما ذهبت مع صديق قبل سنوات لتقديم واجب العزاء لأسرة فقيد الإسلام الكبير الأستاذ أنور الجندي في بيته الكائن بمنطقة الطالبية أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في القاهرة ، كانت صورة هائلة تستحوذ على خيالي وفكري صورة المفكر الكبير الذي أثرى المكتبة العربية والإسلامية بأكثر من مائتي كتاب أكرر مائتي كتاب في الأدب العربي والفكر الإسلامي وقضايا التغريب والأصالة والدفاع عن هوية الأمة وشخصيتها التاريخية وحضارتها ودينها.
وبقدر هذه الهالة الكبيرة التي كانت تستحوذ على ذهني وتستغرقني بقدر المفارقة عندما دخلنا إلى بيته شديد التواضع في ذلك الحي الشعبي وهو بيت قديم متهالك، لا تحس فيه أية مسحة من الترف حتى أن ابنته الوحيدة قالت لنا إن الأستاذ أنور لم يكن لديه حتى سخان للمياه على كبر سنه وشدة برد الشتاء في مصر ، وكان من عجائب ما سمعناه منها أن هذا الشيخ الكبير الغارق في بحر من الكتب وأكوام الصحف والمجلات كان يحرص كل صباح على أن يعد بنفسه سندويتشات حفيدته ثم يصحبها للمدرسة القريبة، ثم يشتري لأسرتها احتياجاتها اليومية من الأسواق والبقالات المجاورة ثم يعود إلى مكتبه ليواصل رحلة عطائه.
أعجب من ذلك ما حكته وبعض جيرانه عن أن الرجل كان يخرج لصلاة الفجر وأحيانا كان يجد خط الماء وقد تعطل وانقطعت المياه عن المنطقة فيحمل معه أوعية للماء (جراكن) ويملؤها ثم يضعها أمام باب كل جار ويقول لابنته عندما تعاتبه (إن الله سائلني عن هؤلاء) ، ذكرتني هذه الواقعة بحديث جرى بيني وبين المرحوم الأستاذ حسن عاشور صاحب مكتبة الاعتصام أحد أبرز ناشري كتب أنور الجندي قال : عاتبت الأستاذ أنور ذات يوم لأنه تأخر عن موعده معي في المكتبة الكائنة بوسط القاهرة فاعتذر الرجل بأنه لا يقوى على ركوب الحافلة العمومية (الأوتوبيس) أثناء عودتها من الهرم باتجاه وسط القاهرة لشدة زحامها وضعف صحته عن المزاحمة فيضطر لركوبها في الاتجاه الآخر قرب نهاية الخط لكي يتسنى له الجلوس وينتظرها حتى تعود ، يقول الرجل : كان أنور الجندي يتزاحم في الحافلات العمومية بينما هناك صبية صغار من المحسوبين على الصحافة والقلم يمرحون في شوارع القاهرة بأحدث السيارات.
رحم الله أنور الجندي كان منقطعا للعلم والعمل والزهد والتقرب إلى الله ، تقول ابنته انها كانت عندما تقع عينها على صحيفة أو مجلة تتحدث عنه وتثني عليه فتهرع إليه بالجريدة مستبشرة تجده يشيح عنها ويقول : دعك من هذه (القشور) التي تضيع الوقت والبركة ، كان الرجل فقيرا لا عن عجز وإنما عن زهد وقناعة حتى أنه كان يوزع الجوائز التي يحصل عليها من بعض أعماله على فقراء منطقته رغم أنه منهم ، وأنور الجندي بميزان الفكر والقلم أحد أهم أعلام الفكر العربي في القرن العشرين وإن كانت الصحافة خاصة المؤدلجة المهيمنة على زوايا الفكر والثقافة ومنابرها في العالم العربي حاولت قبره في حياته كما تجاهلته بعد رحيله.
منذ أكثر من خمسة وستين عاما عرفت الصحافة العربية قلم أنور الجندي الأديب والمفكر والكاتب ، وعلى مدار هذه السنين الطويلة تواصل عطاء الرجل ومثل سجلا رائعا لمعارك الفكر والأدب في القرن العشرين كما مثل ثورة في الوعي العربي تجاه مرحلة النهضة وروادها وأفكارها وتياراتها الأمر الذي أهاج عليه هجمات المتغربين لأنه كشف حقائق كانوا يظنونها لا تكشف ، وأنور الجندي الذي حصل على جائزة الدولة التقديرية عام ١٩٦٠ مثل في مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين كتيبة فكرية كاملة العتاد والسلاح في وجه تيارات التغريب.
وما زلت أذكر أن كتبه ورسائله التي أخرجها في ذلك الوقت كانت تمثل زادا متجددا يحمي عقولنا ـ نحن أبناء ذلك الجيل ـ من التيه وتزييف الوعي وكانت من غزارتها أشبه بمجلة أسبوعية فانتقل بنا نقلة بعيدة جعلتنا أكثر جرأة في إعادة النظر تجاه رموز أريد لها أن تكون أوثانا فكرية غير قابلة للنقد أو المراجعة ، وبكلمة واحدة فكل مشتغل بالفكر الإسلامي في نصف القرن الأخير في مصر تحديدا هم (عيال) على أنور الجندي.
وبعد وفاته كتب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فيه : علمت بالأمس القريب فقط أن الكاتب الإسلامي المرموق الأستاذ أنور الجندي قد وافاه الأجل المحتوم وانتقل إلى جوار ربه منذ يوم الإثنين ٢٨ يناير ٢٠٠٢ م ، بلغني ذلك أحد إخواني فقلت يا سبحان الله يموت مثل هذا الكاتب الكبير المعروف بغزارة الإنتاج وبالتفرغ الكامل للكتابة والعلم والذي سخر قلمه لخدمة الإسلام وثقافته وحضارته ودعوته وأمته أكثر من نصف قرن ولا يعرف موته إلا بعد عدة أيام لا تكتب عنه صحيفة ولا تتحدث عنه إذاعة ولا يعرِّف به تلفاز.
كأن الرجل لم يخلف وراءه ثروة طائلة من الكتب والموسوعات في مختلف آفاق الثقافة العربية والإسلامية وقد كان عضوا عاملا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ومن أوائل الأعضاء في نقابة الصحفيين وقد حصل على جائزة الدولة التقديرية سنة ١٩٦٠ م لو كان أنور الجندي مطربا أو ممثلا لامتلأت أنهار الصحف بالحديث عنه والتنويه بشأنه والثناء على منجزاته الفنية.

78 / رجال حول الرسول
(رجال حول الرسول) هو عنوان كتاب يتناول جانبا من السيرة النبوية من خلال تراجم ستين صحابيا من أصحاب الأدوار الكبرى في تاريخ الإسلام وذلك في أسلوب أدبي وهو من تأليف الكاتب والمفكر الإسلامي الأستاذ خالد محمد خالد (1920 ـ 1996 م) ، والكتاب جزء من سلسلة مؤلفات تدور حول نفس المجال وهي : هذا الرسول ، عشرة أيام في حياة الرسول ، أبناء الرسول في كربلاء ، لقاء مع الرسول ، كما تحدث الرسول ، لا يزال الرسول يتحدث ، خلفاء الرسول ، وجاء أبو بكر ، بين يدي عمر ، وداعا عثمان ، في رحاب علي ، معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز ، إنسانيات محمد ، معا على الطريق محمد والمسيح.
وقد جاءت ترجمته في مقدمة المكتبة الشاملة وفيها : خالد محمد خالد ثابت (١٩٢٠ – ١٩٩٦ م) مفكر إسلامي مصري مؤلف كتاب رجال حول الرسول الذي كان سبب شهرته كما ألف عدة كتب تتحدث عن السيرة النبوية أعلام الصحابة وهو والد الداعية المصري محمد خالد ثابت ، كان خالد محمد خالد كاتباً معاصراً ذا اسلوب مبسط تخرج في كلية الشريعة بالأزهر وعمل مدرساً ثم عمل بوزارة الثقافة وكان عضواً بالمجلس الأعلى للآداب والفنون.
ولد في ١٥ يونيو ١٩٢٠ بقرية العدوة من قرى محافظة الشرقية وتوفي ٢٩ فبراير ١٩٩٦ التحق في طفولته بكتاب القرية فأمضى به بضع سنوات، حفظ في أثنائها قدراً من القرآن وتعلم القراءة والكتابة ، ثم التحق بالأزهر، وظل يدرس فيه على مشايخه الأعلام ستة عشر عاماً حتى تخرج فيه، ونال الشهادة العالية من كلية الشريعة سنة ١٣٦٤ هـ – ١٩٤٥ م، وكان آنذاك زوجاً وأباً لأثنين من أبنائه ، وفي سن مبكرة التقى بشيخه المربي الشيخ محمود خطاب السبكي إمام أهل السنة ومجدد رواق الإسلام كما وصفه هو.
عمل بالتدريس بعد التخرج من الأزهر عدة سنوات حتى تركه نهائياً سنة ١٩٥٤ م حيث عين في وزارة الثقافة كمستشار للنشر ثم ترك الوظائف نهائياً بالخروج الاختياري على المعاش عام ١٩٧٦ ، تقلبت حياته في أطوار متعددة من حفظ مبكر وسريع للقرآن الكريم إلى طالب نابه بالأزهر الشريف إلى شاب متعطش للمعرفة تواق على أنواع الفنون والآداب والثقافات إلى منغمس في السياسة مشغول بها إلى خطيب بارع تهز خطبه السياسة أعواد المنابر ثم إلى واعظ تغمر دروسه وخطبه القلوب بنشوة الإيمان إلى عابد مشغول بالآخرة، مشغول بربه وقد شرح ذلك بالتفصيل في مذكراته التي كتبها وجعل عنوانها (قصتي مع الحياة).
مؤلفاته : خلف – رحمه الله – ثروة علمية كبيرة تربو على ثلاثين كتابا غير المقالات والأحاديث الكثيرة ، طبع كتابه (من هنا نبدأ) ست طبعات في سنتين اثنتين وترجم في نفس السنة التي صدر فيها إلى الإنجليزية في أمريكا وكتبت عنه عدة رسائل وأبحاث جامعية ومقالات في أنحاء متفرقة من أوربا وأمريكا .
يقول المؤلف رحمه الله أنه عندما رأى حفاوة أعداء الإسلام بالكتاب أدرك أنه أخطأ فيه إذ ظل يفكر فيما دعا إليه فيه من فصل الدين عن الدولة ويقبله في ذهنه حتى أعلن على الملأ رجوعه عن هذا الرأي فلم يخجل – وهو الكاتب الكبير – من أن يعلن أنه أخطأ ، وراح يصحح ذلك الخطأ بكل قوته فلم يترك وسيلة من وسائل إذاعة هذا التصحيح إلا أتاها من مقالات أو تحقيقات صحفية أو إذاعية أو تلفزيونية ، ثم لم يكتف بهذا كله، فكتب كتاباً كاملاً أعلن فيه تصحيحه لرأيه الأول وراح يدلل على أن الإسلام دين ودولة بل إنه جعل شعار الكتاب هو : (الإسلام دين ودولة .. حق وقوة .. ثقافة وحضارة .. عبادة وسياسة ).
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم : أشهر مؤلفاته وأكثرها انتشاراً تحدث فيه عن سيرة ستين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ضم بين دفتيه خمسة كتب عن الخلفاء الراشدين : وجاء أبوبكر ، بين يدي عمر ، وداعاً عثمان ، في رحاب علي ، معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز ، وقد ترجمت هذه الكتب إلى لغات كثيرة في إنحاء عديدة من العالم
ومن كتبه أيضاً : أبناء الرسول في كربلاء ، ووالموعد الله ، و لقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكما تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكما تحدث القرآن ، وإنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم ، و عشرة أيام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وغيرها ، أما كتبه السياسية والإنسانية والاجتماعية والفلسفية فهي عديدة كتب منها ثلاثة كتب في موضوع الديمقراطية وحدها وهي : الديمقراطية أبداً ، ودفاع عن الديمقراطية ، ولو شهدت حوارهم لقلت.
وكتب – أيضاً – مذكراته في كتاب قصتي مع الحياة وقد نشرت لأول مرة في جريدة المسلمون السعودية والمصور المصرية في آن واحد وبعد أن تمت طُبعت في جزء واحد في مؤسسة أخبار اليوم ثم طبعت طبعة جديدة بدار المقطم بالقاهرة ، وكان آخر كتبه (الإسلام ينادي البشر) وقد أراد له أن يخرج في ثلاثة أجزاء : الأول إلى هذا الرسول صلى الله عليه وسلم الثاني إلى هذا الكتاب (القرآن) الثالث إلى هذا الدين ولكنه لم يتمكن إلا من كتابة الجزء الأول ثم وافته المنية.
طريقته في الكتابة : أما عن عادته في الكتابة فإنه لم يكن يجلس للكتابة – قط – إلا إذا استشعر الحاجة الملحة لذلك وتكون الفكرة التي يريد الكتابة عنها قد نضجت وطلب الظهور حينئذ يجلس في أي مكان وفي أي ظروف ويبدأ في الكتابة دون أن يلتفت لما حوله أو ينشغل به ، وقد تمضي – أحياناً – من حياته سنوات دون أن يكتب فيها شيئاً لأنه لم يجد ما يهيج في نفسه الدافع للكتابة.
وقد اتسمت كتاباته بأسلوب رشيق بديع وقدرة فائقة على التعبير والغوص إلى جوهر الأشياء ووصفها بيسر وروعة، واقتدار وكان كثيراً ما يسأل عن السر في جمال أسلوبه فكان يقول : (إن الأسلوب في الكتابة لا يصنعه شيْ إلا رب العالمين) وقد أورد الدكتور شاكر النابلسي في كتابه الذي كتبه عنه نموذجا من كتابته وجعله تحت عنوان (عزف لغوي) وهو العنوان الذي يصف رشاقة أسلوبه وجماله ونفوذه إلى القلوب.
من أقواله المأثورة : الله سبحانه لا يعيق المهاجرين إليه والمسافرين إلى رضوانه بل يجعل لهم الأرض مهداً والسماء سبلاً ، كما ننام نموت .. وكما نستيقظ نبعث .. ومن كان في شك من الموت والبعث فليعش إن استطاع بلا نوم وبلا استيقاظ ، الكذب مفسدة مطلقة لأنه سريع النمو سريع الانتشار وله ضراوة كضراوة الخمر أو اشد ، وسئل عن القومية العربية فأجاب : إني لا أعرف شيئاً عن القومية العربية ولكني أعرف أشياء عن الوحدة الإسلامية.
وقد كتب عنه الشاعر الكبير الأستاذ فاروق جويدة في مقالاته هوامش حرة بجريدة الأهرام (الجمعة 6 من محرم 1446 هــ 12 يوليو 2024 السنة 148 العدد 50257) فقال : ” خالد محمد خالد بين سماحة الدين وحرية الفكر : لا أنكر أن علاقتى بالنخبة المصرية كانت من أجمل الحظوظ فى حياتي أن ألتقى بهذه الكوكبة الفريدة فى العصر الذهبى للثقافة المصرية .. ولا أنكر أن موقعى فى جريدتنا العريقة الأهرام أتاح لى فرصًا نادرة كمسئول عن أقسامها الثقافية لأكثر من عشرين عامًا ..
كان لقائى مع كاتبنا الكبير خالد محمد خالد من هذه الحظوظ الجميلة فقد اقتربت منه سنوات طويلة ودارت بيننا حوارات وقضايا وعرفت من خلاله كيف يحترم الكاتب قدر نفسه وكيف يختلف بترفع ويرفض بإقناع ويحافظ على ثوابت إيمانه وفكره وضميره.. عرفت الكاتب الكبير فى خريف أيامه ولم أشهد بحكم العمر سنوات معاركه التى خاضها مدافعًا عن قضايا الحرية وكرامة الإنسان وحقه فى أن يعبر عن رأيه ومواقفه وقناعاته..
لم أكن شاهدًا على تاريخ البدايات فى مشوار خالد محمد خالد وجولاته الفكرية الصاخبة بين الدين والسياسة والحرية والاستبداد ، وهو يكتب لا تحرثوا فى البحر ومن هنا نبدأ ومواطنون لا رعايا ومحمد والمسيح والخلفاء الراشدون.. وكانت بداية رحلتى معه كتابه الأعظم (رجال حول الرسول) .. كان هذا الكتاب ومازال من أكثر درر الإبداع فى الثقافة العربية ولم يكن غريبًا أن يكون هذا الكتاب نموذجًا فى الكتابة التى جمعت الدين مع الفكر مع القدوة مع الإيمان الجميل واليقين المترفع ..
فى رحلة خالد محمد خالد تجد التدين الواعى والحب الصادق ، وقبل هذا تجد روحًا محلقة فى سماء الكون زهدًا وترفعًا ومصداقية .. كان كتاب رجال حول الرسول أول ما طفت معه حبًا وإعجابًا ، وهو فى رأيى من أجمل محاولات كتابة السيرة الذاتية حين تجمع الإيمان والصدق ونقاء الضمير وصلابته فى الحق .. تنقل خالد محمد خالد ما بين رموز تاريخية عظيمة فى كتاباته الدينية إلى آفاق أخرى فى الفكر والإبداع والفلسفة ، وهنا تجد ثراء الرجل وهو يدافع عن قضية الحرية وتكتشف أن الحرية ليست سياسة ولكنها عقيدة .. كان دفاع خالد محمد خالد عن قضية الحرية ليس أقل من دفاعه عن دينه وعقيدته لأن الدين هو الحرية.
على جانب آخر كان خالد محمد خالد يقدم للناس الدين الحقيقى بلا عنف أو تطرف ولهذا كان على خلاف مع جماعات دينية خلطت الدين بالسياسة ولكنه كان يضع الحرية فوق كل صراعات البشر فى الدين والسياسة .. وقد ظل صامدًا أمام حق الإنسان المصرى فى ديمقراطية حقيقية يعبر فيها عن فكره وقناعاته..
ورغم أنه كان صديقًا للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، إلا أنه عارضه بشدة فى قضية الديمقراطية ووقف يحاوره فى اللجنة التحضيرية عام 1961 التى كانت تناقش قضية العزل السياسى وقال له : (دع الزهور تتفتح) وطالب بالعدل السياسى وليس العزل السياسى .. وعند التصويت على قرار العزل كان خالد محمد خالد الصوت الوحيد الذى رفض تأييد الفكرة وسط أكثر من 300 صوت أيد طلب الزعيم .. كان جمال عبد الناصر يقدر كثيرًا خالد محمد خالد كاتبًا ومفكرًا وكان يشترى كتبه قبل الثورة ويوزعها على الضباط الأحرار.. ولكنه بضمير الكاتب كان يرفض قوانين تصفية الإقطاع وأعداء الشعب والاستيلاء على أموال الناس ..
وعاش خالد محمد خالد كما أراد وكما أحب إنسانًا بسيطًا يسكن فى شقة متواضعة فى المنيل .. وقد اعتدت أن أزوره فيها وكنا نتحاور فى كل شيء وكنت أقدر كثيرًا مواقفه وقناعاته .. زاره يومًا مسئول عربي كان خالد محمد خالد قد اتخذ موقفًا مع دولته فى إحدى الأزمات ومعه حقيبة .. سأله خالد : ماذا فى الحقيبة ؟ وفتحها وكانت مليئة بالدولارات وفيها قلم أخذ خالد القلم وقال له : لن آخذ شيئًا غيره .. وأغلق الحقيبة وأخذها المسئول كما هى ومضى إلى حال سبيله..
كثيرًا ما كنا نلتقى ونتناول الغداء معًا فى سيدنا الحسين رضى الله عنه وحين عرضت مسرحيتى (دماء على ستار الكعبة) بطولة القديرة سميحة أيوب والراحل العزيز يوسف شعبان وتحكى قصة الحجاج بن يوسف الثقفى واحد من أشهر الطغاة فى التاريخ الإسلامي شاهد كاتبنا الكبير المسرحية فى المسرح القومى وكتب مقالًا مطولًا عنها فى صحيفة الوفد كان عنوانه (مذبحة للطغاة فى المسرح القومى) قال فيها إن فاروق جويدة أقام مذبحة للطغاة فى المسرح القومى.
قلت فى البداية : كنت محظوظًا وأنا أجد نفسى وسط نخبة فريدة من رموز مصر الثقافية التى عشت تحت ظلالها سنوات تعلمت وكتبت واتفقت واختلفت ولكننى فى كل الأحوال قدرت واحترمت وشكرت ربى أن منحنى أجمل حظوظ حياتى .. عشت فى ظلال خالد محمد خالد أشهر رسل الحرية والمدافعين عنها وعاش مخلصًا لها ومدافعًا عنها.. وحتى آخر لحظات حياته كان يرى أن الإنسان المصرى هو الأحق والأجدر بها ..
ما أحوج مصر إلى هذه النماذج الإبداعية العظيمة التى قدمت للثقافة العربية كل مقومات تفردها وانطلاقها فى كل جوانب الحياة ، حين اجتمعت المواهب والقدرات مع العمق والمنهجية وآفاق الرؤية الواسعة .. وسط تلال من السطحية ، تبدو صورة مبدعينا الكبار الذين مهدوا الطريق لثقافة جادة ودين صحيح وإبداع يتسم بالرقى والترفع والأصالة ..
لم يكن خالد محمد خالد مفكرا عابرا أو صوتا كبقية الأصوات ولكنه كان ضميرا للأمة حين جمع بين سماحة الدين وترفع الفكر وصدق الإيمان واليقين .. وكانت قضية الحرية وحق الإنسان فى حياة كريمة هى رسالته للناس وأصحاب القرار .. وكما عاش بسيطا اتسمت حياته بالتواضع والترفع وأن يكون كلمة حق حتى ولو أغضب البعض من أصحاب السلطة والقرار “.
وجاء في تتمة ترجمته ذكر لصفاته حيث كان – رحمه الله – طيب النفس مستبشراً في عامة أوقاته تغلب عليه السكينة والتأمل ، وكان غاية في الكرم غاية في التواضع ونبل الأخلاق باراً بوالديه وصولاً للأرحام مراعياً لحقوق الزمالة والجيران ساعيا – إلي آخر أيامه – في قضاء حوائج الناس لا يمل من كثرة قاصديه ولا يضجر من إلحاح بعضهم عليه حتى في أوقات مرضه، وكان يقول : تلك زكاة الجاه.
واتسمت حياته كلها بالزهد في المال والمناصب ومظاهر الجاه وقد استفاض في وصف ذلك من عرفوه وكتبوا عنه ومن ذلك أيضاً مواقفه التي أظهرت ما كان عليه من شجاعة ومن مكارم الأخلاق منها موقفه من الإخوان المسلمين الذين كان قد عارضهم قبل الثورة ولكنه بعدها ، وبعد أن نكلت الثورة بهم ومزقتهم كل ممزق طلب منه مهاجمتهم ونقدهم فأبى ولم يخضع لإغراء ولا تهديد قائلاً : لقد ناقشت الإخوان ونقدت فكرهم وسلوكهم يوم كان بعض قادة الثورة من مجاذيبهم !! ويوم كانوا من القوة بمكان أما اليوم وهم في المعتقلات والسجون تحت وطأة التعذيب فقد أوصانا سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألا نجهز علي جريح ، وقد نقل الشيخ القرضاوي تفاصيل هذا الموقف في مذكراته التي نشرها في جريدة آفاق عربية (العدد رقم 573).
كان – رحمه الله – محباً للخير مسارعاً إليه كأنه كان يصف كوامن الخير في نفسه عندما كتب هذه السطور من كتابه (لقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم) : ” فإذا سألتني – أيها القارئ – ما الخير ؟ أجيبك من فوري : أنه الخير.. إنه ذلك الذي يجعل الإنسان إنساناً حي القلب ريان الضمير .. وذلك الذي يجعل منك ملاذاً للآخرين يأوون إليك كما أوي المحرور إلى ظل شجرة أو كما يأوي الظمآن إلي عين ثرة تفيض بالماء البارد النمير ، هو انعكاس إنسانيتك علي الآخرين وإضفاء فضائل نفسك البارة الكريمة على الحياة وعلى الأحياء وإن خير ما يصنعه المرء في حياته هو أن تسع حياته الناس رحمة وبراً، ومحبة ووداً “.
فكان محبا للناس لجميع الناس مستأنساً بهم متودداً إليهم متغافلاً عن أخطائهم متسامحاً مع من يسيئون وكان يعزو ذلك إلى التصوف فيقول في مذكراته : ” ومرة أخرى أنحني إجلالا للتصوف فهو الذي سكب في روحي كل ما روى ظمأها إلى الخير والسكينة والمرحمة والمعدلة وكل ما بقي لي من قربات ومغانم ومناعم ومن فضائل وقدرة وإصرار فإليه – أولا – يرجع الفضل بين كل الأسباب وقبل كل الأسباب ” ، لقد كان – رحمه الله – ممن تشرب روح التصوف منذ يفاعته ولم يكن تصوفه إلا في قلبه فلم ينتم إلي أي من طرقة بل تلقاه مبكراً علي يد شيخه السبكي رحمه الله.

79 / الغزالي خلق المسلم
اعتدت دوما أن أجلس مع والدي رحمه الله في مساء كل يوم خميس لأشاهده وهو يقوم بالتحضير لإلقاء خطبة الجمعة حيث كان يستعين بعدد كبير من المراجع المتنوعة في كل خطبة بما يناسب موضوعها لكن كتابا واحدا كان يتكرر في كل أسبوع وهو كتاب (خلق المسلم) من تأليف الشيخ محمد الغزالي (1917 ـ 1996 م) ، وذلك لأن الكتاب يضم بين دفتيه عرضا رائعا للأخلاق الإسلامية التي يحتاجها إصلاح المجتمع وقد كتبها المؤلف بأسلوب أدبي بليغ يتسم بالبساطة والوضوح وميل لفكرة الاعتدال والوسطية.
ويستعرض الكتاب مجموعة كبيرة من الفضائل والرذائل مقدماً تعريفاً لكل خلق وأدلته الشرعية وكيفية تطبيقه في الحياة اليومية ومن أهم الأخلاق التي يركز عليها : الأخلاق الفردية مثل الصدق الأمانة الحياء العفة العزة والهمة العالية ، الأخلاق الاجتماعية مثل التسامح التعاون العدل الإحسان والوفاء بالعهود ، الأخلاق الدعوية مثل الرفق في الدعوة وتجنب الغلظة والتعصب ، الأخلاق العامة يتناول قضايا أوسع مثل موقف المسلم من العمل والمال والوقت والنظام.
وترجع علاقة والدي رحمه الله بالشيخ الغزالي إلى فترة الستينات عندما عمل سكرتيرا له في وزارة الأوقاف قبل أن يلتحق بالسلك الجامعي وتوثقت صلته به من يومها وتتلمذ على يده وتأثر به في الكتابة والخطابة وكان يحرص على الحضور معه في المؤتمرات المختلفة وظل التواصل بينهما قائما حتى وفاة الشيخ ، ولذا كانت مكتبة الوالد تحوي كافة مؤلفات الشيخ الغزالي وعلى رأسها كتاب (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) والذي وضع فيه معالم التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر وكتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) والذي كرس فيه لمنهج جديد يتناول العلاقة بين العقل والنص.
ومن أهم كتبه الأخرى كتاب قذائف الحق الذي دافع فيه عن الدعوة الإسلامية ومسارها وقال فيه : ” ماذا يريد هؤلاء ؟ إنهم يعالنون بعدم العودة إلى الكتاب والسنة ويبشرون بحكم مدنى يخسر الإسلام فيه أصوله وفروعه وتظفر فيه نزعات الإلحاد أو الشرك بكل المغانم ، وسوف يقرأون هذا الكتاب ويتميزون غيظاً لما جاء به من حقائق كانوا يودون كتمانها وحوار لا يحبون أن يدور ، ونريد أن نقول لهؤلاء إنكم غرباء على أمتنا ودينها وتاريخها إن أمتنا يوم تملك البت في أمورها فستختفون فوراً من جوها وإلى أن تملك الأمة أمرها أيسكت رجال الإسلام عن قول الحق ورفض الإفك ؟؟ كلا إن الله أخذ الميثاق على حملة الوحى أن يعالنوا به ويكشفوا للناس حقائقه وأكد عليهم ذلك فى قوله : (لتبيننه للناس ولا تكتمونه / آل عمران : ١٧٨) فما بد من البيان وعدم الكتمان “.
وفي كتابه فقه السيرة يقول : ” إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم ليست – بالنسبة للمسلم – مسلاة شخص فارغ أو دراسة ناقد محايد كلا كلا إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها فأيّ حيف في عرض هذه السيرة وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه ، وقد بذلت وسعي في إعطاء القارئ صورة صادقة عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهدت في إبراز الحكم والتفاسير لما يقع من حوادث ثم تركت للحقائق المجلوّة أن تدع آثارها في النفوس دون افتعال أو احتيال وقد استفدت من السير التي كتبها القدامى والمحدثون استفادة حسنة “.
وقد جاءت ترجمته مفصلة في كتاب المعجم الجامع في تراجم المعاصرين حيث كتب عنه محمد عزت قائلا : ” الداعية الشيخ محمد الغزالي رحمة الله من دعاة مصر وعلماء الأزهر المعروفين .. كان الشيخ محمد الغزالي واحدًا من دعاة الإسلام العظام ومن كبار رجال الإصلاح اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين فهو مؤمن صادق الإيمان مجاهد في ميدان الدعوة ملك الإسلام حياته فعاش له ونذر حياته كلها لخدمته ، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه وشرح مبادئه والذود عن حماه والدفاع عنه ضد خصومه لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.
رزقه الله فكرا عميقا وثقافة إسلامية واسعة ومعرفة رحيبة بالإسلام فأثمر ذلك كتبا عدة في ميدان الفكر الإسلامي تُحيي أمة وتُصلح جيلا وتفتح طريقا وتربي شبابا وتبني عقولا وترقي فكرا ، وهو حين يكتب أديب مطبوع ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله ولكان أديبا من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام مصطفى صادق الرافعي لكنه اختار طريق الدعوة فكان أديبها النابغ.
ووهبه الله فصاحة وبيانا يجذب من يجلس إليه ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه مشدودة بصدق اللهجة وروعة الإيمان ووضوح الأفكار وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام فكانت خطبه ودروسه ملتقى للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به ، والغزالي يملك مشاعر مستمعه حين يكون خطيبا ويوجه عقله حين يكون كاتبا فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة وخطبه قطع من روائع الأدب.
والغزالي رجل إصلاح عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتى ربوعه ، أوقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.
المولد والنشأة في قرية نكلا العنب التابعة لمحافظة البحيرة بمصر ولد الشيخ محمد الغزالي في (٥ من ذي الحجة ١٣٣٥ هـ = ٢٢ من سبتمبر ١٩١٧ م) ونشأة في أسرة كريمة وتربى في بيئة مؤمنة فحفظ القرآن وقرأ الحديث في منزل والده ، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية ثم انتقل إلى القاهرة سنة (١٣٥٦ هـ = ١٩٣٧ م) والتحق بكلية أصول الدين.
وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام حسن البنا وتوثقت علاقته به وأصبح من المقربين إليه حتى إن الإمام البنا طلب منه أن يكتب في مجلة (الإخوان المسلمين) لما عهد فيه من الثقافة والبيان فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية ، وكان البنا لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرج سنة (١٣٦٠ هـ = ١٩٤١ م) ثم تخصص في الدعوة وحصل على درجة العالمية سنة (١٣٦٢ هـ = ١٩٤٣ م) وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.
في ميدان الدعوة والفكر : كان الميدان الذي خُلق له الشيخ الغزالي هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي مستعينا بقلمه ولسانه فكان له باب ثابت في مجلة الإخوان المسلمين تحت عنوان (خواطر حية) جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يعاني السواد الأعظم من شظف العيش.
ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ الغزالي بعنوان (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) سنة (١٣٦٧ هـ = ١٩٤٧ م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات ، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان (الإسلام والمناهج الاشتراكية) مكملا الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي شارحا ما يراد بالتأمين الاجتماعي وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة وموضع الفرد من الأمة ومسئولية الأمة عن الفرد ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث (الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين).
والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة وولوجه ميادين في الكتابة كانت جديدة تماما على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي وطرْقه سبلا لم يعهدها الناس من قبله ، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبله الاقتصار على محاربة البدع والمنكرات.
في المعتقل : ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته حتى هبّت على جماعة الإخوان المسلمين رياح سوداء فصدر قرار بحلها في (صفر ١٣٦٨ هـ = ديسمبر ١٩٤٨ م) ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها واعتقال عدد كبير من المنضمين إليها ، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها وكان الشيخ الغزالي واحدا ممن امتدت إليهم يد البطش والطغيان فأودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (١٣٦٩ هـ = ١٩٤٩ م) ليواصل عمله وهو أكثر حماسا للدعوة وأشد صلابة في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.
ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب وإلقاء الخطب والمحاضرات وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل (الإسلام والاستبداد السياسي) الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى وعدّها فريضة لا فضيلة وملزِمة لا مُعْلِمة وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات ثم ظهرت له تأملات في الدين والحياة وعقيدة المسلم وخلق المسلم.
من هنا نعلم : وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ خالد محمد خالد بعنوان (من هنا نبدأ) زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا وقد أحدث الكتاب ضجة هائلة وصخبا واسعا على صفحات الجرائد وهلل له الكارهون للإسلام، وأثنوا على مؤلفه ، وقد تصدى الغزالي لصديقه خالد محمد خالد وفند دعاوى كتابه في سلسلة مقالات جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان (من هنا نعلم) ، ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ خالد محمد خالد رجع عن كل سطر قاله في كتابه من هنا نبدأ وألّف كتابا آخر تحت عنوان (دين ودولة) مضى فيه مع كتاب الغزالي في كل حقائقه.
ثم ظهر له كتاب (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام) وقد ألفه على مضض لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط افترى فيه على الإسلام ، وقد التزم الغزالي الحجة والبرهان في الرد ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور وويلات وما قام به الأسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولا دون وازع من خلق أو ضمير.
الغزالي وعبد الناصر : بعد قيام ثورة ١٩٥٢ م ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد تنكروا لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت سببا في نجاح الثورة واستقرارها ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها ، ولولا يقظة المرشد الصلب حسن الهضيبي وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه وكان من أثر هذه الفتنة أن شب نزاع بين الغزالي والإمام المرشد انتهى بفصل الغزالي من الجماعة وخروجه من حظيرتها.
وقد تناول الغزالي أحداث هذا الخلاف وراجع نفسه فيه وأعاد تقدير الموقف وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه (من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث) وهو الكتاب الذي دوّن فيه الغزالي أحداث هذا الخلاف فقال : (لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ حسن الهضيبي وكنت حادّ المشاعر في هذا الخلاف لأني اعتقدت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ حسن الهضيبي لينالوا مني فلما التقيت به ـ عليه رحمة الله ـ بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع وتصافينا وتناسينا ما كان واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية وعفا الله عما سلف) ، وهذا مما يحسب للغزالي فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.
وظل الشيخ في هذا العهد يجأر بالحق ويصدع به وهو مغلول اليد مقيد الخطو ويكشف المكر السيئ الذي يدبره أعداء الإسلام من خلال ما كتب في هذه الفترة الحالكة السواد مثل : كفاح دين ، معركة المصحف في العالم الإسلامي ، وحصاد الغرور ، والإسلام والزحف الأحمر ، ويُحسب للغزالي جرأته البالغة وشجاعته النادرة في بيان حقائق الإسلام في الوقت الذي آثر فيه الغالبية من الناس الصمت والسكون لأن فيه نجاة حياتهم من هول ما يسمعون في المعتقلات ولم يكتفِ بعضهم بالصمت المهين بل تطوع بتزيين الباطل لأهل الحكم وتحريف الكلم عن مواضعه.
ولن ينسى أحد موقفه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عُقد سنة (١٣٨٢ هـ = ١٩٦٢ م) حيث وقف وحده أمام حشود ضخمة من الحاضرين يدعو إلى استقلال الأمة في تشريعاتها والتزامها في التزيِّي بما يتفق مع الشرع وكان لكلام الغزالي وقعه الطيب في نفوس المؤمنين الصامتين في الوقت الذي هاجت فيه أقلام الفتنة وسلطت سمومها على الشيخ الأعزل فارس الميدان ، وخرجت جريدة الأهرام عن وقارها وسخرت من الشيخ في استهانة بالغة لكن الأمة التي ظُن أنها قد استجابت لما يُدبَّر لها خرجت في مظاهرات حاشدة من الجامع الأزهر وتجمعت عند جريدة الأهرام لتثأر لكرامتها وعقيدتها ولكرامة أحد دعاتها ورموزها واضطرت جريدة الأهرام إلى تقديم اعتذار.
في عهد السادات : واتسعت دائرة عمل الشيخ في عهد الرئيس السادات وبخاصة في الفترات الأولى من عهده التي سُمح للعلماء فيها بشيء من الحركة استغله الغيورون من العلماء فكثفوا نشاطهم في الدعوة فاستجاب الشباب لدعوتهم وظهر الوجه الحقيقي لمصر ، وكان الشيخ الغزالي واحدًا من أبرز هؤلاء الدعاة يقدمه جهده وجهاده ولسانه وقلمه ورزقه الله قبولا وبركة في العمل فما كاد يخطب الجمعة في جامع (عمرو بن العاص) – وكان مهملا لسنوات طويلة – حتى عاد إليه بهاؤه وامتلأت أروقته بالمصلين.
ولم يتخلَّ الشيخ الغزالي عن صراحته في إبداء الرأي ويقظته في كشف المتربصين بالإسلام وحكمته في قيادة من ألقوا بأزمّتهم له حتى إذا أعلنت الدولة عن نيتها في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر وتسرب إلى الرأي العام بعض مواد القانون التي تخالف الشرع الحكيم قال الشيخ فيها كلمته بما أغضب بعض الحاكمين ، وزاد من غضبهم التفاف الشباب حول الشيخ ونقده بعض الأحوال العامة في الدولة فضُيق عليه وأُبعد عن جامع عمرو بن العاص وجُمّد نشاطه في الوزارة فاضطر إلى مغادرة مصر إلى العمل في جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية وظل هناك سبع سنوات لم ينقطع خلالها عن الدعوة إلى الله في الجامعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
في الجزائر : ثم انتقل الشيخ الغزالي إلى الجزائر ليعمل رئيسا للمجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسطنطينة ولم يقتصر أثر جهده على تطوير الجامعة وزيادة عدد كلياتها ووضع المناهج العلمية والتقاليد الجامعية بل امتد ليشمل الجزائر كلها حيث كان له حديث أسبوعي مساء كل يوم إثنين يبثه التلفاز ويترقبه الجزائريون لما يجدون فيه من معانٍ جديدة وأفكار تعين في فهم الإسلام والحياة ، ولا شك أن جهاده هناك أكمل الجهود التي بدأها زعيما الإصلاح في الجزائر عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، ومدرستهما الفكرية.
ويقتضي الإنصاف القول بأن الشيخ كان يلقى دعما وعونا من رئيس الدولة الجزائرية الشاذلي بن جديد الذي كان يرغب في الإصلاح وإعادة الجزائر إلى عروبتها بعد أن أصبحت غريبة الوجه واللسان ، وبعد السنوات السبع التي قضاها في الجزائر عاد إلى مصر ليستكمل نشاطه وجهاده في التأليف والمحاضرة حتى لقي الله وهو في الميدان الذي قضى عمره كله يعمل فيه في (١٩ من شوال ١٢٧٠ هـ = ٩ من مارس ١٩٩٦ م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة.
الغزالي بين رجال الإصلاح : يقف الغزالي بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ متعدد المواهب والملكات راض ميدان التأليف فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي بل شملت مؤلفاته التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل والرد على خصوم الإسلام والعقيدة والدعوة والأخلاق والتاريخ والتفسير والحديث والتصوف وفن الذكر ، وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلا بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابيه : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ، وقضايا المرأة المسلمة.
وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ وتسد تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء ورد محاولاتهم للكيد للإسلام ، أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم فهاجموه في عنف ولم يراعوا جهاده وجهده ولم يحترموا فكره واجتهاده لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.
وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة والدعوة إلى العدل الاجتماعي ومقاومة الاستبداد السياسي وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة ومحاربة التدين المغلوط وتحرير الأمّة وتوحيدها والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف وتنقية الثقافة الإسلامية والعناية باللغة العربية.
واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة التي تتميز بالعرض الشافي والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدا واللغة الجميلة الرشيقة والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضا ، وهو في خطبه معلِّم موجه ومصلح مرشد ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان ، وخلاصة القول أنه توافرت للغزالي من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره فهو مؤلف بارع ومجاهد صادق وخطيب مؤثر وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.
من مؤلفاته رحمه الله : فقه السيرة ، خلق المسلم ، عقيدة المسلم ، جدد حياتك ، تأملات في الدين والحياة ، كيف نفهم الإسلام ، الجانب العاطفي من الإسلام ، الإسلام والاستبداد السياسي ، من معالم الطريق ، ظلام من الغرب ، ركائز المسلم ، حصاد الغرور ، قذائف الحق ، فن الذكر والدعاء ، هموم داعية ، مائة سؤال عن الإسلام ، الحق المر ، الطريق من هنا ، هذا ديننا ، دفاع عن العقيدة والشريعة ، كفاح دين ، وغيرها من عشرات المؤلفات الأخرى ، توفي رحمة الله ١٩ من شوال ١٢٧٠ هـ = ٩ من مارس ١٩٩٦ م ودفن بالبقيع في المدينة المنورة “.

80 / كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها
الوسطية الإسلامية هي المدرسة المجددة في الفكر الإسلامي في القرن الخامس عشر الهجري وأهم منظر وداعية لها هو العلامة الشيخ يوسف القرضاوي (1926 ـ 2022 م) وذلك من خلال كتاب صغير جمع فيه خلاصة هذه المدرسة ومعالمها بعنوان (كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها) ، وقد فصل ذلك في مؤلفاته العديدة وعلى رأسها كتاب أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة المقبلة وكتاب الحلال والحرام في الإسلام وكتاب فتاوى معاصرة وكتاب دراسة في فقه المقاصد وكتاب من فقه الدولة في الإسلام وغيرها.
وقد جاءت ترجمته ونبذة عن مؤلفاته في كتاب المعجم الجامع في تراجم المعاصرين نقلا عن موقع المؤلف وجاء فيها : الدكتور يوسف القرضاوي.. نشأته ومؤهلاته : ولد الدكتور يوسف القرضاوي في إحدى قرى جمهورية مصر العربية قرية صفت تراب مركز المحلة الكبرى محافظة الغربية وهي قرية عريقة دفن فيها آخر الصحابة موتاً بمصر وهو عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي كما نص الحافظ بن حجر وغيره ، وكان مولد القرضاوي فيها في ٩/٩/١٩٢٦م وأتم حفظ القرآن الكريم وأتقن أحكام تجويده وهو دون العاشرة من عمره.
التحق بمعاهد الأزهر الشريف فأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية وكان دائما في الطليعة وكان ترتيبه في الشهادة الثانوية الثاني على المملكة المصرية رغم ظروف اعتقاله في تلك الفترة ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر ومنها حصل على العالية سنة ٥٢ ـ ١٩٥٣ م وكان ترتيبه الأول بين زملائه وعددهم مائة وثمانون ، ثم حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية سنة ١٩٥٤ م وكان ترتيبه الأول بين زملائه من خريجي الكليات الثلاث بالأزهر وعددهم خمسمائة.
وفي سنة ١٩٥٨م حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في اللغة والأدب وفي سنة ١٩٦٠ م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين ، وفي سنة ١٩٧٣م حصل على (الدكتوراه) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية عن (الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية).
أعماله الرسمية : عمل الدكتور القرضاوي فترة بالخطابة والتدريس في المساجد ثم أصبح مشرفاً على معهد الأئمة التابع لوزارة الأوقاف في مصر ونقل بعد ذلك إلى الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف للإشراف على مطبوعاتها والعمل بالمكتب الفني لإدارة الدعوة والإرشاد ، وفي سنة ١٩٦١ م أعير إلى دولة قطر عميدا لمعهدها الديني الثانوي فعمل على تطويره وإرسائه على أمتن القواعد التي جمعت بين القديم النافع والحديث الصالح.
وفي سنة ١٩٧٣م أنشئت كليتا التربية للبنين والبنات نواة لجامعة قطر فنقل إليها ليؤسس قسم الدراسات الإسلامية ويرأسه وفي سنة ١٩٧٧م تولى تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر ، وظل عميداً لها إلى نهاية العام الجامعي ١٩٨٩ / ١٩٩٠ م كما أصبح المدير المؤسس لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر ، وقد أعير من دولة قطر إلى جمهورية الجزائر الشقيقة العام الدراسي ١٩٩٠ / ١٩٩١ م ليترأس المجالس العلمية لجامعتها ومعاهدها الإسلامية العليا ثم عاد إلى عمله في قطر مديرا لمركز بحوث السنة والسيرة.
حصل على جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي لعام ١٤١١هـ كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك في الدراسات الإسلامية لعام ١٤١٣ه. كما حصل على جائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لعام ١٩٩٦م كما حصل على جائزة السلطان حسن بلقيه (سلطان بروناي) في الفقه الإسلامي لعام ١٩٩٧م.
جهوده ونشاطه في خدمة الإسلام : الأستاذ الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أحد أعلام الإسلام البارزين في العصر الحاضر في العلم والفكر والدعوة والجهاد في العالم الإسلامي مشرقه ومغربه ، ولا يوجد مسلم معاصر إلا التقى به قارئاً لكتاب أو رسالة أو مقالة أو فتوى أو مستمعاً إلى محاضرة أو خطبة أو درس أو حديث أو جواب في جامع أو جامعة أو ناد أو إذاعة أو تلفاز أو شريط أو غير ذلك ، ولا يقتصر نشاطه في خدمة الإسلام على جانب واحد أو مجال معين أو لون خاص بل اتسع نشاطه وتنوعت جوانبه وتعددت مجالاته وترك في كل منها بصمات واضحة تدل عليه وتشير إليه.
مجال التأليف العلمي : الكتابة والتأليف من أهم ما برز فيه الدكتور القرضاوي فهو عالم مؤلف محقق كما وصفه العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه (رسائل الأعلام) وكتبه لها ثقلها وتأثيرها في العالم الإسلامي كما وصفها بحق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، والناظر في كتبه وبحوثه ومؤلفاته يستيقن من أنه كاتب مفكر أصيل لا يكرر نفسه ولا يقلد غيره ولا يطرق من الموضوعات إلا ما يعتقد أنه يضيف فيه جديداً من تصحيح فهم أو تأصيل فكر أو توضيح غامض أو تفصيل مجمل أو رد شبهة أو بيان حكمة أو نحو ذلك.
وقد ألف الشيخ يوسف القرضاوي في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية كتباً نيفت على الخمسين أصيلة في بابها تلقاها أهل العلم في العالم الإسلامي بالقبول والتقدير ولهذا طبعت بالعربية مرات كثيرة وترجم أكثرها إلى اللغات الإسلامية والعالمية فلا تكاد تذهب إلى بلد إسلامي إلا وجدت كتب القرضاوي هناك إما بالعربية أو باللغة المحلية.
وقد تميزت هذه الكتب بعدة مزايا : أولاً استندت بصفة أساسية إلى أصول تراثنا العلمي الإسلامي المعتمد على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ولكن لم تنس العصر الذي نعيش فيه فجمعت بين الأصالة والمعاصرة بحق ، ثانياً جمعت بين التمحيص العلمي والتأمل الفكري والتوجه الإصلاحي ، ثالثاً تحررت من التقليد والعصبية المذهبية كما تحررت من التبعية الفكرية للمذاهب المستوردة من الغرب أو الشرق.
رابعاً اتسمت بالاعتدال بين المتزمتين والمتحللين وتجلت فيها الوسطية الميسرة بغير تفريط ولا إفراط وهكذا قال بحق مدير مجلة الأمة في تقديم كتاب (الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف) أنه من المفكرين الإسلاميين القلائل الذين يتميزون بالاعتدال ويجمعون بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر ، خامساً يمثل أسلوبه في الكتابة ما يعرف بالسهل الممتنع فهو أسلوب عالم أديب متمكن.
سادساً وقفت بقوة في وجهه دعوات الهدم والغزو من الخارج ودعوات التحريف والانحراف من الداخل والتزمت الإسلام الصحيح وحده تنفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، سابعا ًيلتمس قارئ كتبه فيها الحرارة والإخلاص كما يلمس ذلك مستمع خطبه ومحاضراته ودروسه وقد أجمع كل من كتبوا عنه أن مؤلفاته وكتاباته تجمع بين دقة الفقيه وإشراقة الأديب وحرارة الداعية ونظرة المجدد.
كما أن له بجوار كتبه العلمية كتباً ذات طابع أدبي مثل مسرحية (عالم وطاغية) التي تمثل ثبات سعيد بن جبير في مواجهة طغيان الحجاج ، وله ديوان بعنوان (نفحات ولفحات) يضم عدداً مما بقي من قصائده القديمة بالإضافة إلى بعض القصائد الجديدة والأناشيد الموجهة وقد انتشرت أناشيده وقصائده في العالم الإسلامي وتغنى بها الشباب في المناسبات حتى قبل طبع الديوان.
هذا إلى جانب كتب أخرى اشترك في تأليفها لوزارة التربية في قطر وللمعهد الديني خاصة وقد زادت على العشرين كتاباً أقرتها الوزارة في مدارسها وهي تتناول التفسير والحديث والتوحيد والفقه والمجتمع الإسلامي والبحوث الإسلامية وفلسفة الأخلاق وغيرها ، هذا بخلاف البحوث والدراسات والمقالات التي نشرت في الحوليات والمجلات العلمية الفصلية والشهرية والأسبوعية.
من هذه الكتب كتاب (الحلال والحرام في الإسلام) الذي ألفه بتكليف من مشيخة الأزهر في عهد الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ـ رحمه الله ـ وتحت إشراف الإدارة العامة للثقافة الإسلامية في عهد الدكتور محمد البهي ـ رحمه الله ـ وقد أقرته اللجنة المختصة وأثنت عليه ، وقد انتشر الكتاب انتشاراً منقطع النظير في العالم العربي والإسلامي ونوه به كثيرون من العلماء المرموقين حتى قال الأستاذ الكبير مصطفى الزرقاء : إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة ، وقال الأستاذ محمد المبارك ـ رحمه الله ـ هو أفضل كتاب في موضوعه ، وكان الأستاذ الكبير علي الطنطاوي يدرسه لطلابه في كلية التربية بمكة المكرمة وعني المحدث المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديثه.
ومنها فقه الزكاة وهو في جزءين كبيرين وهو دراسة موسوعية مقارنة لأحكام الزكاة وأسرارها وآثارها في إصلاح المجتمع في ضوء القرآن والسنة ويعد من أبرز الأعمال العلمية في عصرنا وقد شهد المختصون أنه لم يؤلف مثله في موضوعه في التراث الإسلامي وقال عنه العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله : أنه كتاب هذا القرن (أي الرابع عشر الهجري) في الفقه الإسلامي نقله عنه الأستاذ خليل الحامدي ، وقال عنه الأستاذ محمد المبارك في مقدمة كتابه عن الاقتصاد من سلسلة نظام الإسلام : وهو عمل تنوء بمثله المجامع الفقهية ويعتبر حدثا هاما في التأليف الفقهي ، وقد تبنى مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ترجمته إلى اللغة الإنجليزية وأنهاها بالفعل كما نقل إلى الأوردية والتركية والأندونيسية وغيرها ككثير من كتب الشيخ نفع الله بها المسلمين في أقطار كثيرة.
وقد عالجت كتبه الكثير من القضايا والموضوعات التي يحتاج إليها العقل المسلم المعاصر كما خاضت كثيراً من المعارك الفكرية ضد خصوم الإسلام في الداخل والخارج فعندما نادى اليساريون العرب بما أسموها حتمية الحل الاشتراكي وصدر بذلك الميثاق المصري، الذي سماه بعضهم قرآن الثورة تصدى القرضاوي للرد على هذا الاتجاه بإصدار سلسلة (حتمية الحل الإسلامي) الذي صدر منها ثلاثة أجزاء ، وحينما وقعت نكبة ٥ حزيران (يونية) ١٩٦٧م التي سموها النكسة وزعم بعضهم أن الدين كان وراء هزيمتنا أصدر القرضاوي كتابه (درس النكبة الثانية لماذا انهزمنا وكيف ننتصر).
مجال الفقه والفتوى : ومن الجهود البارزة للدكتور القرضاوي جهوده في مجال الفقه والفتوى خاصة فهو لا يلقى محاضرة أو يشهد مؤتمراً أو ندوة إلا جاءه فيض من الأسئلة في شتى الموضوعات الإسلامية ليرد عليه وردوده وأجوبته تحظى بقبول عام من جماهير المثقفين المسلمين لما اتسمت به من النظرة العلمية والنزعة الوسطية والقدرة الإقناعية.
وقد أصبح مرجعاً من المراجع المعتمدة لدى الكثيرين من المسلمين في العالم الإسلامي وخارجه ، ومن عرف الشيخ عن كثب سمع منه أنه يشكو من كثرة الرسائل والاستفتاءات التي تصل إليه ويعجز عن الرد عليها فهي تحتاج إلى جهاز كامل ولا يقدر عليها جهد فرد مهما تكن طاقته ومقدرته ، هذا إلى ما يقوم به من إجابات عن طريق المشافهة واللقاء المباشر وفي أحيان كثيرة عن طريق الاتصال الهاتفي، الذي سهل للكثيرين أن يسألوه هاتفياً من أقطار بعيدة بالإضافة إلى برامجه الثابتة في إذاعة قطر وتلفزيونها للرد على أسئلة المستمعين والمشاهدين.
وقد بين منهجه في الفتوى في مقدمة الجزء الأول من كتابه (فتاوى معاصرة) كما وضح ذلك في رسالته (الفتوى بين الانضباط والتسيب) الذي تعرض فيها لمزالق المتصدين للفتوى وجلاها مع التدليل والتمثيل ، وخلاصة هذا المنهج أنه يقوم على التيسير لا التعسير والاعتماد على الحجة والدليل والتحرر من العصبية والتقليد مع الانتفاع بالثروة الفقهية للمذاهب المعتبرة وعلى مخاطبة الناس بلغة عصرهم والاهتمام بما يصلح شأنهم والإعراض عما لا ينفعهم والاعتدال بين الغلاة والمقصرين وإعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح والتعليل.
يكمل ذلك ما ذكره في كتابه (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر) الذي كشف فيه اللثام عن مزالق الاجتهاد المعاصر وأبان عن المعالم والضوابط اللازمة لاجتهاد معاصر قويم ، وقد حرص هو أن يطبق الالتزام بهذه الضوابط فيما كتبه في الجوانب الفقهية مثل الحلال والحرام وفقه الزكاة وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي وبيع المرابحة للآمر بالشراء وفقه الصيام وهو حلقة من سلسلة تيسير الفقه الذي وعد بها من سنوات ولا غرو أن اختير عضواً بالمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي وخبيراً بمجتمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
مجال الدعوة والتوجيه : عمل القرضاوي في مجالات عدة ومارس أنشطة كثيرة بين العمل الأكاديمي والعمل الإداري والثقافي واشتغل بالفقه والفتوى والأدب والشعر وغير ذلك ولكنه في المقام الأول رجل دعوة فالدعوة إلى الله لحمته وسداه وهي شغله الشاغل وهي محور تفكيره واهتمامه وعلمه وعمله، وقد بدأ يمارس الدعوة منذ فجر شبابه منذ كان طالباً في القسم الابتدائي من معهد طنطا الثانوي وعمره حوالي ١٦سنة مبتدئاً بقريته ثم بما حولها حتى شرق وغرب العالم كله.
وله إلى الدعوة منابر ووسائل شتى منها المنبر الطبيعي التاريخي للدعوة إلى الله وهو المسجد عن طريق الخطبة والدرس وقد كان القرضاوي وهو طالب في كلية أصول الدين يخطب في مسجد بمدينة المحلة الكبرى المدينة العمالية الشهيرة ـ يعرف بمسجد آل طه الذي أطلق عليه الناس مسجد الشيخ يوسف وقد كان يؤمه الآلاف لصلاة الجمعة حتى أن منشئ المسجد بنى بجواره ملحقا من عدة طوابق ليتسع للناس ، وبعد خروجه من المعتقل سنة ١٩٥٦ م استدعته وزارة الأوقاف عقب حرب السويس ليخطب في جامع الزمالك بالقاهرة وقد كان يؤمه جمهور كبير حتى منع من الخطابة في عهد عبد الناصر.
وحين أعير إلى قطر سنة ١٩٦١ م اتخذ من المسجد وسيلة لنشر الدعوة فهو يخطب ويدرس ويعظ ويفتي ويلقي خطبة الجمعة في مسجد عمر بن الخطاب الذي تذاع منه الخطبة على الهواء مباشرة عن طريق التلفاز القطري وقد سجلت هذه الخطب وانتشرت في أنحاء العالم الإسلامي وكذلك خطبه في عيدي الفطر والأضحى وخصوصاً ما كان منها في ميدان عابدين بالقاهرة والاستاد بالإسكندرية ، أضف إلى ذلك دروسه الأسبوعية بعد الجمعة ومساء الاثنين من كل أسبوع وكذلك دروسه الرمضانية الثابتة ، وتتمثل في درس العصر في مسجد الشيخ خليفة بن حمد التي يحرص على حضورها منذ ثلاثين عاماً منذ كان ولياً للعهد ونائبا للأمير ، ودرس العشاء بعد الترويحة في صلاة التراويح التي يصليها ثماني ركعات بجزء من القرآن ويختم فيها القرآن كل عام.
كما اتخذ من أجهزة الإعلام منبراً للدعوة أيضاً فله دروس وأحاديث في الإذاعة والتلفاز وبعضها في تفسير القرآن الكريم وبعضها في تفسير القرآن الكريم وبعضها في شرح الحديث الشريف مثل برنامج من مشكاة النبوة وبعضها دروس توجيهية وبعضها إجابات عن أسئلة المسلمين والمسلمات عن كل ما يتعلق بالإسلام والحياة ، وله في ذلك برنامج باسم نور وهداية منذ افتتاح إذاعة قطر واستمر بضعة عشر عاماً ثم اعتذر أخيراً من عدم استمراره فيه لكثرة مشاغله ، وبرنامج آخر تلفزيوني باسم هدي الإسلام في مساء كل جمعة بدأ مع بدء تلفزيون قطر واستمر إلى اليوم يشاهده الأخوة والأخوات في قطر والبحرين والإمارات والمنطقة الشرقية من السعودية ويترقبه الناس ويتابعونه الناس بلهفة وهو يمثل مدرسة متميزة في الدعوة والتوجيه والفتوى والتفقيه ، وما من تلفزيون عربي إلا وبث للدكتور القرضاوي دروسا وأحاديث.وإلى جوار ذلك أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية كان نشاطه في الإعلام المقروء عن طريق الصحافة.
فقد نشر مقالات وبحوث في مختلف المجلات الإسلامية الأزهر ونور الإسلام ومنبر الإسلام والدعوة في مصر ، وحضارة الإسلام بدمشق ، والوعي الإسلامي والمجتمع والعربي بالكويت ، والشهاب ببيروت ، والبعث الإسلامي بالهند ، والدعوة بالرياض ، والدوحة والأمة في قطر ، ومنار الإسلام في أبو ظبي ، والمسلم المعاصر في لبنان وغيرها إلى جانب الصحف الأسبوعية واليومية في عدد من الأقطار التي نشرت له مقالات أو فتاوى أو لقاءات يجيب فيها مما يوجه إليه من أسئلة حول الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة وأمة ، ومما لا خلاف عليه أن الشيخ القرضاوي داعية إسلامي من كبار دعاة الإسلام المعاصرين له شخصيته المستقلة وطابعه الأصيل وتأثيره الخاص بحيث يعد بمجموع خصائصه مدرسة متميزة في الدعوة.
مجال المؤتمرات والندوات العلمية : لا يكاد يعقد مؤتمر أو ملتقى أو ندوة أو حلقة حول الفكر الإسلامي أو الدعوة الإسلامية إلا يدعى إليها الدكتور القرضاوي تقديراً من الجهات الداعية لمكانته بين العلماء والدعاة والمفكرين وهو يحضر منها ما أسعفه وقته وساعدته ظروف عمله وارتباطاته المتعددة على حضوره ويشارك فيها بالبحوث المعدة أو بالمناقشات الإيجابية المخلصة أو بهما معا والذين يشهدون هذه المجتمعات العلمية والدعوية يؤكدون أن حضور القرضاوي يزيدها فاعلية وإثراء.
مجال المحاضرات والزيارات الجامعية : دعي الأستاذ الدكتور القرضاوي لزيارة عدد من الجامعات العربية والإسلامية لإلقاء محاضرات بها إما على الطلاب وهو الأكثر وإما على أعضاء هيئة التدريس أو على الفريقين معاً في محاضرات عامة ، من ذلك عدد من الجامعات المصرية مثل جامعة القاهرة والأزهر وعين شمس والإسكندرية المنصورة وأسيوط ومنها جامعة الخرطوم وجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان ، ومنها بالمملكة العربية السعودية الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وقد كان في بعض الدورات عضواً بالمجلس الأعلى بها وجامعة الملك عبد العزيز بجدة وجامعة الظهران للبترول والمعادن وجامعة الملك فيصل بالدمام وجامعة الملك سعود بالرياض.
ومنها جامعة الكويت وجامعة الإمارات العربية المتحدة بالعين وجامعة الخليج بالبحرين والجامعة الأردنية وجامعة اليرموك بالأردن وجامعة محمد الخامس بالرباط والقاضي عياض بمراكش بالمغرب وجامعة صنعاء باليمن وجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وعدد من الجامعات الجزائرية بالجزائر العاصمة وقسنطينة ووهران وتبسا ، ومنها الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد وجامعة البنجاب بلاهور وجامعة الملايو والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا ودار العلوم ومعهدها العالي للفكر الإسلامي بندوة العلماء في الكهنو بالهند وجامعة أحمدو بللو بنيجيريا وجامعة ابن خلدون وغيرها بأندونيسيا وجامعة مندناو بجنوب الفلبين ومعهد الملك فيصل للدراسات الإسلامية بها والجامعة الإسلامية بمدينة هراوي بها وبعض الجامعات بطوكيو واليابان وسيؤول بكوريا الجنوبية.
مجال المشاركة في عضوية المجالس والمؤسسات : نظرا للثقة التي يتمتع بها الشيخ القرضاوي بين خاصة المسلمين وعامتهم أصبح عضواً في عدد غير قليل من المجالس والمراكز والمؤسسات العلمية والدعوية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية رغم اعتذاره من عدم قبوله العضوية في أحيان كثيرة لضيق وقته وكثرة أعبائه.
مجال الاقتصاد الإسلامي : عنى الدكتور القرضاوي منذ مدة غير قليلة بالجانب الاقتصادي في الإسلام من الناحية النظرية ومن الناحية التطبيقية فمن الناحية النظرية ألقى الكثير من المحاضرات والدروس حول الجانب الاقتصادي في الإسلام وألف مجموعة من الكتب اشتهرت في العالم العربي والإسلامي يكفي أن نذكر منها : فقه الزكاة ، ومشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام ، بيع المرابحة للآمر بالشراء ، كما تجريه المصارف الإسلامية ، وأخيراً فوائد البنوك هي الربا الحرام.
مجال العمل الاجتماعي والخيري : وللدكتور القرضاوي اهتمام خاص بالعمل الاجتماعي والخيري وهو يعيب على الحركة الإسلامية وعلى الصحوة الإسلامية استغراقها في العمل السياسي الذي يستهلك جل طاقته إن لم يكن كلها وإغفالها للعمل الاجتماعي الذي أتقنه خصوم الدعوة الإسلامية والذين تسللوا من خلاله لإضلال المسلمين ومحاولة سلخهم عن عقيدتهم وهويتهم تحت ستار الخدمات الاجتماعية والأعمال الخيرية من إنشاء المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية المختلفة.
مجال ترشيد شباب الصحوة : أصدرت له مجلة الأمة كتابه الشهير (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) الذي طبع منه مئات الآلاف بالعربية وترجم إلى عدد كبير من اللغات كالإنجليزية والأوردية والتركية والماليزية والأندونيسية والماليبارية ، كما أصدر كتاب (الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي) وكتاب (من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا) وكتاب (الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم).
مجال العمل الحركي والجهادي : اشتغل الدكتور القرضاوي منذ فجر شبابه بالدعوة إلى الإسلام عقيدة ونظام حياة عن طريق الخطب والمحاضرات والدروس والأحاديث وساعده على ذلك اتصاله المبكر بحركة الإخوان المسلمين وتعرفه على الإمام الشهيد حسن البنا ، وهيأ له ذلك أن يجوب محافظات القطر المصري من الإسكندرية إلى أسوان وإلى سيناء وأن يزور بعض الأقطار العربية مثل سورية ولبنان والأردن بتكليف من الأستاذ حسن الهضيبي ـ المرشد الثاني للإخوان المسلمين ـ لنشر الدعوة وهو لا يزال طالباً بكلية أصول الدين ، وقد لقي في سبيل دعوته كثيراً من الأذى والاضطهاد والاعتقال عدة مرات منذ كان طالباً في المرحلة الثانوية في عهد فاروق سنة ١٩٤٩ م وبعد ذلك في عهد الثورة في يناير سنة ١٩٥٤ م ثم في نوفمبر من نفس السنة حيث استمر اعتقاله نحو عشرين شهراً ثم في سنة ١٩٦٣ م.
عضويته في مجامع علمية : القرضاوي عضو في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية وعربية وإسلامية وعالمية منها المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامية بمكة والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد ومجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم ورئيس لهيئة الرقابة الشرعية في عدد من المصارف الإسلامية.
0 Shares


